تابعنا على لينكد إن

أخبرني دانيال أنّ أفضل موظفيه يستقيلون عن العمل ولم يستطع اكتشاف السبب.

كان دانيال نائب مدير الموارد البشرية في شركة ضمن الشركات الأميركية الأعلى إيراداً بحسب مجلة “فورتشين 500”. سألتُه إذا قام بجمع أي بيانات تساعده في تكوين رؤى لتوقع نمط منتظم يفسر السبب. فأجابني: “حرصت على أن يتم إجراء مقابلة رحيل مع كل موظف قبل تركه للعمل”، وأضاف: “حتى أنني قمتُ بإجراء بعض من هذه المقابلات بنفسي، لكن لم أكتشف نمطاً ثابتاً في هذه المقابلات. لست متأكداً كيف يمكنني منع أفضل الموظفين عندي من ترك العمل في المستقبل؟”

وتكمن المشكلة في مقابلات الرحيل التي يتم إجراؤها أنّ الموظفين لا يكونون صريحين في ذكر الأسباب التي تدفعهم لترك العمل. وحتى لو كانوا صريحين، نادراً ما تعكس محاولات الاستنتاج التي تتم بعد اتخاذ الموظف لقراره (والمتمثلة في مقابلات الرحيل) السببَ الحقيقي لاستقالة الموظف.

هذا اللغز الذي يواجه دانيال، يواجه العديد من مدراء الموارد البشرية في مؤسساتهم. لماذا يترك أفضل الموظفين العمل؟، لماذا يوجد موظفين أكثر إنتاجاً من موظفين آخرين؟، كيف للموظفين أن يصبحوا أكثر إبداعاً؟

غالباً ما تكون المعلومات التي تساعد في الإجابة عن هذه الأسئلة موجودة أصلاً في المؤسسات ولكن بشكل غير واضح.

على الرغم من جمع المؤسسات لكميات كبيرة من البيانات حول موظفيها، إلا أنها لا تعمل على الاستفادة منها جيداً في الإجابة عن الأسئلة السابقة. لكن إذا قامت المؤسسة بتحسين تطبيقات البيانات التي تقوم بجمعها، عن طريق خمس خطوات، يمكنها أن تكون أكثر فعالية في حل المشاكل الملحّة التي تواجهها.

الخطوة الأولى: تحسين جودة البيانات

بعد أن استمعت لمشاكل دانيال، سألته عن نوعية البيانات التي تقوم شركته بجمعها، والتي تعدّ كثيرة كما تبين لي. أخبرني أنّ قسمه يقوم بإرسال استبيان لجميع الموظفين كل ستة أشهر. ويقوم المدراء بإجراء مراجعات أداء سنوية بحسب البيانات التي يقومون بإدخالها في نظامهم المركزي. ويتابع قسم الموارد البشرية كل ترقية يحصل عليها الموظفون، في حين يراقب قسم العمليات الموظفين الذين يغادرون المؤسسة.

لكني صدمت عندما طلبت أن أتعرف إلى تفاصيل أكثر عن الطريقة التي يتبعها قسم دانيال لجمع البيانات، حيث تبين أنّ الاستبيان لم يجمع البيانات بطريقة نظامية وموثوقة. كما لم تكن مراجعات الأداء منظّمة، ولم يقم بهذه المراجعات إلا 55% من المدراء.  ولم تتضمن البيانات أي تواريخ حول ترقيات الموظفين والسرعة التي يتم بها استبدال الموظفين المستقيلين.

قبل أن تستخدم البيانات في الإجابة عن الأسئلة، عليك أولاً أن تُحسن جودة البيانات المجموعة. وهذا يتم عن طريق تصميم استبيان أكثر دقة وبمقاييس أفضل، وإنشاء نظام يسهّل على المدراء تسجيل مراجعات الأداء. بمعنى أنه يجب التفكير بنوعية البيانات المفيدة ثم جمعها بشكل منهجي. بالإضافة إلى إجراء محادثات منتظمة مع أناس من مختلف أقسام الشركة لتحديد الأسئلة الملحّة ومعرفة نوعية البيانات التي تحتاجها للإجابة عن الأسئلة.

