فقط اطرح موضوع الكمالية في غرفة مليئة بالمدراء التنفيذيين أو رؤساء الكليات أو ضباط الأكاديمية البحرية وسوف ترى نفس الابتسامات وإيماءات الرأس. ستسمع التبجح الخفي حول من منهم أكثر الكماليين كمالية. وسوف يقوم العديد منهم بتمجيد فضائل البحث عن الكمال، كما سيجعل بعضهم السعي لتحقيق الكمال أحد قواهم الهامة. غالباً ما تؤدي بيئات العمل التي تشجع على عقلية "صفر عيوب" إلى تفاقم هذا التبجيل للكمال.

لقد أصبح هذا المفهوم الخاطئ عن "الكمالية الجيدة" متفشياً جداً لدرجة أن العديد من الناس يجاهدون لتمييز الكمالية السيئة عن الصفات الإيجابية الأخرى كالرغبة في الإنجاز والسعي للتميز ووضع معايير عالية للأداء الشخصي. ويشير البحث الذي قام به الأخصائي النفسي توماس جرينسبون إلى أنه من الخطأ الخلط بين الكمال والسعي نحو التميز. فالكمالية والرغبة في التميز لا يمكن اعتبارهما موقعين متشابهين على نفس السلسلة: إنهما مفهومان مختلفان كلياً. يتضح لدينا أنّ مفهوم الكمالية الجيدة ليس إلا تناقضات يائسة. وعندما يكون ناشدو الكمال ناجحين في عملهم فإن ذلك يحدث رغماً عن مثاليتهم وليس بفضلها.

خُذ نفس أولئك المدراء التنفيذيين ورؤساء الكليات وطلاب الأكاديمية العسكرية واذكر لهم أنّ الكمالية الاعتيادية مرتبطة بالحزن النفسي وبالخلل الوظيفي للعلاقات وبمعايير تشخيصية من اضطراب الوسواس القهري، ولاحظ كيف تبدأ الابتسامات والتبجح بالتلاشي. فالكماليون الحقيقيون يعرفون تماماً كل هذه التكاليف الخفية.

تتمحور البحوث العلمية حول الكمالية كمتلازمة شخصية حول عنصرين منفصلين. أولاً، يضع الكماليون لأدائهم معايير عالية جداً لدرجة غير معقولة- وبعيدة المنال طبعاً. ثانياً، لا يتهاون الكماليون عن كيل نقد لاذع لأنفسهم عند الفشل في اجتياز تلك العقبات في الأداء. وفي المحصلة، يخاف الكماليون من الفشل ويقلقون من احتمالية الخطأ، محفزهم هو إحساس قوي بالواجب والإجبار(أكثر من الحماس أو التحدي الصحي)، ويشغل بالهم كثيراً أن الآخرين قد يقابلونهم بالرفض. حتى أنّ بعضهم قد يوصف بأنه "يعمل مذعوراً".

يقول الأخصائي النفسي ديفيد بيرنز عن الكمالية أنها "مخطوطة لهزيمة النفس" وليست وصفة لتحقيق النجاح. ففي خضم سعيهم لتجنّب الأخطاء، يكبح الكماليون إبداعهم ويتجنبون الخوض في مجازفات ضرورية. ويبدو واضحاً أن الكماليين المنتقدين لذواتهم أكثر عرضة للإصابة بأعراض الاكتئاب (الشعور بالذنب والغضب والحزن وانخفاض الطاقة وانعدام البهجة) أو القلق أو فقدان الأمل أو التفكير بالانتحار.

كيف تنشأ جذور الكمالية؟ على الرغم من أنّ البحث العلمي في هذا المجال يشوبه النقص، لكننا نعرف أن الكمالية تزدهر من مزيج عدّة عوامل وهي: الاستعداد الوراثي والنموذج أو السلوك الأبوي والعوامل الاجتماعية الثقافية. فبالإضافة إلى أنهم يمثلون نموذجاً عن الاضطراب العاطفي والقلق حول الأداء، هناك دليل على أنّ الآباء الناشدين للكمال أكثر انتقاداً وتطلّباً وأقل دعماً لأطفالهم. وقد يستخدم هؤلاء الآباء العاطفة والاستحسان كمكافأة على الأداء المثالي. عندما يخطئ الأبناء أو لا يكونون مثاليين، تُترجم خيبة الأمل أو القلق الواضح عند الأهل على أنها رفض.

