تابعنا على لينكد إن

يخشى العديد من الناس أنّهم مهما حضّروا أنفسهم لنقاش أو جلسة تفاوض مّا وأحسنوا التجهيز لذلك فإنّ نقاشهم سيؤول بالنهاية إلى جدال عقيم أو صراخ لا طائل من وراءه. وحتى لو تعاملت مع النقاش والتفاوض بعقلية تشاركية تركّز على ضرورة حل المسائل، فإنّ هذا لن يكون كافياً لتفادي تحوّل النقاش إلى احتدام بين المشاركين فيه. ولعلك تعرف أنّ ذلك يحدث حين تشعر بالانفعال العاطفيّ أثناء النقاش، أو حين يرتفع ضغطك، أو تشعر بالغضب أو التوتّر. ويمكن للطرف الآخر كذلك أن تسيطر عليه الحالة نفسها. فترتفع الأصوات ويبدأ أحدكما أو كلاكما بالصراخ.

فلننظر إلى هذا المثال من داخل شركة في فترة التخطيط للميزانية السنوية. السيدة بيتي، رئيسة قسم المبيعات تحضّر الميزانية للعام القادم، وستلتقي بالسيد أميت، رئيسِ قسم التمويل. وكانت بيتي قد طلبت من أميت عدة مرات تزويدها بأرقامٍ نهائية يمكنها أن تدرجها في ميزانيتها. ولكنّ أميت بدل أن يقدم لها ما تريد ذهب يتردّد إلى مكتبها ويطرح عليها مزيداً من الأسئلة. ومن المفترض أن تسلّم بيتي مسودة الميزانية لكبير المسؤولين الماليين في الشركة في صباح اليوم التالي، فاضطرت لأن ترسل إلى أميت طلباً للاجتماع ومناقشة القضيّة العالقة بينهما. يوافق أميت على هذا الاقتراح ولكنّه يتأخر عن الاجتماع 15 دقيقة. بيّنت بيتي له سبب احتياجها للمعلومات ذلك اليوم تحديداً، وطلبت منه أن يوضّح لها السبب الذي يحول دون أن يقدّمها لها. فأجابها أميت بأنّها لم تقدّم له ما يكفي من المعلومات وأنّه قد أمضى كثيراً من الوقت والجهد محاولاً أن يفهم ما وضعته بين يديه من طلبات.
فترفع بيتي صوتها قائلة: “طلبت منك أربع مرات أن تعطيني تلك الأرقام، ثم أتيت متأخراً إلى الاجتماع، ثم تقول إنّ ما حصلَ هو خطأي أنا! لم لا تستطيع أن تفعل ما أطلبه منك؟”

بدا أميت متعجّباً من عدم قدرة بيتي على فهم الموضوع وقال:”أنا أعمل على أرقامك هذه منذ أسابيع! ولكني لا أستطيع أن أعطيك الأرقام النهائية من دون أن أحصل منك على كافة المعلومات التي أحتاجها. ألا تفهمين أنّ هذا واجبك؟”

قد لا يبدو لك هذا الموقف مثالاً على حوار تفاوضي للوهلة الأولى، ولكنّه في الواقع كذلك: فهنالك طرفان لهما دوافع ومصالح مختلفة يحاولان الاتفاق حول كيفيّة التعامل مع قضيّة ما. وقد طرأ في هذه الحالة خلاف، ولكنّ هذا الخلاف قد لا يؤثر بالضرورة على العلاقة بين بيتي وأميت أو مسودة الموازنة التي تعدّها بيتي.

إنّ المشاعر تحتدّ أثناء النقاش والتفاوض نظراً لحساسيّة ما يتمّ النقاش حوله، مثل أعمال الآخرين ووظائفهم، وموقف الموظفين من المدراء أو مقدار ثقتهم بهم أو نجاح مشروع ما أو مستقبل العمل.

كما يمكن أن ترتفع حدّة النقاش حين يكون هناك سوء في إدارة التواصل بين الطرفين. فيمكن مثلاً أن يسيء أحد الطرفين فهم مقاصد الآخر أو يوجّه إليه إهانة غير مقصودة مما سيؤذي المشاعر ويشحن الأجواء بالمشاعر السلبيّة.

