تعود الابتكارات بسرعة حتى لو لم تكن في حالة أزمة

6 دقائق
عودة الابتكارات بسرعة حتى وقت الأزمات
استمع الى المقالة الآن هذه الخدمة تجريبية
Play Audio Pause Audio

شهدنا في الأشهر القليلة الماضية تناقضاً صارخاً بين الوتيرة المتواضعة التي تتبناها مشاريع إدارة التغيير النموذجية وبين عمليات الابتكار السريعة التي تحفّزها الأزمات. انظر مثلاً إلى محل كبير لتجارة التجزئة بدأ في عام 2018 العمل وفق مفهوم “رصيف الاستلام” (Curbside Pickup) أو التسوّق عبر الإنترنت والاستلام من المتجر دون تلامس” بهدف تنشيط نسبة المبيعات المتردّية، حيث أطلقت الشركة مبادرة تغيير كانت قد خططت لها بعناية بهدف تطبيق هذا المفهوم عبر عملياتها الوظيفية ولمعالجة أي رد فعل سلبي قد يبرز تجاهه. أجرى القادة بداية دراسة على الجدوى التجارية وحددوا رؤية الشركة وحشدوا أصحاب المصلحة ووضعوا مقاييس للنجاح ثم أطلقوا الحملة التجريبية. إلا أن الفكرة لم تلق كثيراً من الحماس بعد مضي 18 شهراً من طرحها، ولم تُتّخذ أي خطوات لتطوير تلك المبادرة الجديدة. ثم أجبر فيروس كورونا متاجر الشركة على إغلاق أبوابها في عام 2020، لتبدأ الشركة في غضون أيام تطبيق خدمة “رصيف الاستلام” عبر فروعها.

وتمثّل الفرق الرئيس بين فترة الأشهر الثمانية عشر التي سبقت ظهور فيروس كورونا والأسابيع التي تلت انتشاره في الإحساس بالاستعجال الذي سرّعته تلك الجائحة، حيث طالب زبائن محل البيع بالتجزئة بالتغيير مهما كلّف الأمر، وإلاّ لن يعود بإمكانهم التسوّق من المتجر، وبقي المسؤولون التنفيذيون في مقدمة الحدث منذ البداية وحتى النهاية، إذ كان مستقبل الشركة على المحك.

في المقابل، غالباً ما تغيب الضغوط العاطفية والوجودية عن جهود التغيير المنظمة أو تكون أقل وطأة، إذ تنطوي تلك الجهود على تنافس مشروع التغيير مع المبادرات والأهداف الأخرى بهدف نيل الاهتمام والحصول على الموارد؛ وتكون الأطر الزمنية أطول وأكثر امتداداً؛ وقد لا يقوم المسؤول التنفيذي المشرف على المشروع بإدارته بشكل يومي، ولا يطالب الزبائن بالحصول على نتائج فورية. وهذه ليست سوى بعض الأسباب التي تجعل ما يصل إلى اثنين من كل ثلاثة جهود من جهود التغيير لدى الشركات الكبرى تفشل في تحقيق أهدافها النهائية المُعلنة على الرغم من إنفاقها أكثر من 10 مليار دولار سنوياً على استشارات خاصة بإدارة التغيير والدعم.

كيف يمكن لكبار القادة إذاً أن يخلقوا هذا الإحساس بالاستعجال الذي يحثّهم على إحداث ابتكارات كبرى في المستقبل، كاستحداث الأنظمة وطرح منتجات جديدة وإحداث تحولات رئيسة وغير ذلك دون وجود أزمة؟ الحقيقة أن تلك المشاريع مستعجلة ووجودية بالفعل وإلا لما كنا استثمرنا فيها؛ لكن كل ما في الأمر هو أننا لا نشعر دائماً بضرورتها. ما الدروس التي يمكن أن يستقيها القادة من تجربة “كوفيد-19” لتحسين قدرتهم على الابتكار في أي وقت؟