الخطوة الثانية: اربط المعلومات المختلفة ببعضها

لتجيب عن سؤال من هذه النوعية: “لماذا يترك موظفيك العمل؟”، عليك مقارنة الموظفين المستمرين في العمل مع الموظفين المغادرين. (وهو سبب إضافي يجعل من مقابلات الرجيل غير مجدية، فمن خلالها تحصل على نصف القصة فقط).

لتفعل هذا، عليك جمع البيانات من مصادر مختلفة في أنحاء مؤسستك. في حالة دانيال، كان يتم جمع البيانات من أقسام مختلفة، حيث كان فريق الموارد البشرية يدير مراجعات الأداء واستبيانات الموظفين، في حين يتعامل قسم العمليات مع موضوع استبدال الموظفين. ولكن لم يدرك أي من الفريقين ما هي البيانات التي يتعامل معها الفريق الآخر، لذلك كانوا بحاجة إلى تغيير عملياتهم لربط الموظفين المستقيلين مع إجاباتهم على الاستبيان ومراجعات أدائهم.

إذاً، عليك أن تجد ما هي البيانات التي يتم جمعها في المؤسسة، وتصميم عمليات الفرق بحيث يكون من السهل ربط كل ما يخص الموظف لجمع أكبر قدر من البيانات الممكنة.

الخطوة الثالثة: حلل بياناتك

ببساطة، يتطلب تحليل البيانات القدرة على معالجتها. على سبيل المثال، ربما تكون نتائج أدائك في بعض الحالات على مستوى المجموعة: مثل نجاح مشروع الفريق أو نتيجة ناجحة لفريق العميل. فهل يمكن استنتاج سبب نجاح المشروع من خلال الإجابات الفردية من كل عضو في الفريق؟

الجواب: نعم، ولكن ليس من السهل فعل ذلك. فمن الناحية الإحصائية، تحتاج إلى تداخل الردود على الجماعية واستعمال نموذج له تأثيرات عشوائية أو ثابتة، ما يعني التحقيق في تباين الردود الفردية لتوقع النتائج الجماعية. ولكن هذا يتجاوز قدرات برنامج “إكسل” من مايكروسوفت بكثير. لتقرّر أي نوع من التقنيات التي ستستعملها في تحليل البيانات، ولإجراء عمليات التحليل، تحتاج إلى محلّلي بيانات قادرين على استخدام برامج متطورة لمعالجة البيانات مثل برنامج (R) و”ستاتا” (Stata).

إذاً، الخطوة الثالثة للاستفادة من بياناتك هي وجود مختصّين لتحليل البيانات. لذلك، فكر في تقنيات التحليل الأكثر مناسبة لنوعية البيانات في المؤسسة. وتأكد من وجود موظفين قادرين على إجراء التحليلات اللازمة، وإذا لم يكن لديك هؤلاء الموظفين، عيّن خبراء يمكنهم مساعدتك أو تعاقد معهم.

الخطوة الرابعة: ادعم بياناتك بالنظريات

على الرغم من أنك ربما تعاني من المشاكل، إلا أنك لست وحدك من يواجهها. لقد تم توجيه اهتماماً كبيراً في العقود القليلة الماضية للبحث عن الأشياء التي تساعد في توقع أداء الموظف وسرعة استبداله بموظف جديد وتوقع إبداعه. وقد وثّق الباحثون الأكاديميون العلاقات الموجودة وطوروا نظرية تفسر سبب وجود هذه العلاقات.

