تابعنا على لينكد إن

نتفق معظمنا على أنَّ الأقسام الخدمية في المؤسسة غالباً ما تكون مبعث إحباطٍ لغالبية الموظفين، باستثناء العاملين فيها طبعاً. وأعتقد أنني لست الوحيد الذي تراوده أفكار مثل “ألا يفهم أولئك في القسم القانوني، أننا سنخسر الصفقة إذا لم يمنحونا موافقتهم عليها سريعاً” أو “لماذا لا يوجد لدى قسم الموارد البشرية إلاّ رد واحد هو أن قوانينهم لا تسمح؟”.

وفي بحث أجرته شركة مكينزي مؤخراً، تبيّن أنَّ لدى كبار المدراء التنفيذيين في مجموعة من الشركات رضاً منخفضاً عن الأقسام الخدمية عموماً، بنحو 30% فقط. وتقدّم مكينزي توصيات معقولة لعلاج هذا التدني في الرضا، مثل خلق حوافز لقادة الأقسام الخدمية لاحتواء التكاليف، بدلاً من تحميل وحدات الأعمال تكاليف لا يمكنهم تغييرها. في الواقع، لطالما أرّقتني هذه القضية. فعلى الرغم من وجود الكثير من الوصفات الذكية لعلاج الانخفاض القياسي في الرضا، يبدو أنّ المشكلة -على جميع الصعد- لا تنفك تتفاقم وتزداد سوءاً.

لعل الوقت قد حان للعودة إلى المبادئ الأولى والتفكير في البنية الأساسية للأقسام الخدمية، والتي هي – في أغلبيتها الساحقة – عبارة عن مزودي خدمات مُنحوا احتكارا مطلقاً لتقديم خدمة. أي أن معظم وحدات العمل التي من مشاكل قانونية، لاتستطيع التواصل بسهولة مع شركة المحاماة المفضلة لديها، بل عليها الاتصال بالقسم القانوني أولاً، والذي يقوم بدوره في تقديم الخدمة لتلك الوحدة من الشركة. كما أنه من الممكن أن يقوم القسم القانوني في الشركة باستئجار خدمات استشاري خارجي للمساعدة، لكن علاقته مع الشركة تكون من خلال القسم. الأمر نفسه ينطبق على الموارد البشرية، فليس مسموحاً لوحدة العمل استئجار شخص خارجي لتنظيم سجلات الرواتب مثلاً.

هنا لابد أن نتوقف قليلاً لطرح السؤال التالي: هل رأيت – في مكان ما في العالم – احتكاراً لخدمة عاد بفائدة حقيقية على العملاء الذين يقيّدهم؟ أعتقد أن الجواب الحاسم هو لا. لطالما كانت الحكومات جيدة في منح حق احتكار تقديم الخدمات عبر التاريخ. كذلك الأمر بالنسبة لورشات النقابات، إذ كانت تمنح حق احتكار تقديم الخدمات أيضاً، باستثناء تغيير المصابيح فقد كانت هذه المهمة منوطة لأعضاء جمعية تغيير المصابيح وحدهم.

وكانت النتيجة – في جميع الحالات تقريباً – ارتفاعاً متزايداً في التكاليف وتزايداً في الخدمات السيئة، الأمر الذي يعتبر نتاجاً طبيعياً للبنية الأساسية التي يقوم عليها حق احتكار تقديم الخدمات. في ثمانينيات القرن الماضي، وبعد حركة قادتها مارجرت تاتشر في المملكة المتحدة، وتبعتها دول أخرى حول العالم، لجأت الحكومات إلى الخصخصة للتعامل مع مشكلة الاحتكارات الحكومية العالية التكلفة والمنخفضة الجودة. وعادت الخصخصة بنتائج متباينة حول العالم، إذ عادت بنتائج مذهلة في بعض الحالات، وفي حالات أخرى لم تكن كذلك. وكتقييم شخصي، وجدتُ أنَّ الخصخصة سارت جيداً عندما أُزيل حق احتكار تقديم الخدمات، كما في حالة الاتصالات وبعض الحالات في مجال النقل. أما في حالات الانتقال من أحقية احتكار حكومية إلى أحقية احتكار خاصة، فكانت النتيجة عموماً فاشلة، لأن الاحتكار – باعتباره المذنب – لا يزال موجوداً.

