دائما ما تأخذنا القصص والعبر والدروس التي نعايشها في حياتنا اليومية إلى الواقع العملي، حيث يمكن من خلالها استقاء الدروس المفيدة لزيادة معارفنا، كما يمكننا استخدام هذه الدروس في إلهام الآخرين في بيئة العمل للتغيير وبالتالي التطوير، إذ يُعتبر سرد القصص عنصراً حاسماً للتنمية البشرية. أشار بيل بيكر المدير والمؤسس لشركة (BB & Co) للقصص الاستراتيجية، في مقال له حول استخدام القصص بين الموظفين في الخطط الاستراتيجية إلى أنّ الشركات التي تدمج سرد القصص في جهود التخطيط الاستراتيجي تساهم بفعالية في التأثير على الطبيعة البشرية، وذلك لتحقيق المزيد من المعنى والتركيز والإنتاجية ليس فقط لعملهم، لكن أيضاً للشركة ككل.

فالقصص كما أشار إليها الكاتب ديفيد بوجي في كتابه الصادر بعنوان "ممارسات سرد القصص في الشركات" كانت وما زالت طريقة التواصل الأساسية في الشركات، حيث أنها تساهم في تكوين الشركة، إذ أنّ القصص موجودة بشكل واقعي في كثير من الوحدات الإدارية ضمن الشركة. وبالتالي، تساهم في إطلاق العنان للخيال، وتسمح للناس بتبادل العواطف، والمصاعب والخبرات، والإلهام، كما تساعد في تعليم الآخرين. فالقصص لها نوعية سحرية من كسر الحواجز بين الثقافات المختلفة والسماح للناس بالاتصال فيما بينهم.

في كتاب نشر بعنوان "قم بالقيادة من خلال القصص: دليل لصياغة الأعمال والروايات التي تأسر، وتقنع، وتلهم" قال باول سميث: "أنّ شركة نايكي (Nike)، قامت بتعيين جميع كبار المسؤولين التنفيذيين من "رواة القصص للشركات". وشركة (3M) قامت بحظر عرض النقاط المهمة على الشرائح قبل سنوات واستبدلتها بعملية كتابة "الروايات الاستراتيجية". وأنّ شركة (Procter & Gamble) استأجرت بعض مدراء هوليوود لتدريس تقنياتهم في سرد القصص لتطوير مدراءها التنفيذين، كما أضافت بعض كليات إدارة الأعمال دروس القصص إلى مناهجها. وتجدر الإشارة إلى أنّ النجاح في استخدام القصص يتوقف على اختيار اللحظات المناسبة في تقاسم المعرفة مع الآخرين. فالقصة لديها القدرة على إشراك العاملين، ومن خلال هذه الطريقة يمكن توصيل رؤية معينة أو بيع فكرة أو إلهام الآخرين. إذن، يُعتبر سرد القصص في الشركات أداة تجارية قوية يمكن أن تعني الفرق بين النتائج المتواضعة والنجاح الهائل.

لذلك، لتنجح المبادرات والمشاريع الخاصة بالتطوير والتغيير في الشركة، يجب على القادة أن يخلقوا صورة للمستقبل ليست قابلة للتحدي فحسب، بل أيضا فيها تفاصيل كافية للسماح للجميع بفهم دورهم في تحقيق الهدف المنشود منهم عبر قصص مؤثرة. وعليه، نرى معظم القصص التي يسردها القادة للآخرين في الشركات تكون من خلال اجتماعاتهم أو لقاءاتهم الجانبية أو من خلال مؤتمرات معينة، إذ يقوم القادة عبر هذه اللقاءات بتوصيل قصصهم الواقعية أو قصص الآخرين، لتجسيد الخبرة الشخصية نحو التطوير والتغيير التنظيمي، واستخدامها لتوجيههم في التصورات المستقبلية المطلوبة للعمل. في دراسة قام بها كل من سايمون و يوانجي بجامعة رامون بإسبانيا حول "تضمين سرد القصص والأخلاق في عملية إدارة التغيير الثقافي" أكدوا أنّ رواية القصص كانت وسيلة فعالة لإيصال رسائل موضوعية وثقافية هامة لآلاف السنين. ورواية القصص العظيمة برزت كنهج شرعي ومتكرر الاستخدام من قبل القادة لتنفيذ تغييرات فعالة في العديد من الشركات اليوم. فخطاب ومذكرة المدير التنفيذي السابق لشركة نوكيا ستيفن إيلوب لموظفيه عندما أراد إيقاظ الشركة التي عانت الكثير من الصعوبات للبقاء في السوق يحمل مثالاً رائعاً لسرد القصص الفعالة، حيث نرى مدى براعته في ربط قصة الرجل الذي قفز من أعلى منصة النفط المحترقة في وسط البحر بوضع الشركة المؤسف. فقد روى قصة الرجل الذي سمع دوي انفجار في أحد منصات حفر البترول الموجودة في بحر الشمال وقيامه باختيار القفز من أعلى المنصة بدلاً من الوقوف على سطح المنصة المحترقة، إذ سقط في البحر البارد جداً وتم نقله الى المستشفى وهو في حالة حرجة. وبعد تعافيه من إصابته، روى الناجي بأنّ هذا الحادث تسبب في تغيير جذري لسلوكه. ومن هذه القصة، أراد إيلوب تبيان أنّ وضع شركة نوكيا غير عادي، ولا توجد وسيلة أُخرى للبقاء على قيد الحياة إلا من خلال تغيير طريقة العمل وعدم الوقوف والانتظار ورؤية المنافسين الآخرين يتقدمون. ويكمن الهدف من ذكر هذه القصة أنه قد تواجهك تغييرات كل يوم وربما تهدد نجاح الشركة التي تعمل فيها، ويُطلب منك كقائد أن تتخذ قرارات سريعة دون أن يكون هناك وقت كاف لدراسته.