وهذا أمر مهم لأن النظريات تساعدنا على توقع ما سيحدث في المستقبل بوجود مجموعة من الاعتبارات. وبالتالي، يعتمد تحليل البيانات على ما حدث في الماضي، بمعنى أنها عملية تساعدنا على فهم لماذا ترك الموظفون عملهم بعد وقوع الحادثة. أما النظرية القوية تساعد المؤسسات على التنبؤ بالموظفين الذين من المرجح أن يغادروا مستقبلاً. بالإضافة إلى ذلك، تساعد النظرية القوية على تحديد نوعية الأسئلة التي يجب طرحها عند مواجهة المشاكل، مثل تفشي استبدال الموظفين.

إذاً، الخطوة الرابعة للاستفادة من بياناتك هو دعمها بالنظريات. انظر في الأبحاث السابقة التي حاولت تقديم إجابات عن أسئلة مشابهة لأسئلتك. انظر إلى الجوانب التي حقق فيها هذا البحث، وكيف كانت طريقة البحث والتحقيق، وما هي النظرية التي وضعها لتفسير العلاقات. قد لا تمتلك الوقت والمصادر لتقوم بهذه العملية وهذا لا بأس به، فالباحثون الأكاديميون في كثير من الحالات يسعدهم العمل كمستشارين في المشاريع ويمكننهم مساعدتك بتوجيهك طوال فترة المشروع.

الخطوة الخامسة: قم بعمل تغييرات وتابع النتائج

في الخطوات الأربع الماضية حسّنت من جودة البيانات وربطت مجموعات البيانات المنفصلة ببعضها وتعاقدت مع محللي بيانات ودرست أبحاثاً سابقة تقدم نظريات متعلقة بأسئلتك. وبذلك أصبح لديك نموذجاً صالحاً يفسر ترك الموظفين للعمل. الآن ما عليك فعله هو تحويل هذه المعلومات إلى نوع من التدخل لحل المشكلة. على سبيل المثال في حالة دانيال، وجدنا أنّ سبب ترك العديد من أفضل الموظفين في شركته هو عدم شعورهم بالاستقلالية الكافية حول كيفية القيام بوظائفهم.

تُعد هذه خطوة مهمة في العملية: فهي الخطوة التي تختبر ما إذا كان الشيء الذي تعلمته في الخطوات السابقة يمكن أن يتحول إلى رؤى قابلة للتنفيذ والتي تحسّن من مؤسستك. حاولنا أنا ودانيال التدخل، حيث قمنا بإعطاء بعض الموظفين فقط فرصةَ تعديل جداولهم لتصبح أكثر مرونة. كان من المهم إجراء هذا النوع من الاختبارات الذي يتم على قسم معين فقط لأننا أردنا أن نكوّن مجموعة تحكّم. لم يكن لهذا التدخل أي تأثير عندما أجرينا التجربة للمرة الأولى. ومن الواضح أنّ هذا كان مخيباً للآمال، ولكن الخبر السار هو أنّ معالجتنا المحسّنة للبيانات سمحت لنا بفهم سبب عدم نجاح التجربة، ومكّنتنا من تحسين إجراء التدخل الذي قمنا به حتى أصبح له الأثر المقصود.

وبذلك تكون الخطوة الخامسة والأخيرة في هذه العملية هي إجراء التغييرات ومتابعة النتائج. ويتطلب نجاح التدخل المحاولة عدة مرات للوصول إلى النتيجة المرجوّة. وقد لا تنجح بعض التدخلات أبداً، بل ويُحدث بعضها أثراً عكسياً. ولكن تبقى الطريقة الوحيدة لاكتشاف صحة النتائج التي توصلت إليها هي اختبارها.

تنويه: إن نسخ المقال أو إعادة نشره بأي شكل وفي أي وسيلة دون الحصول على إذن مسبق يعتبر تعدياً على حقوق الملكية الدولية ويعرض صاحبه للملاحقة القانونية. جميع الحقوق محفوظة لشركة هارفارد بزنس ببليشينغ، بوسطن، الولايات المتحدة الأميركية – 2018.

هذه المقالة عن إدارة

شاركنا رأيك وتجربتك

كن أول من يعلق!

التنبيه لـ

wpDiscuz