تعاني المهندسات من مشكلة على صعيد بروز دورهن. فعلى غرار النساء في قطاعات أخرى يطغى عليها الذكور، يبرزن في الأغلب في شكل مفرط باعتبارهن مجرد نساء، لكنهن يتعرضن للإهمال حين يتعلق الأمر بخبرتهن الفنية. وتعوق هذه المفارقة تشكيل العلاقات في العمل وتؤذي تقدمهن.

ولقد أردنا أن نعرف كيف تتعامل النساء مع هذا الأمر. في العام 2014، أجرينا مقابلات مع 50 مهندسة في ثلاث مؤسسات رائدة مدرجة في مؤشر "فاينانشيال تايمز 100" في المملكة المتحدة. وأفادت المؤسسات الثلاث بأنها ملتزمة بالتنوع وتحاول توظيف مزيد من المهندسات والاحتفاظ بهن وترقيتهن. ومع ذلك، ظلت الأعداد متدنية باستمرار، وفي كل المؤسسات الثلاث كانت الاستقالات مرتفعة، ولاسيما بين النساء ذوات المراتب الوظيفية الدنيا. لكن النساء اللاتي تحدثنا إليهن بقين في شركاتهن، وتقدم العديد منهن إلى مناصب عليا. وسألناهن عن تجاربهن اليومية في العمل، وفرص التقدم المهني، وكيف تغلبن على التحديات التي يواجهنها.

وتحدثت المشاركات في استطلاعنا بإسهاب حول حجب كفاءتهن بسبب نوعهن. وشعرن بأنهن يتعرضن للتمييز بسبب ذلك أيضاً، وكان عليهن العمل بجهد أكبر من الرجال لإثبات كفاءتهن الفنية. وقلن إنّ الزملاء يركزون في الأغلب على مظهرهن بدلاً من عملهن.

ومن خلال مقابلاتنا، تعرفنا على أربع استراتيجيات أفادت النساء باستخدامها للتعامل مع هذا الوضع.

توافقن على تقبل الصور النمطية التي "تبدو غير عسيرة" والمتعلقة باختلاف النوع.

من بين الاستراتيجيات الشائعة هي تقديم المرأة نفسها كابنة أو أخت عند التفاعل مع الرجال. واستُخدمت هذه الاستراتيجية من قبل النساء في مرحلة مبكرة من مسيرتهن المهنية لاستشعار المؤازرة من الزملاء. قالت أمل:

أقول لزميلي في العمل: "نعم، أعرف أنني أسأل سؤالاً غبياً، لكن قل لي ما الذي تقوم به. أخبرني كما لو أني في الخامسة من عمري". إنهم مثل أشقائي الكبار أو مثل والديّ، ويمكن لأداء دور الفتاة الصغيرة قليلاً في بعض الأحيان أن يساعد في نزع الفتيل من بعض الحالات المعروفة.

تميل أصغر المشاركات سناً وأقلهن رتبة وظيفية إلى تطبيق هذه الاستراتيجية، بهدف تقليل اعتماد النساء على الصور النمطية للابنة أو الأخت والتركيز على نوعهن، ما سمح لهن بالتركيز على الوظيفة التي يقمن بها. ومع ذلك، فالأمر يؤدي إلى التعامل مع المرأة باعتبارها طفلة، ولم يكن بوسع النساء الاستمرار في هذه الاستراتيجية إذا أردن التقدم الوظيفي. واشتكت مستجيبات كثيرات من رعايتهن من قبل زملاء ذكور "أبويين". واعتقدت كثيرات بأنهن لم يحصلن على مهام على درجة من الأهمية لأنهن اعتُبِرن في حاجة إلى مساعدة وتوجيه ورعاية متكررة، وليس بوصفهن أبرز المرشحين الواعدين.

اعتنقن الصور النمطية الأنثوية.

اعتنقت بعض النساء الصور النمطية الخاصة بالنوع الأنثوي في مظهرهن (اللباس والشعر والمكياج والأظافر) مع إظهار مستويات عالية من الكفاءة الهندسية في الوقت نفسه. لقد جعلن أنفسهن بارزات في كلا المجالين. ووصفت هناء نهجها قائلة:

أصبحت أظافري نكتة شائعة الآن لأنني أغير لونها إلى حد كبير كل أسبوعين. أعمل في الطابق التجاري وأساعد في اختيار الأدوات. وأعني أنني أتلقى على كل أنواع النظرات والأسئلة الحماسية مثل "كيف يمكنك العمل مع تلك الأظافر؟" وأطلب منهم أن يبتعدوا وأضع قفازات وأنفذ العمل.

استخدمت أقلية صغيرة من النساء هذه الاستراتيجية وكن كلهن في منتصف حياتهن المهنية. وعلى الرغم من أنّ الاحتفاء بما يمكن أن يُنظر إليه على أنه طريقة محظورة لإثبات الهوية وقد يبدو محفوفاً بالمخاطر، إلا أنّ هذه المهارة حققت نجاحاً بالنسبة إلى المهندسات ذوات المهارات العالية. فقد جرى الاعتراف بهن لخبرتهن الهندسية، وعلى هذا الأساس رأين فرصاً للتقدم. ومع ذلك، كن يدركن أنّ هذه الاستراتيجية نجحت فقط لأنهن كن ذوات كفاءة عالية وأنّ أي خطأ فني قد يؤدي إلى نتائج عكسية.

قللن من شأن نوعهن.

