تابعنا على لينكد إن

عندما تكون مديراً لفريق من عدة أشخاص، لا يمكنك ضمان تعايشهم مع بعضهم دائماً، نظراً إلى تضارب المصالح والاحتياجات والأجندات. وتجد ضمن الفريق شخصين لا يتوافقان أبداً. ماذا سيكون دورك كمدير في مثل هذه الحالات؟، هل عليك التدخل أم تركهم لحلّ مشاكلهم بأنفسهم؟

في الوضع المثالي، ستكون قادراً على تدريب زملائك للتحدث مع بعضهم وحلّ خلافاتهم دون تدخّلك، مع توضيح أنّ مثل هذه الخلافات تضرّ بمصلحتهم ومصلحة المؤسسة. ولكن هذا الحلّ ليس ممكناً دائماً، حيث أنه في هذه المواقف تكون عملية التدخل مهمة، ولكن ليس كمدير بل كوسيط. وللتأكيد على ماهية دورك فإنك لن تكونَ وسيطاً محايداً ومستقلاً طالما أنك مهتمّ بالنتيجة، ولكن من المحتمل أن تكونَ أكثر فعالية في تلبية مصالح الجميع- مصالحك ومصالحهم ومصالح المؤسسة- إذا استخدمت مهارات الوساطة بدلاً من استخدام صلاحياتك.

لماذا عليك الاعتماد على الوساطة وليس على الصلاحيات؟، من الأرجح أن يتخذَ زملاؤك القرار ويُنهون الخلاف إذا شاركوا في عملية صنع هذا القرار. أما إذا أمليت عليهم ما الذي ينبغي فعله، فلن يكونوا بذلك قد تعلموا أي شيء عن حلّ خلافاتهم بأنفسهم. وبدلاً من ذلك، يصبحون أكثر اعتماداً عليك لحلّ هذه الخلافات.

بالطبع ستواجه حالات تتخلّى فيها عن دورك كوسيط وتقرّر كيفية حلّ الخلاف، إذ يحصل هذا على سبيل المثال في الحالات التي توجد فيها مسائل إدارية مهمة معنيّة في المشكلة أو سياسة خاصة بالشركة، حينها يكون الخطر وشيكاً. أو في حالة فشل جميع الطرق الأُخرى لحلّ الخلاف. ولكن هذه الحالات قليلة ومتباعدة.

ماذا إذا كان زملاؤك يتوقعون منك أن تتدخل كمدير؟، ستكون خطوتك الأولى في هذه الحالة معرفة ما هي صلاحياتك، ولكن مع شرح عملية الوساطة التي تفكر بها. إذ يمكن أن تخبرهم أنك على الرغم من امتلاكك الصلاحية لأن تفرض عليهم النتائج كمدير، إلا أنك تأمل أن يتوصّل الطرفان إلى حلّ يُرضي الجميع. كما يمكنك إخبارهم أيضاً أنكم عندما تجتمعون، على الطرفين أن يكرّسا طاقتهما للتوصل إلى اتفاق بدلاً من قيام كلّ منهما بإقناعك بضرورة الأخذ بوجهة نظره.

هل عليك بداية أن تجتمع مع كل زميل بشكل منفصل أم مشترك؟، هناك إيجابيات وسلبيات للطريقتين. ولكن الهدف هو فهم موقف كلّ منهما (ما الذي يدّعيه أحدهما ويرفضه الآخر) ومصالحهما (لماذا يدّعي أحدهما شيئاً ولماذا يرفضه الآخر).

غالباً ما تحمل الخلافات كمية من العواطف، فقد يكون أحد الزميلين أو كلاهما في حالة غضب شديد. ويشعر أحدهما أو كلاهما بالخوف من الآخر. ولذلك فإنّ الاجتماع مع كلّ منهما بشكل منفصل يُعطي الطرف الغاضب فرصة للتنفيس عن غضبه، ويُعطيك الفرصة لجعل الزميل الخائف مطمئن بأنك ستستمع إليه وأنك تُظهر بعض المعلومات التي ستكون مفيدة لحلّ الخلاف، تلك المعلومات التي لم يتشاركها الزميلان مع بعضهما أو أنهما لم يسمعانها عند مشاركتها.

إذا جلست في البداية مع كلّ منهما بشكل منفصل، لا تركّز النقاش على حل الخلاف بل على فهمك للخلاف الحاصل واستعدادك لسماعهما وحرصك على فهم مخاوفهما.

