تابعنا على لينكد إن

كنان مدير تنفيذي رفيع في شركة ضخمة لخدمات الإنترنت، شارك في أحد البرامج التي أعطيها لتطوير القيادة. ومع أنه شخص موهوب جداً، إلا أنه كان مصدر إزعاج للمجموعة كلها. إذ يميل دائماً لاحتكار النقاش، أياً كان موضوعه. وصبره ينفذ سريعاً كلما تحدث أحدهم، ويسارع لتغيير الموضوع إلى شيء أقرب لاهتماماته. كما كان لديه عادة التقليل من قيمة عمل الآخرين والتضخيم من نجاحاته. ولذلك كان واضحاً للمشاركين الآخرين نظرة كنان لمعظم الناس على أنهم أقل شأناً منه. ومن غير المفاجئ أن معظم أفراد المجموعة لم يحبوته ووجدوه شخصاً يصعب التعامل معه.

يبدو في كثيرٍ من الأحيان أن امتلاك خصال نرجسية مثل العظمة والتباهي بالذات والغرور شروط مسبقة لبلوغ المراتب العليا في المؤسسة. إذ يتمتع النرجسيون غالباً بالكاريزما، كما يُعتبرون مناورين جيدين ما يساعدهم للمضي قدماً. لكن على الرغم من فعالية دوافعهم وطموحاتهم في الدفع بالمؤسسة إلى الأمام، إلا أن السلوك النرجسي المفرط يؤدي للفوضى وتعطيل العمل في المؤسسة. ويمكن القول أن النرجسيين حسودون بطبعهم لذلك تراهم دوماً يقاتلون من أجل الفوز مهما كان الثمن. وينظرون لأنفسهم على أنهم “مميزون”، لذلك لا يقارنون أنفسهم إلا بأشخاص “مميزين” مثلهم أو ذوي مكانة رفيعة.

بالإضافة لهذا، يملك النرجسيون إحساساً قوياً بالاستحقاق. لهذا ينفذ صبرهم بسرعة ويتملّكهم الغضب عندما لا يتلقّون المعاملة الخاصة. وبما أن لديهم عقلية القيام بما يتماشى ومصالحهم فهم يجدون صعوبة في تمييز مشاعر أو احتياجات الآخرين أو فهمها. فالإحساس بالآخرين لا يحدث تلقائياً لديهم. هم حساسون جداً، وهو ما يجعل تقبل النقد صعباً عليهم و يتألمون بسرعة ويبالغون في ردة فعلهم ويتخذون مواقفاً دفاعية. ومع أنهم يتركون انطباعاً لدى الآخرين بأن لديهم احتراماً كبيراً لذاتهم، إلا أن العكس هو الصحيح. حيث فتحت تلك القشرة من الثقة شرخاً من عدم الثقة يؤرّقهم. وليس تبجحهم إلا محاولة بطولية للتعويض عن ضعفهم العميق.

كل هذا يخلق تحديات أمام أولئك الأشخاص الذين عليهم التعامل مع هذا النوع من الشخصيات. وما يُصّعب من الأمور أن النرجسيين يرفضون الاعتراف بمشكلتهم. فكيف يحتاجون للمساعدة وهم يرون أنفسهم أفضل من الجميع؟ وكيف سيتعلمون من أخطائهم إن لم يعترفوا بارتكابها أصلاً؟

علاوة على ذلك، جرّب المعالجون النفسيون وسائل عديدة  من العلاج على الأفراد النرجسيين. وجميعها تستغرق وقتاً، فالسمات الشخصية لا تتغير بسرعة، هذا إن تغيرت. إذن، ما الذي بإمكان المدراء فعله؟ من خبرتي في إدارة ورشات العمل القيادية، توصلت إلى بعض التقنيات التي توفر نتائج مشجعة. وهي على شكل نصائح كالآتي:

اخلق شعوراً قوياً من الترابط بين الفريق

إذ تجعل بيئة العمل التصرفات المعطلة للعمل أكثر وضوحاً وأكثر قابلية للسيطرة وأكثر قابلية للنقاش، وبالتالي أقل قبولاً عند الفريق. فضغط الزميل سوف يدفع النرجسي لتبني قيم المجموعة. وبذلك يكون الزملاء هم من يضطلعون بدور “المنفذين” لدفع النرجسي للاستماع وإظهار تفهم لمشاعر الآخرين.

