قد يحصل ضمن الاجتماعات اعتراضات وتصادم حول إحدى الافتراضات من قبل أحد الأشخاص وينضم إليه البقية، فتحاول شرح وجهة نظرك، لكن أحداً لا يدافع عنك، ويتحوّل الآخرون إلى صفوف المعترضين، سيبدو الأمر وكأن الفوضى والعبث باتا يسيطران على الموقف، واجتماعك على وشك الانتهاء من دون اتخاذ قرارات واضحة.

يحاول المدراء التنفيذيون في حالات كثيرة التقليل من احتمال حصول هذا الأمر إلى الحد الأدنى، وذلك، من خلال تحويل الاجتماعات إلى مناسبات تتم الموافقة فيها بصورة تلقائية على القرارات المتخذة سلفاً مع عدم وجود إمكانية لمناقشتها، لكن ذلك خطأ فادح.

إذ يمكن اعتبار قمع الاختلافات في الآراء السبب في الاجتماعات المملة، وعوضاً عن ذلك، يجب أن تكون منفتحاً ومستعداً للتعامل مع الاختلافات في الآراء، أو الاعتراضات الواردة من أشخاص في مراتب مختلفة في الشركة، أو حتى لمواجهة تمرد واضح وصريح، فالتنوع في الآراء يحصل عندما يقترح شخص أو أكثر طريقة مختلفة للنظر إلى الوضع، أما الاعتراض فيأتي عندما يكون هناك عدم اتفاق مع موقف أو مقترح معين، أما التمرد، فيحصل عندما يُعلن تحالف مهيمن أو قوة ضخمة الحجم عن معارضتهم لحقك بأن تكون قائداً للفريق، أو يعترض على ذلك الحق. وعلى الرغم من أنّ هذه الأمور الثلاثة مختلفة تماماً، إلا أنها مترابطة (فالاختلاف في الآراء يمكن أن يتدهور سريعاً ليتحول إلى تمرّد، على سبيل المثال)، وتشعر بأنك محاصر بغض النظر عن أي واحد من هذه الأمور يحصل معك.

وتُعتبر أفضل نصيحة للتعامل مع هذه الأوضاع هي النصيحة التي تعلّمتها من مدرّسة في روضة للأطفال، فقد أوضحت لي بأنه عندما ينزعج الأطفال الصغار في الصف ويشعرون بالإثارة وتدبّ الفوضى في صفوفهم، بينما ينفجر آخرون في حالة من الهيجان العاطفي، فإنّ الشيء الوحيد الذي يجب فعله هو تشتيت انتباههم، حيث أنّ الطلب إليهم بالتزام الهدوء لا يجدي نفعاً، ومطالبتهم بإعادة النظر في موقفهم لا تجدي أيضاً، ولعلك خبرت أنت شخصياً دوامة مشابهة من العدوى العاطفية في قاعة إحدى المطارات عندما اكتشفت أنّ رحلتك تأجلت ثلاث ساعات إضافية، أو في مناسبة رياضية عندما يندلع شجار في الميدان ينضم إليه المشجعون، لكن في مثل هذه الأوضاع المحمومة، كيف تشتت اهتمام الناس بطريقة تكون مفيدة من دون أن تعاملهم وكأنهم أطفال في روضة؟، أو تظهر بمظهر الشخص الذي يتلاعب بهم؟

إذاً، في اللحظة التي تشعر فيها أنك محاصر، عد إلى الأساسيات، وتحدّث عن الرؤية أو الهدف الأساسي للمؤسسة أو المجموعة التي تقودها، حيث تُظهر الدراسات التجريبية في علم النفس وبالدليل العملي أنّ الرؤية المشتركة تؤدّي دوراً رئيسياً في زيادة فعالية القيادة، وفي التفاعل، والمواطنة، إذ تفعّل الشبكات العصبية والأنظمة الهرمونية التي تساعدنا في الانفتاح، وتقبّل أفكار جديدة، واستيعاب آراء الآخرين.