نوع الجنس مهم أيضاً. فليست النساء فقط أكثر عرضة "لوراثة" كمالية الأبوين – وخصوصاً الأم- لكنهنّ يواجهن أيضاً مجموعة من الانحيازات والنماذج النمطية المرتبطة بكفاءتهن، ما يؤدي إلى تأجيج حاجتهن للسعي وراء أداء مثالي. يعتبر الأسوأ من بينها هو انحياز "افعليها مرة أخرى"، حيث تطالب المرأة بأن تُثبت كفاءتها مرات عديدة كي تعتبر مساوية في الكفاءة. وفي حين يُقيّم الرجال في الغالب على أساس إمكانياتهم تقيّم النساء على أساس الكفاءة. كما أنّ معايير تقييم الكفاءة عادة ما تطبق بصرامة على المرأة، وهذا يعني أنه في حين يُسامح الرجل على الأخطاء الفادحة التي يرتكبها أو يجري تناسيها، يحصل تدقيق في الخطأ الذي ترتكبه المرأة ولا يُنتسى وهو ما يُغذي متطلبات الكمال التي تفرضها المرأة على ذاتها وتنتقد بها نفسها.

أما في المؤسسات والمهن المعروفة بذكوريتها عبر التاريخ، تكون النساء أكثر عُرضة لمتلازمة الخداع. وفيها تتشكل عند المرأة، حتى أكثرهن تنافسية وأداء، مجموعة من الشكوك حول الانتماء وحول ما إذا كانت المرأة تستحق نجاحاتها وإنجازاتها. تؤدي هذه الانحيازات الداخلية لأحد الجنسين، وخاصة عندما تقترن بالنماذج النمطية الخارجية في العمل، إلى خلق عاصفة من التشكيك بالنفس والنقد الذاتي ووضع معايير مستحيلة الأداء.

الكمالي شخص صعب التوجيه والتدريب. فالعلاقات الأكثر إنتاجية ومغزى هي تلك التي تتصف بالشفافية والمتبادلة والانفتاح والثقة، لكن الكمالي لا يفسح المجال للموجّه أبداً ليستشف مساحات النمو والتطور، ولا يسمح بمشاركة نقاط ضعفه. وبهذا فقد تخرّب حاجة الكمالي اليائسة لأن يبدو خالياً من الأخطاء كل قيمة في التعليم أو التوجيه. وحتى لو تمكن المعلم بدهائه من تشخيص حالة الكمالية، فإنّ طالبه قد يقاوم جهود مدربه لجعله يتقبل عيوبه.

ما الذي على الموجه فعله؟ لدينا العديد من الاستراتيجيات غير المثالية ولكن الواعدة لمساعدة المستفيد للتغلب على معظم التأثيرات الخادعة للكمالية في العمل:

  • تأكد من كماليتك أنت أولاً. هل سبق لك وتصارعت مع معايير شخصية غير معقولة ونقد ذاتي؟ إذا كان الجواب بنعم، فعليك أن تكون حذراً بشأن النموذج الذي تقدمه للطلاب، واثن– علناً أو ضمناً-على تخلّ الطالب عن كماليته.
  • ركز في توجيهك على التأكيد والتصديق والتشجيع والدعم. أولاً وقبل كل شيء، ركز في شرحك على القيم، وليس على الأداء. فعندما يقصر تلاميذك أو يظنون أنهم قد فشلوا، ساعدهم على تنمية إحساس بالفضول والتحري والمجازفة لاستنباط الخطأ والتوصل لطرق مختلفة أخرى للتقدم للأمام.
  • استخدم الحزم واللطف معاً لتحديد الأفكار والسلوكيات الكمالية لدى تلاميذك. تحد التلاميذ أن يتعلموا تمييز ورفض الأفكار المثالية غير المعقولة. يمكنك فعل هذا بتوجيه أسئلة بارعة كما فعل بيتر بارك في شخصيته كولومبو (أنا حائر. أنت تصر على أن تكون مثالياً. ولكنك تبدو إنساناً مثلنا جميعاً، ونحن طبعاً نعرف أن البشر يخطئون. هل تساعدني لفهم ذلك؟).
  • استخدم في الوقت المناسب أسلوب الكشف الذاتي عن بعض أخطائك وعثراتك. أظهر لتلميذك كيف تعلّمت من كل خطأ ارتكبته، وكيف كان كل خطأ فرصة لتتطور مهنياً، والأهم من ذلك هو أن تبقى متَقبلاً ومحباً لذاتك على أساس أنك كائن بشري قابل للسقوط ويسعى للتميز غير الكامل.
  • لا تتظاهر أبداً بكفاءات لا تملكها. من المفيد قول "لا أعرف، دعنا نكتشف سوياً" وبهذا تمنح تلميذك الإذن بأن لا يعرف كل الإجابات.
  • كن مرحاً ولكن بشكل مدروس. في عالم المثاليين المفعم بالقلق، قد يصبح المرح التعاطفي دواء للروح المضطربة. مثلاً، عندما يتكرر بشكل صارم ودائم فرض الطالب على نفسه متطلبات غير معقولة في صيغة "يجب علي"  بإمكان المدرب أن يقول بلطف "أعتقد أن كل هذه الفروض التي ترهق بها نفسك لن تأخذك إلى أي مكان. دعنا نجرّب طريقة منطقية أخرى". أو جرب القيام بمداخلة تناقضية لتسلط الضوء بشكل ظريف على الخوف الكارثي للمتدرب "نعم، أنا متأكد أنك على حق. إن لم يكن أداؤك خالياً من الأخطاء في اجتماع مساء اليوم، فإنني أراهن على أنّ كلانا سيُطرد على الفور وسينتهي بنا المطاف مشردين ولن نجد عملاً مرة أخرى على الإطلاق".
  • ادفع بتلميذك ليكون منفتحاً على أكثر ما يخشاه الكمالي وهو نقص الكمال. اتفق مع تلميذك على أن يقوم ببعض الأخطاء الثانوية المتعمّدة وارفض تصحيحها. على سبيل المثال، اطلب منه أن يرسل لك رسالة بريد إلكتروني مليئة بالأخطاء المطبعية وأن يتحمل القلق الذي قد ينجم عن ذلك.

عليك أن تدرك وتتقبل أنّ من الصعب مساعدة الكماليين. وعليك أن تدرك كذلك أنك موجّه غير مثالي أبداً.

تنويه: يمكنكم مشاركة أي مقال من هارفارد بزنس ريفيو من خلال نشر رابط المقال أو الفيديو على أي من شبكات التواصل أو إعادة نشر تغريداتنا، لكن لا يمكن نسخ نص المقال نفسه ونشر النص في مكان آخر نظراً لأنه محمي بحقوق الملكية الدولية. إن نسخ نص المقال بدون إذن مسبق يعرض صاحبه للملاحقة القانونية دولياً.

ﺟﻣﯾﻊ اﻟﺣﻘوق ﻣﺣﻔوظﺔ ﻟﺷرﻛﺔ ھﺎرﻓﺎرد ﺑزﻧس ﺑﺑﻠﯾﺷﻧﻎ، ﺑوﺳطن، اﻟوﻻﯾﺎت اﻟﻣﺗﺣدة اﻷﻣﯾرﻛﯾﺔ - 2019

آخر المقالات

اترك تعليق

قم بـ تسجيل الدخول لتستطيع التعليق
avatar
  شارك  
التنبيه لـ
error: المحتوى محمي !!