هناك حالات عديدة يكون فيها الناس على استعداد لدفع مبالغ باهظة لقاء الحصول على شيء ما مثل حجز غرف في وجهات العطلات كالمنتجعات مثل ساوثهامبتون (Southampton) أو كارميل (Carmel) أو آسبن (Aspen)؛ أو استئجار شقق في المباني المعروفة، مثل المبنى الواقع في 432 بارك أفنيو أو في برج الألفية (حتى لو بدأ الأخير يدخل طي النسيان)؛ أو شراء الأزياء الفاخرة، مثل حقائب بيركين (Birkin) باهظة الثمن من هيرميس (Hermes)؛ أو ابتياع السيارات، إذ من يحتاج حقاً إلى سيارة رولز رويس فانتوم بمبلغ 500 ألف دولار أو سيارة بنتلي فلاينغ سبور (Bentley Flying Spur) بمبلغ 250 ألف دولار أو سيارة بي إم دبليو إم 670 بمبلغ 150 ألف دولار للذهاب إلى عمله؟ إنّ القاسم المشترك في كل عمليات الإنفاق تلك هو "الهوية"، إذ يساعدك شراء تلك السلع على تعزيز هويتك، ويزيد من احتمال توصّل الآخرين إلى نفس الاستنتاج عنك.

وقد تعلّق قائلاً أنّ تلك هي طبيعة السلع الفارهة، والأمثلة التي ذُكرت في الأعلى تؤكد ذلك. إلا أنني لاحظت منذ عقود عدم اقتصار ظاهرة الهوية على السلع الكمالية، بل انتقالها أيضاً إلى سلع ضمن فئات أقل تكلفة ولا تعتبر فاخرة مثل المجلات. فعلى سبيل المثال، سيكلف الاشتراك السنوي في مجلات مثل فوغ (Vogue) ووايرد (Wired) وناشيونال جيوغرافيك (National Geographic) وبِتر هومز أند غاردنز (Better Homes and Gardens) دولاراً واحداً شهرياً أو أقل، وهو مبلغ بسيط بمقياس السلع الفاخرة، إلا أنّ الأسعار التي يرغب الناس في دفعها تتصل بشكل وثيق بالهوية.

وتوصلت إلى ذاك الاستنتاج المهم خلال فترة عملي على إعداد استراتيجية التحول الخاصة بمجلة ذا نيويوركر (The New Yorker) في منتصف تسعينيات القرن الماضي مع الناشر آنذاك توم فلوريو والمحررة لاحقاً تينا براون. كان قطاع المجلات الورقية وقتها يعمل على تخفيض أسعار المجلات والاشتراكات السنوية بهدف زيادة أعداد القراء والمشتركين بالنظر إلى أنّ مجمل دخل تلك المجلات كان نابعاً من المعلنين (ممن يتناسب مقدار ما يدفعونه طرداً مع عدد قراء ومشتركي المجلة). وكان الضغط على مجلة "ذا نيو يوركر" للمضي في ذاك الطريق قوياً جداً على اعتبار أنها باتت مملوكة لدار النشر العملاقة كوندي ناست (Conde Nast) والتي اشترتها قبل عقد من الزمان. وكانت دار النشر تلك تؤيد استراتيجية تخفيض تكلفة المجلة على القراء لزيادة عددهم.

ولكن عندما قررنا إلقاء نظرة متعمّقة على طبيعة قراء مجلة ذا نيويوركر، توصلنا إلى استنتاج مفاده أنّ تخفيض الأسعار قد يأتي بنتائج عكسية. فبالنسبة لقرائنا، لم تكن "ذا نيويوركر" مصدراً للأخبار والكتابات الجيدة فحسب، بل كانت جزءاً أساسياً من هويتهم كأفراد. لقد كان جمهور "ذا نيويوركر" قرّاء مثقفون مهتمون بما يحتاج أن يطلّع عليه الشخص المفكر في جميع المجالات والمواضيع التي تغطيها "ذا نيويوركر" من الفنون والثقافة وصولاً إلى العلوم والسياسة والأعمال. كانوا يريدون أن يروا أنفسهم هكذا، وكانوا يريدون أن يراهم الآخرون بتلك الطريقة. وكانوا يرغبون في أن يسألهم الناس عن آرائهم حيال مواضع مختلفة ضمن الأمسيات ودعوات العشاء. لقد كان ما سبق يمثّل هويتهم.