ومهما كان الداعي لتحوّل الحوار إلى جدال محتدم، فإليك بعض الطرق التي قد تساعد في تخفيف حدّة النقاش وتهدئة الأجواء في أي موقف مماثل:

  1. ركّز على ردّات فعلك الجسدية. خذ نفساً وتجنب شدّ الأعصاب وحبس النفس. تمالك نفسك من خلال وضع يديك على الطاولة أو الوقوف على قدميك. إنّ الطريقة التي تتحرّك بها لها أثر على الطريقة التي يتفاعل بها ذهنك مع الموقف. أمّا إن بدأت تفرك براحتيك مثلاً فإنك ترسل إشارة إلى الدماغ بأنّ هناك أمراً يثير القلق. أمّا لو تحرّكت ببطء وتركيز، فإنّك ترسل رسالة إلى الدماغ ليحافظ على الهدوء والاتزان.
  2. استمع إلى ما يقوله الطرف الآخر. اتركه ينفّس عن مشاعره، فبعض الناس يحتاجون إلى ذلك كنوع من ترويح الضغط عن النفس. فبعد أن يصرخ الشخص أو يضرب على الطاولة فإنّه سيكون أقدر ربّما على استعادة هدوءه. لا تشعر دوماً أنّك مضطر للاستجابة على مثل هذا السلوك، فالأفضل إن استطعت هو أن تتجاوز عن ذلك وتنتقل إلى طريقة أكثر فعالية في النقاش.
  3. أظهر للطرف الآخر أنّك قد استمعت إليه. قم بطريقة هادئة بتكرار ما قاله الطرف المقابل بصيغة أخرى، فمن الطبيعي أنّ إقرارك بالسبب الذي دعاه إلى الغضب سيساعد غالباً في التفكير بالأمر بشكل مختلف، فكل ما يحتاج إليه الآخرون أحياناً هو أن نستمع إليهم.
  4. أظهر بعض التعاطف. إن كان الطرف المقابل غاضباً من أمرٍ لا علاقة لك به فعليك أن تخبره بأنّ الأمر يبدو صعباً، ويمكنك كذلك أن تؤطّر القضيّة بحيث تبدو مشتركة بينكما لتتمكنا من حلّها سويّة.
  5. حاول العثور على المزيد من المعلومات. إن كنت أنت سبب انزعاج الطرف المقابل، فعليك أن تبحث عن معلومات أخرى تساعدك في فهم ما يحصل حقّاً. حاول أن تفهم ما قمت به لتحدّد الزاوية التي ينظر بها كلا الطرفين إلى القضيّة.
  6. خذ استراحة قصيرة. إن كنت الطرف الذي يشعر بالانزعاج والغضب ففكّر في أن تأخذ استراحة قصيرة. يمكنك مثلاً أن تخرج وتمشي قليلاً حول مبنى الشركة لتفكر في الأمر، أو أن تطلب من أحد زملائك أن يساعدك في توضيح الأمر. إنّ مجرّد التنفس بشكل عميق أو جلسة تأمّل صغيرة . قد يساعدك في أن تتمالك نفسك من جديد.

حين ردّ أميت على بيتي قامت هي بأخذ نفس عميق وجلست في كرسيّها واضعة كلتا قدميها على الأرض. لقد حافظت على توازن جسدها، وتمكّنت من استعادة هدوئها، ولكنّها لاحظت في الوقت ذاته أنّ أميت ما يزال غاضباً مقطّب الجبين ومكتف الذراعين.

ثمّ اعتذرت بيتي عما صدر منها من كلام، ولم تكتف بذلك، بل سألت أميت عن سبب انزعاجه، وأقبلت عليه تستمع إليه بإنصات دون أن تقاطعه.

قال أميت إنّه كان تحت ضغط شديد في فترة إعداد الموازنة، واعترف بأنّ بيتي ليست الوحيدة التي تشاحن معها ذاك الأسبوع، ثم تحدّث عن عجزه عن أداء بعض المهامّ لأنّه لم يكن لديه الموارد الكافية في العام الماضي. بل إنّه أخبر بيتي أيضاً بموقف حصل قبل شهرين حين طلب مرة منها مساعدة في أمر ما ولكنّها لم تلبّ طلبه حينها. صحيح أنّ بيتي لم تتذكر أي شيء مما ذكر، ولكنّها مع ذلك لم تقاطعه، بل سألته عن نتائج ما حصل حينها بسبب تقصيرها بمساعدته. فحين أزاح أميت كلّ هذا عن صدره، وبفضل ما لاحظه من إنصات بيتي وتقبّلها لما يقول، فإنّه تمكّن من تمالك أعصابه، وارتاحت بيتي حين لاحظت أنّه أرخى كتفيه وساعديه.

تنويه: إن نسخ المقال أو إعادة نشره بأي شكل وفي أي وسيلة دون الحصول على إذن مسبق يعتبر تعدياً على حقوق الملكية الدولية ويعرض صاحبه للملاحقة القانونية. جميع الحقوق محفوظة لشركة هارفارد بزنس ببليشينغ، بوسطن، الولايات المتحدة الأميركية – 2018.

هذه المقالة عن إدارة

شاركنا رأيك وتجربتك

كن أول من يعلق!

التنبيه لـ

wpDiscuz