طرق تنمي إحساساً أكبر بالاستعجال في الابتكار

أعرض فيما يلي ثلاث طرق تنمي إحساساً أكبر بالاستعجال في الابتكار، وهي مستقاة من خبرتي على مدى 35 عاماً من الاستشارات والتدريب ومن بحوثي الخاصة بكتيّب “دليل القادة من هارفارد بزنس ريفيو” (he HBR Leader’s Handbook):

شارك في التجارب الصغيرة. فكر في التغيير على أنه سلسلة من التجارب الصغيرة بدلاً من اعتباره مشروعاً واحداً كبيراً، حيث تكون تلك التجارب بمثابة خطوة لاستشراف المستقبل تهدف إلى الاطلاع على الطرق الناجحة والفاشلة بسرعة من خلال الخبرة الميدانية، إضافة إلى النظر في متطلّبات تحقيق نتائج. ويمكن إجراء تلك الاختبارات في غضون أيام أو أسابيع، وذلك بالطريقة نفسها التي تتبعها الشركات الناشئة الرشيقة عند استخدامها نماذج أولية تجريبية تساعدها في بلوغ فهم أفضل لما يريده الزبائن وما هم على استعداد لإنفاق أموالهم عليه.

وقد تطوّر هذا النهج السريع بشكل طبيعي خلال جائحة “كوفيد”. تأمّل مثلاً منظمة غير ربحية تحثّ طلاب المدارس الثانوية في المناطق الفقيرة على المشاركة في خدمة المجتمع. فاستجابة للقيود التي فرضتها جائحة “كوفيد-19″، أجرت المنظمة اختبارات على أفكار مرتبطة “بمشاريع الخدمات الافتراضية” كالاتصال بكبار السن وصنع الكمامات وإرسال الطعام وعبارات الشكر إلى العاملين في مجال الرعاية الصحية. وأسفرت تلك التجارب الصغيرة عن قيام الفريق بإعادة تصور نهجه بالكامل، وهو ما دفعه إلى وضع خطط لتوسيع نطاق تأثيره ليشمل مزيداً من الأطفال ومزيداً من أعضاء المجتمع في العام المقبل.

لكن يمكن للشركات خلق هذا النوع من الإثارة الذي تولّده التجارب في أيّ بيئة كانت. وفي خطوة لا صلة لها بأزمة فيروس كورونا، بدأت شركة أغذية معبأة تقدم خدماتها للمستهلكين طرح كميات صغيرة من منتجات جديدة بسرعة مع تتبعها ردود فعل المستهلكين، وذلك بعد أن حاولت سابقاً توحيد المكونات التي استخدمتها في صنع عدد من فئات الأغذية. وواصلت تكرار تلك العملية إلى أن حققت هدفها الأكبر.

تخلق تلك التجارب الصغيرة إحساساً بالاستعجال والإلحاح مقارنة بعمليات التغيير الطويلة والممتدة. إذ تُشرك تلك التجارب الأفراد في العمل على الفور، وهو ما يولّد لديهم إحساساً بالمسؤولية لمعرفة كيفية إحداث التغيير بالفعل، بدلاً من مطالبتهم بإعداد عرض تقديمي جذاب حول الحلول الممكنة دون إجراء أي اختبار عليها. وتسفر التجارب أيضاً عن نتائج حقيقية تنقل جهود التغيير بسرعة أكبر من النظرية إلى الواقع، سواء كانت تلك النتائج جيدة أو سيئة.

ضع أهدافاً حماسية. عادة ما تكون الأهداف صعبة وقصيرة المدى وذات أولوية عالية في ظل الأزمات، فضلاً عن وجود إحساس ملح بضرورة تحقيقها، ونطلق على تلك السمات “عوامل الحماس”. أدرج تلك العوامل ضمن تجاربك الصغيرة، وحثّ الموظفين على اتخاذ إجراءات خلال أيام أو أسابيع على الأكثر، وامنحهم حرية إشراك كل شخص من شأنه أن يضمن نجاح الجهود المبذولة. والأهم من ذلك كله، تأكد من ألا تكون التجربة مجرد مهمة أو مشروع آخر يزيد من الأعباء والمهام الموكلة إليهم، بل أن تكون تجربة غير اعتيادية تحمل الإثارة وتصنّف أنها أهم تجربة تسعى المؤسسة إلى تحقيقها.