في السياق ذاته، كتب سكوت أنتوني القادة ضمن مقاله الذي نُشر في مجلة هارفارد بزنس ريفيو بعنوان "كيف تتوقع المنصة المحترقة؟" آخذاً في الاعتبار قضية شركة نوكيا، نصائح للمدراء للقيام بالتالي:

1- مسح محيطهم من خلال معرفة المؤشرات المحتملة لبدء التنمية التحولية المحتملة في المجتمع.

2- أن يكونوا على معرفة جيدة بهامش الربح، فعندما تبدأ هوامش الربح في الاتجاه التنازلي، غالباً ما يشير هذا إلى ضعف في الأعمال الأساسية للشركة.

3- أن يستمعوا إلى القادة المتحمسين.

4- أن يراقبوا رضا العملاء بعناية.

وعليه، يُعتبر سرد القصص في الشركات مفيد في مواقف أكثر بكثير مما يدركه معظم القادة. وأوضح باول سميث في لقاء له مع مجلة فوربس كيفية استخدام القصص كأداة في القيادة، حيث أوجز أنّ سرد القصص تجعل القادة أكثر فعالية عبر: إلهام الشركة، ووضع رؤية، وتعليم الدروس الهامة، وتحديد الثقافة والقيم، وشرح من أنت وماذا تعتقد.

من المهم معرفة أنّ القصص الفعالة والمؤثرة والقائمة على الأهداف تُعتبر شكل من أشكال الاتصال والتواصل، وتتطلب إيجاد التوازن الصحيح للمحتوى الذي يثير ويعلّم ويلهم، إذ يقترن ذلك مع الرؤية العامة للشركة. إلى جانب ذلك، يشكل سرد القصص في الشركات تحدياً، لأنه يجب أن يخاطب الموظفين على المستوى الفكري والعاطفي. فهي المهارة التي يمكن تعلمها وصقلها مع مرور الوقت، ومن الضروري أن تشمل القصص الفعالة والقصص المؤثرة العناصر التالية:

1- أن تكون لها مقدمة جاذبة وإيجابية.

2- أن تكون أصلية، فقول القصص الأصلية يمكن أن يعزز الاحترام والتعاون، وإلهام الشجاعة وتأكيد العلاقات مع الموظفين.

3- يجب أن تساعد القصص الآخرين على ترك بصمتها ذهنياً وتمكنهم من تخيلها بشكل واضح وتساعدهم في التركيز على أهدافهم.

4- يجب أن تساعد القصص على طرد الشكوك والهواجس المتعلقة بالتغيير، وتكون نهاية الهدف منها واضحة تماماً.

لذلك، رأينا أنّ صنّاع القرار والخبراء والروّاد في مجال التنمية البشرية ضمن أكبر تجمع حكومي عالمي في القمة العالمية للحكومات والتي تُعقد بشكل سنوي في مدينة دبي بدولة الإمارات العربية المتحدة، قاموا بتبادل خبراتهم في مجالات الحكومات واستشراف المستقبل والتكنولوجيا والابتكار عبر سرد قصص نجاحاتهم في هذا التجمع. وكانت قصصهم فعالة ومؤثرة وجاذبة ليست فقط للحاضرين، بل للأكاديميين والخبراء والمهتمين بالتطوير والتغيير الإيجابي، إذ تكمن قوة القصص بأنها تستطيع المساهمة في معرفة قيم وأعراف الشركة، وتساعد في تطوير الثقة والالتزام بين الموظفين وتشارك المعرفة الضمنية مع الآخرين.

أخيراً، يُعتبر تواصل القادة الدائم مع موظفيهم أحد العوامل الرئيسية في جعل القصص التي يتم سردها ذات قوة استراتيجية تساهم في تطوير وتنمية مجالات التميز في العمل مستقبلاً. فجعلها جزءاً من ثقافة الشركة يمكن أن يساهم في جذب المستثمرين والشركاء، لوضع الأهداف السامية وإلهام الموظفين.

تنويه: إن نسخ المقال أو إعادة نشره بأي شكل وفي أي وسيلة دون الحصول على إذن مسبق يعتبر تعدياً على حقوق الملكية الدولية ويعرض صاحبه للملاحقة القانونية.

ﺟﻣﯾﻊ اﻟﺣﻘوق ﻣﺣﻔوظﺔ ﻟﺷرﻛﺔ ھﺎرﻓﺎرد ﺑزﻧس ﺑﺑﻠﯾﺷﻧﻎ، ﺑوﺳطن، اﻟوﻻﯾﺎت اﻟﻣﺗﺣدة اﻷﻣﯾرﻛﯾﺔ - 2018

شاركنا رأيك وتجربتك

كن أول من يعلق!

التنبيه لـ

wpDiscuz
error: المحتوى محمي !!