وقررنا بسبب ذلك زيادة سعر المجلة وتكلفة الاشتراك فيها بدلاً من خفضه. ولم يعترض القرّاء على ذلك، وأعتقد شخصياً أنّ بعضهم أحب هذا بالفعل، على الرغم من صعوبة تحديد ذلك على وجه اليقين!

وعندما تحققت من معدلات الاشتراك الحالية لمختلف المجلات، شعرت بسرور كبير، إذ تصدّرت "ذا نيويوركر" القائمة في عدد المشتركين على الرغم من تكلفة الاشتراك فيها مقارنة بالمجلة التي احتلت المركز الثاني من قائمة المجلات العائدة لدار كوندي ناست للنشر. وحتى لحظة كتابة هذه السطور، يمكنك دفع 15 دولاراً أو أقل للاشتراك السنوي في إحدى تلك المجلات المعروفة التابعة لدار كوندي ناست للنشر: فوغ أو فانيتي فير (Vanity Fair) أو آلور (Allure) أو جي كيو (GQ) أو كوندي ناست ترافيلر (Conde Nast Traveler) أو بونا بيتيت (Bon Appetit) أو غولف دايجست (Golf Digest) أو وايرد. أما إن أردت الاشتراك في "ذا نيويوركر"، ستدفع ضعفين ونصف تقريباً مقارنة بالبقية، إذ عليك دفع مبلغ 23.50 دولاراً (أي 6 دولارات لكل 3 أشهر تقريباً مع تلقيك 47 عدداً في السنة).

أنا على ثقة بأنّ أصدقائي الكتّاب والمحررين في مجلة "ذا نيويركر" يودون لو أنّ سبب ذلك يعود إلى جودة المواد التي يقدمونها للقراء، إلا أنني أرى أنّ السبب يعود إلى فكرة الهوية التي ذكرتها في الأعلى، حتى لو كان المبلغ الفرق بين دولار ودولارين في الشهر. ولا يعتبر هذا تقليلاً من شأن استراتيجية كوندي ناست، فلدى مجلة فوغ مثلاً وضع مالي ممتاز وقاعدة إعلانية ضخمة، في حين إذا تم تقديم مجلة "ذا نيويوركر" بسعر اشتراك مشابه لاشتراك مجلة فوغ، والبالغ 10 دولارات، ستفقد المجلة 14 مليون دولار من مجمل إيراداتها السنوية، وهي خسارة قد لا تتمكن معها من البقاء قيد العمل.  

ما هي الهوية التي يتعيّن على المجلة تقديمها بهدف تجاوز حاجز الاشتراك الذي يبلغ دولاراً واحداً للعدد؟ هناك فقط بضع مجلات معدودة على الأصابع فعلت هذا؛ ثلاثة توقعتها والرابعة لم تكن في الحسبان على الرغم من أنني كنت لأضمها إلى القائمة لو أمعنت التفكير أكثر. والمجلات الثلاث هي "ذا نيويوركر"، السالف ذكرها، والتي يكلف اشتراكها دولارين في الشهر، و"ذا إيكونوميست" (The Economist)، والتي تمثّل من يرون أنفسهم أصحاب عِلم في الشؤون السياسية أو الاقتصادية العالمية، ويكلّف الاشتراك فيها 4 دولارات في الشهر لنيل تلك المعرفة، وهناك مجلة هارفارد بزنس ريفيو والتي يكلف الاشتراك فيها 99 دولاراً مقابل 6 أعداد سنوياً، حتى ساعة إعداد المقال. وككاتب دائم المساهمة في هارفارد بزنس ريفيو، أتمنى لو كانت تلك القيمة متصلة بالمحتوى الرائع والعملي والقابل للتطبيق للمجلة. (ملاحظة من المحرر: وكذلك نحن). ولكن الأمر لا يتعلق بذلك فحسب، إذ تساعد هارفارد بزنس ريفيو القراء على رؤية أنفسهم كرجال أعمال مفكرين أصيلين منهمكين بشدة في عالم أفكار الأعمال. إنها تعزز الهوية.