أظهر البحث أنّ الاجتماعات الأولية المنفصلة تكون أكثر نجاحاً إذا قضى المدير بعض الوقت في بناء التعاطف وفهم المشكلة. وسيكون هناك الكثير من الوقت في الاجتماعات اللاحقة للحديث عن كيفية حلّ الخلاف. وتأكد خلال الاجتماع الأولي من استخدامك لهذا النوع من التعاطف (والذي لا بدّ أن يكونَ صعباً عليك) وليس الشفقة (أشعر بالأسف لما مررت به)، حيث أنّ تعبيرك عن التعاطف يدلّ على احترامك وحياديتك نسبياً، ولا يعني دعمك لموقف الشخص.

بينما تكمن الخطورة في البدء باجتماع منفصل هو أنّ كل طرف سيظنّ أنّ الآخر يحاول التأثير عليك لتقبل وجهة نظره. ويمكن تجنّب حصول هذا عن طريق شرحك بأنّ الهدف من هذا الاجتماع هو فهم ما يجري من وجهة نظر الطرفين، وليس من أجل أن تكوّن رأياً حول المُخطئ والمصيب.

كما أنّ الاجتماع المشترك له جوانب إيجابية أيضاً. تتمثل بإعطاء فرصة لكلا الطرفين من أجل التنفيس عن غضبهما بتحكّم في جلسة مشتركة ما يُصفّي الجو بينهما. ولكن عليكَ التحقق من موافقة كلا الطرفين قبل اقتراح هذه الطريقة لأنك تريد ضمان قدرتهما على المشاركة في هذه الجلسة دون فقدانهما هدوءهما، ما يصعّب التوصلّ إلى حلّ. وعليكَ التأكد أيضاً من وضع قواعد أساسية قبل البدء بالجلسة مثل أنه سيكون هناك دور لكل طرف وأنّ لا مكان للمقاطعات. وكُن مستعداً للسيطرة تماماً على الجلسة حتى إذا اضطررت إلى إيقافها إن لم تعد تستطيع السيطرة عليها، وستتحوّل الجلسة إلى العنف.

وهناك أيضاً إيجابية أُخرى لجمع الطرفين معاً وهو أنهما بحاجة إلى المشاركة في إيجاد حلّ للخلاف بأنفسهما، وإلى تطوير قدرتهما على التحدّث إلى بعضهما عند نشوء خلافات مستقبلية. وبالتأكيد فإنّ خطر الاجتماع المشترك يتمثّل في عدم قدرتك السيطرة على العملية، ما يؤدي إلى تصعيد الخلاف.

ولكن تذكّر أنك لستَ مضطراً إلى اختيار طريقة واحدة للاجتماعات والاستمرار عليها إلى نهاية العملية، بل يمكنك التبديل ما بين الخيارين. على أي حال، يُظهر بحثنا أنّ البدء باجتماع منفصل وبناء التعاطف القائم على التفهّم ومن ثم الانتقال إلى الاجتماع المشترك أكثر فعالية في حلّ الخلاف من البدء باجتماع مشترك ومن ثم التحوّل إلى اجتماع منفصل.

ما الذي عليك أن تُنجزه في الاجتماع الأول؟، هناك عدة أمور يجب فعلها في الاجتماع الأول سواء كان  مشتركاً أم لا. أول هذه الأمور هي أن تشرح للطرفين دورك المتمثل في المساعدة للتوصّل إلى حلّ مقبول لهما، ولكن مع ضمان عدم وجود آثار سلبية لهذا الحل على الفريق أو المؤسسة. وإيضاح أنّ قبول اتفاقية معينة يتطلّب تأييدك وتأييد طرفي الخلاف. وبعد ذلك ضع بعض القواعد الأساسية لكل اجتماع يجمعكم، مثل الاحترام وعدم المقاطعة.

إذن، الهدف من الاجتماع الأول هو أن يغادر المعنيّون من الاجتماع بعد أن تكون مشاعرهم هدأت وشعروا باحترامك لهم، أما إذا لم يشعروا باحترامهم لبعضهم بعد. بتحقيق هذا الهدف، يمكنك الجمع بينهم (إذا لم يكن الاجتماع الأولي مشتركاً) والتركيز على المعلومات التي يحتاجها الجميع لحلّ الخلاف.