على سبيل المثال، في إحدى الدراسات التي أجريتها مع إدوارد ماهو وسكوت تايلور، أظهرنا بأنّ أعضاء الفرق العاملة في المجال المعرفي (نصفهم من شركات استشارية ونصفهم الآخر من قسم الأبحاث والتطوير في إحدى الشركات الصناعية)، كانوا أكثر تفاعلاً، إذا كان أعضاء الفريق يمتلكون كفاءات في مجال الذكاء العاطفي (وفقاً لتقويم الأعضاء الآخرين في الفريق، وليس بحسب تقويمهم الذاتي لأنفسهم)، ولكن عندما كان أعضاء الفريق يظهرون درجة عالية من الرؤية المشتركة في فريقهم، فإنّ علامات التفاعل هذه تسجّل قفزة هائلة، وفي دراسة أخرى، أظهرت جوانا تشين أنّ احتمال النظر إلى الأطباء بوصفهم قادة فعّالين كان يزداد عندما يُظهرون درجة أعلى من الرؤية المشتركة في علاقاتهم ضمن المستشفى.

ما هو التطبيق العملي لكل ذلك؟

لن تكون قادراً على تهدئة ردود الأفعال الغريبة الصادرة عن أعضاء الفريق باستعمال المنطق الخالي من العواطف، بل هذا يجعل الأمور أكثر سوءاً، وعوضاً عن ذلك، أنت تحتاج بصورة أساسية إلى أن تتنقل بين المنطق والعاطفة، بحيث تشجّعهم أيضاً على فعل الشيء ذاته، وبالتحديد، في قمة اللحظة وذروة الحدث أنت بحاجة إلى فعل ذلك، إذ نعلم لماذا يحصل هذا الأمر عندما ننظر إلى الشبكتين العصبيتين الرئيسيتين اللتين نستعملهما في العمل (وخلال معظم ساعات يومنا أثناء صحونا)، فقد أظهر عالم الأعصاب المختص بالإدراك طوني جاك وزملاءه أنّ "شبكة التركيز على المهام" وتعرف بالإنكليزية باسم (Task Positive Network TPN) ما هي إلا عبارة عن شبكة من المناطق الدماغية التي تتجاوب مع المهام التي تحتاج إلى انتباه وتظهر في الدراسات التي تعتمد على تصوير الدماغ، وهي الشبكة التي تمكّننا من التركيز، وحل المشاكل، والقيام بأعمال تحليلية باستعمال الأرقام والمفاهيم المجردة، في حين أنّ "شبكة الوتيرة الطبيعية"، وتعرف بالإنكليزية باسم (Default Mode Network DMN)، وهي شبكة من المناطق الدماغية التي تنشط عندما لا نركّز على مهام مجردة، وتمكّننا من الانفتاح على أفكار جديدة وعلى أناس جدد، وعلى القضايا الأخلاقية التي تشغل بالنا، لكن المعضلة تكمن في أنّ هاتين الشبكتين تعملان بصورة متعاكسة، حيث يمنع التركيز على المقاييس والأمور المالية الشخص من أخذ الأفكار الجديدة بعين الاعتبار، ومن رؤية الآخرين، ومن دراسة أمر معيّن للتأكد ما إذا كان عادلاً أو منصفاً، وأظهرت العديد من دراسات طوني إضافة إلى دراستي القائمة على استعمال جهاز التصوير الطبقي المحوري، أنّ تفكير المرء بحلمه المستقبلي (أي رؤيته) ومن ثم مناقشة تلك الرؤية مع الآخرين تفعّل الشبكة الثانية أي "شبكة الوتيرة الطبيعية"، فإذا علقنا في "شبكة التركيز على المهام"، على الأرجح سوف نحلل الوضع تحليلاً مجرداً، ما يقودنا إلى استجابة أكثر دفاعية وأكثر انغلاقاً، وعندما يتعلّق الأمر بتمرد الفريق، أو بظهور بوادر الاعتراض والانشقاق بين صفوفه، أو التنوع في الآراء داخله، نميل إلى رفض ما يحصل ونتّخذ موقفاً مقاوماً، ما يؤدّي إلى تصعيد العدوى العاطفية السلبية عوضاً عن حلّها أو تهدئتها.