وقد أدرج قادة كل من المنظمة غير الربحية وشركة المواد الغذائية بالفعل هذا النوع من الحماس بشكل متعمد ضمن جهودهم المبذولة في سبيل التغيير. وبمجرد أن تسببت جائحة “كوفيد” بإغلاق المدارس الثانوية التي كانت تمثّل مكان عمل المنظمة غير الربحية، تمكنّت المنظمة من دفع موظفيها إلى إشراك الطلاب في مشاريع الخدمة الافتراضية في غضون أيام، على الرغم من أن ماهية تلك المشاريع لم تكن واضحة بعد. وكوّن الموظفون أفكارهم الخاصة بسرعة والتمسوا أيضاً اقتراحات من الطلاب والمؤسسات المجتمعية. وجرى اختبار الأفكار ضمن تجارب صغيرة؛ كما خلق كبار القادة فرصاً للموظفين في مدن مختلفة تحثهم على مشاركة كل ما كانوا يتعلمونه بهدف تبني أفضل الأفكار وتكرارها وتطويرها وبغية منح الموظفين إحساساً بأنهم شركاء في النجاح. وفي شركة المواد الغذائية، حثّ الرئيس التنفيذي فريق عمل متعدد الاختصاصات من أقسام البحث والتطوير والتوريد والمبيعات على طرح منتجات صحية أكثر للزبائن والحصول على آرائهم عنها وتحديد ماهية الخطوات المستقبلية، وجرت كل تلك الخطوات في غضون 100 يوم وفرت الشركة خلالها ملايين الدولارات دون المساومة على رضا العملاء. كما طلب من أعضاء الفريق تقديم تقرير شخصي حول تقدمهم إلى المسؤول التنفيذي كل أسبوع، وذلك بهدف مواصلة الضغط عليهم ومنحهم فرصة الظهور وطلب كل ما يحتاجون إليه لجعل جهودهم تُكلّل بالنجاح.

إن ضخ الحماس في مشاريع التغيير يوضح أن بذل الجهد لا يعني الاستمرار بأداء “العمل كالمعتاد”، ولا يعني إضافة مشروع على رأس قائمة المشاريع الأخرى. إنما الحافز الذي يدفع الناس للحصول على نتيجة ما في مدة زمنية قصيرة هو ما يجبرهم على التعامل مع المشروع باعتباره أولوية وعلى إيجاد الوقت لبلوغ النتيجة المرجوة بالفعل. كما يخلق الحماس أيضاً ضغطاً من الأقران يحثّ الموظفين على العمل مع غيرهم ممن هم بحاجة إلى حافز لمواظبة العمل، إضافة إلى أنه يُعزّز مشاعر الصداقة أو حتى الفرح الذي يواكب فرصة إحداث فرق بالفعل.

شارك في العمل وانخرط فيه بشكل شخصي عند الحديث عن جهود التغيير التي تعوزها مشاعر الإحساس بالاستعجال، كثيراً ما يبدأ كبار القادة في إدارة تلك المبادرات ثم يختفون ويوكلون مهمة أداء واجبات العمل اليومية إلى مستشاري التغيير أو أعضاء الفريق. إلا أن إعادة توليد ذلك الإحساس بالحاجة إلى الاستعجال الذي نشهده خلال الأزمات يتطلّب منا أن نكون جزءاً من العملية وأن نبقى منخرطين في العمل مع الفرق، نحتفل بنجاح أعضائها ونساعدهم في التعامل مع خيبات الأمل وفي تجنّب المشكلات أو حلها. وقد يعني ذلك أن نلجأ إلى مراجعة أولوياتنا بهدف جذب تجارب التغيير للتركيز الذي تحتاج إليه، وحتى لا يشعر الموظفون أن الانضمام إلى تلك التجارب هو أمر اختياري.