ما هي المعلومات التي تحتاج إلى الحصول عليها للاجتماعات المقبلة من أجل حلّ الخلاف؟، عليك أن تفهم موقف كلّ الأطراف (ما الذي يريده كل شخص) ومصالحهم (لماذا يتخذ كل طرف ذلك الموقف تحديداً، وكيف يعكس موقفه مخاوف احتياجاته) وأولوياتهم (ما هو الأكثر والأقل أهمية لكل منهم، ولماذا).

يمكنك جمع هذه المعلومات عن طريق عدة أمور، منها: طرح أسئلة مثل “لماذا” أو “لمَ لا” للكشف عن المصالح المبنيّة عليها مواقف الأطراف، والاستماع بعناية لتحديد هذه المصالح لإعادة صياغة ما تظنّ أنك فهمته عن مصالح أحد الطرفين لتضمن أنك فهمت فعلاً وأنّ الطرف الآخر يستمع إليه أيضاً.

ما هي العثرات التي يجب تجنبها؟، يمكن لمثل هذه النقاشات أن تسير بشكل خاطئ بعدة طرق. إحداها محاولة أحد الطرفين إقناعك بأنّ وجهة نظره هي وجهة النظر الصحيحة الوحيدة، وأنّ موقفه هو الموقف الصحيح، أو أنه يجب أن ينتصر لأنه أقوى. ونحن نسمي هذه حجج الوقائع والحقوق والقوة، وهي مؤذية لأنها تصرف الجميع عن الحلّ الذي يُلبّي مصالح الجميع.

تُعتبر حجة الوقائع مثيرة للاهتمام، فعلى الرغم من مرور الزميلين بالموقف نفسه، إلا أن كلاً منهما يتذكره بشكل مختلف. ويعتقد كلاهما أنه لو استطاع إقناعك والطرف الآخر بوجهة نظره سينتهي الخلاف بذلك. لكن المشكلة أنك حتى لو كنت حاضراً في الموقف، فإنّ محاولتك لإقناع الآخرين بوجهة نظرك سيكون لها نتائج عكسية، لأنك إذا لم تُقدّم معلومات موثوقة جديدة، فمن غير المحتمل أن يغيروا آراءهم حول ما حدث. والطريقة الأفضل للخروج من هذا المأزق هي الموافقة على عدم الموافقة ومن ثم المضي قدماً.

أما بالنسبة لحجة الحقوق فقد تأتي على شكل الدعوة إلى العدل أو الممارسات السابقة. والمشكلة أنّ مقابل كل حجة من هذا النوع يقدّمها أحد الطرفين، يمكن للطرف الآخر تقديم حجة مختلفة تدعم موقفه الخاص به. وما يراه أحد الأطراف عدلاً يراه الآخر ظلماً والعكس صحيح. لذلك إذا احتكما إلى قضية العدل، من الأفضل تأجيل المناقشة مؤقتاً بينما تقوم بعمل بحث مشترك عن المعلومات التي تساعد في حل الخلاف.

أما حجة القوة فتُعدّ بمثابة تهديدات، كأن يقول أحدهم: “إذا لم توافق على موقفي، سأقوم (بـ…)”، إذ أنّ شعور الناس بالتهديد يجعلهم دفاعيّن ومُرتابين، ما ينفّرهم من مشاركة معلومات حول الموقف والمصالح والأولويات. وإذا شكّلت الأمور المتعلقة بأحد الأشخاص تهديداً، سواء تهديد صريح أو ضمني، عليك تذكير زملائك بقواعد الاحترام الأساسية. كما يمكنك إعادة التذكير بالهدف الذي تحاول إنجازه من خلال مشاركة المعلومات المهمة للتوصّل إلى حل، وعبر ذلك النقاش الذي يوضحّ ما الذي يمكن فعله، هذا إذا لم يكن هناك تسوية لها نتائج عكسية على الحل في هذه المرحلة.

كيف يمكنك المواصلة نحو التوصّل إلى اتفاق؟، ربما يكون إيجاد تسويات محتملة أمراً سهلاً إذا أوضحت لزملائك أنّ الخلاف ما هو إلا سوء تفاهم أو أنّ هناك طريقة تحترم مصالح الطرفين أثناء محاولتك مساعدتهم على فهم مواقفهم المختلفة ومصالحهم. فإذا اتّضح للجميع أنّ مصالحهم معنيّة في الخلاف بالقدر نفسه الذي تُعنى به مواقفهم، سيصعب التوصّل إلى تسوية مرضية، ولكن عليك ألا تستسلم.