ولكن ما هي المجلة التي احتلت المرتبة الرابعة وكانت لها أيضاً هوية مميزة؟ لدهشتي، كان الاشتراك في مجلة بيبول (People) يكلّف المشتركين ما يقرب من 6 دولارات شهرياً للعدد الواحد لتحتل المركز الثاني في قائمتنا. ولم أكن لأظن أنّ سعر الاشتراك فيها سيكون أعلى من مجلات فوغ أو فانيتي فير أو جي كيو. وما يثير الإعجاب أيضاً امتلاك المجلة لعدد قرّاء كبير وقاعدة مشتركين مثيرة للإعجاب تزيد عن 3.4 مليون مشترك (متفوقة على المجلات الثلاث السابقة مجتمعة). ربما تكون تلك المجلة استثناء للقاعدة، وربما قامت بسلوك طريق متعال مختلف عن المجلات الثلاث الأخرى أوصلها إلى تلك المرتبة، إذ ما نوع الهوية التي يريدها قراء تلك المجلة مثلاً؟ لكن مع قليل من التفكير، يمكنني القول أنّ الهوية التي يسعى إليها قراء مجلة بيبول هي الشخص المعاصر المطلع على كل جديد فيما يتعلق بأخبار المشاهير في الولايات المتحدة في زمن باتت فيه أخبار المشاهير في صميم الثقافة الأميركية. وتتمتع مجلة بيبول بموقع فريد في كونها صاحبة ثاني أعلى مبلغ اشتراك يتوجب على المرء دفعه من جهة، ومن جهة أخرى وجود صف طويل من المعلنين المتحمسين لنشر إعلاناتهم فيها.

والعبرة المستفادة هنا هو إمكانية تطبيق ما سبق على مجالات كثيرة أخرى بخلاف السلع الكمالية والمجلات وصولاً إلى قطاعات تجارية تقدّم خدماتها للمستهلكين (وأخرى غيرها). وعندما تصمم منتجاً أو تحدد سعراً، عليك ألا تفكر فقط بما يرغب فيه العملاء، بل فكر أيضاً بما يرغبون أن يكونوا عليه.

تنويه: يمكنكم مشاركة أي مقال من هارفارد بزنس ريفيو من خلال نشر رابط المقال أو الفيديو على أي من شبكات التواصل أو إعادة نشر تغريداتنا، لكن لا يمكن نسخ نص المقال نفسه ونشر النص في مكان آخر نظراً لأنه محمي بحقوق الملكية الدولية. إن نسخ نص المقال بدون إذن مسبق يعرض صاحبه للملاحقة القانونية دولياً.

ﺟﻣﯾﻊ اﻟﺣﻘوق ﻣﺣﻔوظﺔ ﻟﺷرﻛﺔ ھﺎرﻓﺎرد ﺑزﻧس ﺑﺑﻠﯾﺷﻧﻎ، ﺑوﺳطن، اﻟوﻻﯾﺎت اﻟﻣﺗﺣدة اﻷﻣﯾرﻛﯾﺔ - 2019

اترك تعليق

قم بـ تسجيل الدخول لتستطيع التعليق
avatar
  شارك  
التنبيه لـ
error: المحتوى محمي !!