وعليه، إن المنافسة هي أفضل منشّطٍ للأعمال. هي تأخذ الأعمال للتمرّن في النادي الرياضي كل يوم. وعندما يُدبر عميل عن شركة تزوده بخدمة ما، فإنَّ ذلك يرسل إشارة إلى المحتكر بأن عليه التحرك لاسترداد ثقة العميل. لكن ماذا لو لم يكن لدى العميل خيار آخر؟ ستكون ردة فعل المحتكر عادة تجاهل الشكوى، وبمرور الوقت ستصبح الشركة المحمية بحق احتكار تقديم خدمة ما، مغرورة حتماً وغير مكترثة أبداً.

من هنا، أعتقد أنَّ السبيل الوحيد هو بتجريد الأقسام الخدمية التي تتمتع بالكفاءة والفعالية من حق احتكار تقديم الخدمات. وهذا ما حصل فعلاً لأقسام تقنية المعلومات. فمع أواخر القرن العشرين، ونتيجة النفقات المتزايدة لتلك الأقسام والتي لم يقابلها تحسن ملموس في الأداء، أصيب المدراء التنفيذيون بإحباط شديد، ما دفعهم لاتخاذ إجراءات حاسمة بتجريدها من حق احتكار تقديم الخدمات، وقاموا بإسناد كامل المهمة إلى جهات خارجية. وكانت نتائج هذه العملية رائعة، إذ أنها حفزّت نمواً في تعهدات تقنية المعلومات وحولتها إلى أعمال عالمية عملاقة. كما شكّل هذا أيضاً نموذجاً لإسناد الكثير من الأقسام الخدمية الأخرى، كجزء من الاستشارات القانونية والموارد البشرية وغيرها.

إذاً، هناك وسيلة أخرى أكثر دهاءً من الإسناد المفرط أو الاحتكار المفرط للخدمات والتي يمكن لكثير من  الشركات استخدامها، ألا وهي فتح شق صغير في الباب لدخول المنافسة. فهناك اختلاف ضخم بين سلوك الأقسام الخدمية في حالة احتكارها للخدمات وسلوكها عندما يكون بإمكان وحدات العمل طلب الإذن للاستعانة بشركة خارجية في حال عدم رضاها عن القسم المحتكر. وستكون خسارة الأقسام الخدمية للزبائن بين الفينة والأخرى بمثابة التدريب الذي تفتقده بسبب احتكارها الصارم. وفي الحقيقة، ليس لدي عِلمٌ بوجود أي بديل إجرائي يقترب من فعالية هذه الوسيلة.

وعلى الرغم من انعدام الحاجة لتكرار هذا السيناريو كثيراً، لكن إن حدث ذلك فعلاً، فهذا يتطلب إجراء تغيير إداري شامل للأقسام الخدمية، أو إسناد كلي لجهة خارجية. وتأتي المنافسة كحلٍّ قائم على المبادئ للتعامل مع تفشي هذه المشكلة في الأقسام الخدمية.

تنويه: إن نسخ المقال أو إعادة نشره بأي شكل وفي أي وسيلة دون الحصول على إذن مسبق يعتبر تعدياً على حقوق الملكية الدولية ويعرض صاحبه للملاحقة القانونية. جميع الحقوق محفوظة لشركة هارفارد بزنس ببليشينغ، بوسطن، الولايات المتحدة الأميركية – 2018.

هذه المقالة عن إدارة الأزمات-

شاركنا رأيك وتجربتك

كن أول من يعلق!

التنبيه لـ

wpDiscuz