يُظهر بحثنا أنّ هناك العديد من الطرق لتسهيل التوصّل إلى اتفاق في هذه الحالة. وبشكل مفاجئ غالباً ما يوافق الأطراف ببساطة على طريقة تفاعلهم أو معالجة مشاكلهم في المستقبل. فهم يضعون الماضي خلفهم ويتقبّلون فكرة أنّ الممارسة السابقة لم تكن ناجحة بالنسبة إلى أحد الطرفين أو كلاهما ويمضون قدماً. ومع هذا فقد يكون الوضع صعباً، لأنه في بعض الأحيان يكون أحدهم مستعداً للمشاركة في اتفاق مستقبلي كهذا، ولكن لا يثق بالطرف المقابل وباستعداده على إنهاء الخلاف. لذلك، في مثل هذه الحالات عندما يكون الشك مصدراً للقلق، يمكنك تجربة إحدى هذه الأنواع من الاتفاقيات:

  • المدة المحدودة: جرّب شيئاً لفترة محدودة ثم قيّمه قبل أن تتابعه.
  • الاشتراط: الاتفاقيات التي تعتمد على عدم وقوع حدث مستقبلي. إذا وقع هذا الحدث المستقبلي، سيتمّ تنفيذ اتفاق بديل.
  • وضع غير مسبوق: الاتفاقيات التي تحمي من المخاطر عبر موافقة الأطراف على أنّ هذه التسوية لن تشكّل سابقة لحصول خلاف مماثل في المستقبل.

وتٌعتبر أفضل الحالات هي أن يقدم زملاؤك حلولاً تلبّي مصالحهم ومصالح الطرف الآخر. وربما تكون قادراً على تدريبهم لتقديم مثل هذه الاقتراحات عن طريق تلخيص المصالح والأولويات كما سمعتها. ومن ثم يمكنك الطلب من كل زميل أن يقدم اقتراحاً يأخذ مصالح الطرف الآخر وأولوياته بعين الاعتبار. كما عليك منعهم من تقديم اقتراحات غير واقعية والتي تُسيء إلى الآخرين. بالإضافة إلى تحذيرهم من تقديم عروض يعجزون عن تبريرها منطقياً، لأن هذا سيضر بمصداقيتهم.

إذا لم تتمكّن من التوصّل إلى اتفاق على الرغم من جهود جميع الأطراف، ربما تكون بحاجة إلى التحدث مع كل طرف بشكل منفصل عن عواقب عدم التوصّل إلى حلّ. إذ يمكن أن تطرح سؤالاً مثل: ما الذي تعتقد أنه قد يحدث إذا لم نتوصّل إلى حلّ؟، وسيكون الجواب بالتأكيد أنهم لا يعرفون ما سيحدث. إنّ الطريقة الوحيدة للتحكم بنتيجة الخلاف هي قيام الأطراف المعنيّون حلّه بأنفسهم.

في النهاية، إذا لم يكن هناك تسوية، ربما تكون بحاجة إلى التخلي عن دورك كوسيط، وتفرض نتيجة معينة كمدير تلّبي مصلحة المؤسسة على أفضل وجه. وتأكّد من شرح أسبابك وإيضاح أنّ ليس هذا ما ترغب به. كما عليك الإشارة إلى أنّ هدفك من جعلهم يبذلون جهداً في حلّ خلافهم هو أن يكونوا أكثر جاهزية لفعل هذا في المستقبل، وأنّ هذا الهدف لم يتحقق تماماً. ولكن لا تدعهم يذهبون وهم يفكّرون بأنّ علاقتهم محكوم عليها بالفشل. بل قدّم آراء لكلا الطرفين حول ما الذي يستطيعون فعله بشكل مختلف في المرة القادمة، مع توضيح أنك تتوقع منهم حل خلافاتهم بأنفسهم في المرة القادمة التي يتشاجرون فيها.

تنويه: إن نسخ المقال أو إعادة نشره بأي شكل وفي أي وسيلة دون الحصول على إذن مسبق يعتبر تعدياً على حقوق الملكية الدولية ويعرض صاحبه للملاحقة القانونية. جميع الحقوق محفوظة لشركة هارفارد بزنس ببليشينغ، بوسطن، الولايات المتحدة الأميركية – 2018.

هذه المقالة عن إدارة الأزمات

شاركنا رأيك وتجربتك

كن أول من يعلق!

التنبيه لـ

wpDiscuz