استخدم هذا الفريق القوي لترويج آراء الزملاء التقويمية

حيث يشعر النرجسيون بتهديد أقل حيال التقييمات الصادرة عن زملائهم مقارنة بالتقييمات الصادرة من شخص بمفرده أو من قائد. ويعود السبب في ذلك إلى أن تجاهل رأي صادر عن مجموعة أصعب من تجاهل رأي صادر عن فرد. إن سُمح للقوى المحركة للمجموعة أن تعمل عملها بفعالية فإن نظرة النرجسيين تجاه أنفسهم سوف تبرز وتتجسد ويتم تحديها، ومن ثم تعديلها.

اجعل مكان العمل آمناً، ومرحاً بعض الشيء.

يمكن لهذا النوع من البيئة أن يصبح مكاناً يتعلم فيه أصحاب الميول النرجسية تطوير الثقة واكتشاف حدود جديدة وتقبّل التقييمات وزيادة وعيهم الذاتي. في مثل هذه البيئة، سوف يكون زملاء النرجسي قادرين على مواجهته بشكل بنّاء بخصوص سلوكه المسبب للمشاكل مع توفير حد أدنى من التفهم له في نفس الوقت.

لا تواجه نرجسياً بشكل مباشر بل ادعم الفريق عوضاً عن ذلك.

بالعودة إلى كنان. عندما كانت تصدر منه تصرفات غير لائقة في جلسات تطوير القيادة، كان المدرب يُظهر تفهماً لمشاعر كنان، فيتظاهر بأنه متفاجئ أو متأثر عندما يحكي له الآراء التقويمية التي وجهها زملاؤه له. وفي تلك الأثناء، يكون المدرب قد جهّز زملاء كنان لئلّا يقبلوا أساليبه للسيطرة على الحوارات، وفوّضهم بأن يقاطعوه عندما يمضي في تصرفه لوقت طويل، وبهذا جعلوه يدرك أنه ليس مضطراً دوماً لإظهار أنه الشخص الأذكى في المكان.

مع مرور الوقت، تعلم كنان تفهم مشاعر الآخرين. وبفضل ممارسته الاستماع، بدأ يتعلم من تجاربهم. حيث اكتشف أن النقد البنّاء من الآخرين فيه فائدة وليس بالضرورة محبطاً لثقته بنفسه. وفي النهاية، أصبح يدرك أن الكثير من توقعاته لم تكن صحيحة، وأن العالم لا يدور حوله. فبدأ بتبني بعض الأنماط السلوكية للآخرين بعد أن رأى فيها طرقاً أكثر فعالية للتعامل مع تحديات الحياة.

وبطبيعة الحال، سيظل التعامل مع النرجسي تحدياً دائماً، سواء كان ذلك في نطاق المجموعة أو غيرها. فهناك أناس لن يقبلوا أن تضغط المجموعة عليهم، كما أنهم لن يتقبلوا التقييمات الحاسمة من زملائهم، وربما يقرر الكثير منهم أن يتركوا عملهم.

لكن مغادرة النرجسي للفريق لا يجب أن تكون أكبر هموم المدير، بل عليه القلق من أن النرجسي قد يدفع الآخرين للاستقالة بعد أن يُرهقهم التعامل مع شخص يريد كل شيء مفصلاً على قياسه.

أخيراً، من الصعب التعامل مع شعور النرجسي بالأحقية وافتقاده للشعور بالآخرين وحاجته للإحساس بأنه مميز. لكنك إن أنشأت قوى محركة في المجموعة تبقي من خلالها هذه الميول تحت المراقبة، وبالوقت ذاته تطور من الوعي الذاتي لدى كل فرد في المجموعة، فسوف تتمكن من الاحتفاظ بأفضل الأشخاص لديك وتستخلص أفضل ما لدى البقية.

تنويه: إن نسخ المقال أو إعادة نشره بأي شكل وفي أي وسيلة دون الحصول على إذن مسبق يعتبر تعدياً على حقوق الملكية الدولية ويعرض صاحبه للملاحقة القانونية. جميع الحقوق محفوظة لشركة هارفارد بزنس ببليشينغ، بوسطن، الولايات المتحدة الأميركية – 2018.

هذه المقالة عن إدارة الذات

شاركنا رأيك وتجربتك

كن أول من يعلق!

التنبيه لـ

wpDiscuz