إشارة مهمة للعاملين في مشاريع التغيير

وفي الأمثلة المذكورة في هذه المقالة، كان كبار القادة حاضرين عند تطبيق التجارب بالفعل، ليس فقط في بدايتها وإنما طوال الوقت. وفي المنظمة غير الربحية، نظّمت إحدى كبار القادة مكالمات متكررة على منصة “زووم” مع مدراء كل مدينة وموظفيها لمواصلة الضغط عليهم، ولحثّهم على مشاركة المعلومات وتعزيز أهمية جهودهم وتشجيعهم. كما عقدت جلسات عمل جماعية مع الموظفين لإبقاء الجميع على اطلاع ورتبت لمديرتها، الرئيسة التنفيذية، حضور جلسات فردية مع الطلاب القائمين بأداء مشاريع خدمة إبداعية. وفي شركة الأغذية المعبأة المخصصة للمستهلكين، حضر الرئيس التنفيذي اجتماعات الفريق بشكل دوري برفقة رؤساء قسم البحث والتطوير وقسم المشتريات وذلك للاطلاع على مدى التقدم ولتقديم المساهمات والمساعدة في حل المشكلات واتخاذ القرارات على الفور، بدلاً من انتظار حضور قائد الفريق إليهم. كما سلّط الرئيس التنفيذي الضوء على التقدم الذي أحرزه الفريق في جميع جلسات الشركة، وكلّف نفسه عناء الاتصال بالموظفين القائمين على المشروع وشكرهم على مساهماتهم بشكل شخصي.

ولا بد أن تلك المشاركة الشخصية المستمرة لكبار القادة في العمل تمثّل إشارة مهمة إلى الأشخاص العاملين في مشاريع التغيير مفادها أن بذل الجهد هو أمر بالغ الأهمية لنجاح المنظمة ومواصلة نشاطها. كما أنه يزيد من مقدار الضغط الذي يهدف إلى تحقيق النجاح من خلال ملاحظة مدى حرص القادة ومدى اعتمادهم عليك لتحقيق النجاح.

وعلى الرغم من أن تلك الخطوات بسيطة ومباشرة، ستجد أنها ليست بتلك السهولة، خاصة لمن كان معتاداً على العمل على برامج التغيير المُنظمة والمدروسة والمراقبة. فهي تستدعي منك أن تكون كثير الطلبات جداً، وقد يُنظر إليك حتى بنظرات تتهمّك بالجنون بعض الشيء، كما تتطلب منك أن تبذل كل ما في وسعك لإلهام موظفيك وإيقاد شغفهم؛ وقد تختبر قدرتك على التحلي بالصبر حول ما قد تحمله نتيجة التجارب وما ستؤول إليه تلك التغييرات وحول متطلبات بلوغ النتيجة المنشودة؛ كما أنها تحثّك على أن تثق بقدرتك وقدرة موظفيك على تحقيق النجاح شرط أن تقودهم إلى المسار الصحيح. بمعنى آخر، إن اتخاذ خطوات كتلك هو عمل قيادي شاق، لكن إذا أردنا أن ننجح في المشاركة في إعادة بناء شركاتنا وتعزيز اقتصادنا فتلك هي الخطوات الأساسية لتوليد الإحساس بالاستعجال اللازم للابتكار لتحقيق عملية تغيير ناجحة.

اقرأ أيضاً: التعامل مع مقاومة التغيير

تنويه: يمكنكم مشاركة أي مقال من هارفارد بزنس ريفيو من خلال نشر رابط المقال أو الفيديو على أي من شبكات التواصل أو إعادة نشر تغريداتنا، لكن لا يمكن نسخ نص المقال نفسه ونشر النص في مكان آخر نظراً لأنه محمي بحقوق الملكية الدولية. إن نسخ نص المقال بدون إذن مسبق يعرض صاحبه للملاحقة القانونية دولياً.

جميع الحقوق محفوظة لشركة هارفارد بزنس ببليشنغ، بوسطن، الولايات المتحدة الأميركية 2024 .

Content is protected !!