ترتبط أولى إنجازاتنا المهنية عادة بقدرتنا الفردية على العطاء. ففي معظم المجالات، نحقق القيمة المضافة للمؤسسات التي نعمل فيها في المراحل المبكرة من حياتنا المهنية من خلال إنجاز ما هو مطلوب منا. إذ أننا نكون سريعين وأكفياء ونؤدّي أعمالاً ذات سوية رفيعة. باختصار نحن من يحوّل الأقوال إلى أفعال. لكن احتفاظنا بهذه العقلية إلى المراحل اللاحقة عندما نتوّلى مناصبنا القيادية الأولى، يجعلنا نخلط ما بين الإنجاز والقيادة. إذ نعتقد أنه من خلال العمل لفترات أطول، وبقدر أكبر من الجد والذكاء مقارنة مع الفرق التي نقودها، فإننا بذلك نشكّل مصدر إلهام يُحتذى للآخرين. في بعض الأحيان، هذا الأمر قد يفضي إلى النتائج المرجوّة – كما كتب دانييل غولمان في مقالة له في هارفارد بزنس ريفيو بعنوان “القيادة التي تثمر النتائج” (في آذار/ مارس 2000)، “هذا الأسلوب في القيادة والقائم على رسم مسار الأمور بالنسبة للآخرين يكون مفيداً جدّاً عندما يعمل كل الموظفين بهدي من حافزهم الذاتي، ويتمتعون بالكفاءة العالية، ولا يحتاجون إلا إلى قدر صغير من التوجيه والتنسيق”. ولكن على حد رأي غولمان هذا الأسلوب قد ينطوي على ثمن باهظ يتمثل في “تدمير مناخ العمل، وجعل العديد من الموظفين يشعرون بالإنهاك جرّاء تطلب هؤلاء القادة المثاليين لسويات متميّزة في العمل”.

فعوضاً عن مجرّد أداء عدد أكبر من المهام، تتطلب محافظتنا على النجاح منا كقادة أن نعيد تعريف ما الذي نعنيه بإضافة القيمة. فاستمرارنا في الاعتماد على قدراتنا الفردية كأشخاص مُنجزين يحدُّ كثيراً من قدرتنا الفعلية على الإنجاز، ويجعلنا في مكانة أدنى بالمقارنة مع أقراننا القادرين بصورة أفضل على تحفيز الآخرين واستقطابهم. بعبارة أخرى، نحن بحاجة إلى أن نقلل مهامنا وأن نحسّن قيادتنا. في بعض الأحيان، قد يكون هذا الانتقال واضحاً ومفاجئاً، كما يحصل عندما تُرقّى ويصبح لدينا مرؤوسين للمّرة الأولى أو نقوم بتعيين أولى موظفينا. إذ أننا نحتاج فجأة إلى توسيع قدراتنا السلوكية لنتبنّى أساليب قيادية جديدة كسبل للتأثير في الآخرين بفعالية. (المقال الذي أشرت إليه أعلاه، “القيادة التي تثمر النتائج”، يقدّم خارطة طريق في هذا المجال، إذ أنه يسلّط الضوء على الأساليب التي لها أعظم الآثار الإيجابية أو التي قلما يلجأ إليها المدراء).

أمّا التحوّلات اللاحقة فقد تكون أكثر دقة وتنطوي على تنويعات عديدة، كأن ننتقل من قيادة موظفين يعملون على تماس مباشر مع الزبائن إلى قيادة المدراء، الذين يتعيّن عليهم هم أنفسهم التعامل مع هذا الانتقال ذاته. فأحد زبائني الذي أقدّم لهم النصح أدرك أنه يقود شركته كما لو أنه “المُنجز والرئيس في آن معاً”، وهذا النموذج في القيادة عمّ المؤسسة وحدّ من قدرة الجميع على المضي قدماً. غير أنه عمل على إصلاح دوره، من خلال التنازل عن معظم مهامه المنوطة به إلى كبار المدراء لديه، وطلب منهم فعل الشيء ذاته مع مرؤوسيهم المباشرين. وعوضاً عن مجرّد تكليف صغار الموظفين بالمزيد من الأعمال، هذا التركيز على القيادة أكثر من التركيز على أداء المهام قاد إلى قدر أكبر من الكفاءة في جميع أنحاء الشركة. وعلى حد رأي هذا الزبون: “انتقلنا من كوننا إطفائيين إلى خبراء في منع اندلاع الحرائق” مع تبنينا لمقاربة أكثر استراتيجية في العمل، وإعادة تصميم أنظمتنا التي تفتقر إلى الكفاءة، وحل المشاكل قبل أن تتحوّل إلى أزمات”.

هذا التركيز على القيادة وليس مجرّد أداء المهام ترك أثراً عميقاً على التعليم في مجال الإدارة. ففي العام 2010، قال غاريث سالونير عميد كلية الأعمال للدراسات العليا في جامعة ستانفورد (التي أعمل مدرّساً فيها) لماكينزي بأن: “المهارات الأصعب المرتبطة بالمالية وإدارة سلسلة التوريد، والمحاسبة…. أصبحت تحصيل حاصل، وعلى الجميع أن يعلموا ذلك. أمّا ما يمكن تسميته بمجموعة المهارات الأنعم، أي القيادة الحقيقية، والقدرة على العمل مع الآخرين وعبر الآخرين، والتنفيذ، فهي الآن عملة نادرة جداً.” فنحن نتوقع من طلابنا أن يتمتعوا بالمهارات التقنية والتحليلية القوية، أي أن يؤدّوا ما هو مطلوب منهم بفعالية. ولكن نتوقع من هؤلاء الطلاب وبعد بضع سنوات من التخرّج أن يقودوا أشخاصاً يتمتّعون بقدرات تحليلية وتقنية تفوق ما هو موجود لديهم، وهذا يتطلّب منهم أن يكونوا قادة فعّالين.

تنويه: إن نسخ المقال أو إعادة نشره بأي شكل وفي أي وسيلة دون الحصول على إذن مسبق يعتبر تعدياً على حقوق الملكية الدولية ويعرض صاحبه للملاحقة القانونية.

ﺟﻣﯾﻊ اﻟﺣﻘوق ﻣﺣﻔوظﺔ ﻟﺷرﻛﺔ ھﺎرﻓﺎرد ﺑزﻧس ﺑﺑﻠﯾﺷﻧﻎ، ﺑوﺳطن، اﻟوﻻﯾﺎت اﻟﻣﺗﺣدة اﻷﻣﯾرﻛﯾﺔ - 2018

1
اترك تعليق

قم بـ تسجيل الدخول لتستطيع التعليق
avatar
1 Comment threads
0 Thread replies
2 المتابعين
 
Most reacted comment
Hottest comment thread
1 Comment authors
yazeed1999 Recent comment authors
  شارك  
الأحدث الأقدم الأكثر تصويتاً
التنبيه لـ
yazeed1999
زائر
yazeed1999

ما ذكر صحيح ولكن تختلف باختلاف بعض الثقافات وهو عامل من العوامل اضافة الى ذلك مدى وجود حماية وشفافية وعدالة

error: المحتوى محمي !!