توقّف قليلاً وخذ بضعة أنفاس عميقة لكي تهدّئ حالة الغضب أو الذعر أو الإرباك الموجودة لديك. واطلب من المجموعة أن تتوقّف قليلاً أيضاً. ثم أكد على الأفكار التي طرحتها المجموعة من خلال قول عبارات مشابهة لما يلي: "أنتم تطرحون نقاطاً في غاية الأهمية. لذلك دعونا نتأكّد من أخذ كل الآراء بعين الاعتبار بغية اتخاذ قرار أفضل". وحاول أن توجّه النقاش نحو شيء أكبر من السؤال المطروح مباشرة، "قبل أن نعود إلى مناقشة التكتيكات والتفاصيل، هل يمكننا أن نقضي بضع دقائق في إنعاش ذاكرتنا حول رؤيتنا وغرضنا أي (الغاية من وجودنا)؟".

إضافة إلى ذلك، اسأل الفريق كيف سيساعده كل رأي من الآراء المطروحة في أن يعيش تلك الرؤية، وأن يسعى إلى تحقيق ذلك الهدف العميق؟

عندما كنت الرئيس التنفيذي لشركة استشارية تضم أكثر من 100 موظف دائم، سمعت عن وجود بعض التذمّر والاعتراضات في صفوف عدد من الاستشاريين. لذلك، قمت بإحضار خمسة من بين أعلى أعضاء الفريق مرتبة وأقدمهم في العمل إلى مكتبي، واجتمعت مع كل واحد منهم على حدة، وسألتهم حول ما يجري، وحول شعورهم وشعور الآخرين، وعندما اعتقدت بأنني استمعت إليهم تماماً، طلبت منهم 15 دقيقة إضافية من وقتهم، وقلت لهم أنني بدأت أشعر بالقلق حول مستقبل الشركة وكيف سنجعل منتجاتنا وخدماتنا مميزة عما يقدمه غيرنا، ثم وجّهت إليهم السؤال التالي: "ما الذي تعتقدون أنّ زبائننا يحتاجون إليه بعد خمس إلى عشر سنوات من الآن؟ وما هي القضايا الأعمق أو الناشئة التي سيواجهونها؟". وفي نهاية الحديث، طمأنتهم إلى أننا سنعمل بجد لحل القضايا التي طرحوها وشكرتهم أيضاً على أفكارهم الخلاقة بخصوص المستقبل، وافتتحت الاجتماع التالي مع الموظفين ببندين موضوعين على جدول الأعمال: البند الأول هو ملخص لما سمعته حول المشاكل التي كانت تُقلق الناس، ثم طلبت فتح نقاش صريح حول الكيفية التي يمكننا بها معالجة هذه القضايا، والبند الثاني كان عبارة عن جلسة عصف ذهني حول ما يحتاجه زبائننا بعد 5 إلى 10 سنوات، بادئاً ببعض الأفكار التي علمت بها عبر هذه المحادثات مع كبار المدراء.

هذا النوع من المقاربات يؤدي إلى حصول تحول زمني في المنظور، بحيث يجعل الموظفين يعيدون تركيزهم إلى هدفهم المشترك، وليس إلى التكتيكات التي تسمح لهم بالوصول للهدف. لذلك، حاول استعمال هذه المقاربة في المرة المقبلة التي تشعر فيها أنّ هناك من صدمك على حين غرة في أحد الاجتماعات، وتفاجأ عندما تكتشف كيف أنّ تغيير مسار المحادثة نحو هدف مشترك يمكنه تفريغ الشحنات العاطفية وأن يعيد فريقك إلى مسار أكثر إنتاجية وتعاونية.

تنويه: إن نسخ المقال أو إعادة نشره بأي شكل وفي أي وسيلة دون الحصول على إذن مسبق يعتبر تعدياً على حقوق الملكية الدولية ويعرض صاحبه للملاحقة القانونية.

ﺟﻣﯾﻊ اﻟﺣﻘوق ﻣﺣﻔوظﺔ ﻟﺷرﻛﺔ ھﺎرﻓﺎرد ﺑزﻧس ﺑﺑﻠﯾﺷﻧﻎ، ﺑوﺳطن، اﻟوﻻﯾﺎت اﻟﻣﺗﺣدة اﻷﻣﯾرﻛﯾﺔ - 2018

شاركنا رأيك وتجربتك

كن أول من يعلق!

التنبيه لـ

wpDiscuz
error: المحتوى محمي !!