كانت الاستراتيجية الأكثر شيوعاً التي سمعناها تتعلق بالنساء اللواتي يقدمن أنفسهن في شكل متحفظ للتقليل من شأن نوعهن المختلف وتجنب ربطهن به. وأدارت النساء اللواتي استخدمن هذا الأسلوب بعناية مظهرهن وتفاعلاتهن من حيث اختيار ملابس غير اعتيادية في الشركة، وتعديل سلوكهن لتفادي أي احتمال للنميمة، والتنبه إلى النظرة الفاحصة من الآخرين. وأوضحت منى ذلك قائلة: "أكون ودودة لكن ليس بشكل مفرط… لا أريد أن يُساء فهمي. أريد أن أُحترَم".

وحولت هذه الاستراتيجية بفاعلية الأضواء من الحضور المادي للمرأة إلى معرفتها الهندسية. ومن المثير للاهتمام أنّ العديد من النساء اللاتي استخدمنها كن حريصات على أن يتصرف الآخرون بالمثل. كانت وجهة نظرهن تفيد بأنّ "التخفيف من الحدة" في المظهر والسلوك يجعل الحياة أسهل للجميع.

لكن لم ترغب جميع النساء في قمع أنوثتهم بهذه الطريقة، ولم يستطعن جميعهن عمل ذلك. مثلاً، أوضحت خولة أنها بصفتها "امرأة صغيرة الحجم" (في فضاء ذكوري إلى حد كبير)، عمدت فقط إلى تجنب الاختلاط، ما يعني أنها لم تتكيف مع الصور التقليدية للنجاح أو مع من يبدو عليهم أنهم المرشحون "الواعدون". وكما رأت، كان خيارها الوحيد هو الاحتفاء بالفارق الخاص بها، وهذا ما فعلته من خلال الملابس المتألقة وعن طريق التحدث بصراحة عن أصولها الأفريقية في ظروف وسياقات مختلفة مثل العروض التقديمية الرسمية. وكان ذلك مفيداً لها لأنها عرفت أنّ معرفتها ومهاراتها الفنية كانت خالية من العيوب.

حاولن أن يكن "رجلاً من الرجال".

ذهبت بعض النساء إلى أبعد من ذلك، في محاولة لتمويه أنوثتهن من خلال الظهور والتحدث مثل الرجال. وقد أخبرتنا أريج قائلة:

من الجيد أن يتكيف المرء مع محيطه، صحيح؟ ارتديت قميصاً مزرراً بالكامل، وجميعهم يرتدون قميصاً أزرق اللون مزرراً بالكامل، ثم تحدثت مثل الرجال عن صيد السمك، وهذا ما جعل الأمر أسهل كثيراً.

وباعتبارها واحدة من النساء الأعلى رتبة في قسمها، اعتادت أريج على البروز بشكل مفرط. لذلك كان من المريح أن تشعر في بعض الأحيان أنها مثل "واحد من الرجال". واعتُمدت هذه الاستراتيجية في الأغلب من قبل النساء في أواخر مسيرتهن المهنية، ربما لأنهن عرفن خلال سنواتهن الأولى عدداً أقل من القدوات، وبالتالي طرقاً أقل للظهور كإناث في مؤسساتهن.

كما تبنت بعض النساء ذوات الرتب الوظيفية المتقدمة ما رأين أنه يوصف بسلوكيات ذكورية نمطية: مثل السلطوية والفردية والنضالية. وعلى الرغم من أنهن رأين ذلك ضرورياً لكسب احترام زملائهن، كان الأمر سيفاً ذا حدين. فالنساء اللواتي يتصرفن بهذه الطريقة في العمل يواجهن في الأغلب رد فعل عنيفاً، وهؤلاء الذين تحدثنا إليهن ممن قيل إنهن تعرضن لأحكام قاسية، بل وتعرضن لتسميات جارحة مثل ("ملكة الثلج"). ولفتت النساء اللواتي استخدمن هذا النهج الانتباه بعيداً عن نوعهن وباتجاه كفاءتهن في المجال الهندسي، وتقدمن في الحياة المهنية، لكنهن قلن إنهن دفعن ثمناً لقاء ذلك.

هل يمكن للمؤسسات أنْ تتدخل؟

أدركت النساء اللاتي تحدثنا إليهن الحاجة إلى إدارة هذا التناقض في البروز الخاص بالنوع الاجتماعي وعدم البروز المهني، باستخدام أحد هذه الاستراتيجيات (أو في بعض الحالات مزيجاً منها) لتحويل التركيز عنهن. وتبنت الأغلبية النهج الأكثر تحفظاً بالتقليل من شأن نوعهن. وبينما يساعد هذا النهج بعض النساء في حياتهن المهنية الفردية، فإنه يستنسخ أيضاً الصور النمطية القائمة للنوع المختلف للأنثى، ويمكن أن يحافظ على هيمنة الرجال في المجال بشكل عام.

ما الذي يمكن أن يفعله المدراء لتغيير هذه الديناميكية؟ تتمثل نقطة البداية في الاعتراف بالصور النمطية وتحديها. ويؤدي التدرب على التخلص من التحيز الضمني دوراً، ليس كحل سريع لمرة واحدة، بل من خلال تدخلات منتظمة تركز بشكل خاص على كيفية إزالة الافتراضات النمطية من التوظيف والتدريب والتطوير والترقية. خذ الترقيات مثلاً، حيث لا يمكن اعتبار المعايير المألوفة حول من هو مستعد للتقدم الوظيفي أمراً مفروغاً منه، إذ يجب مراجعة هذه المعايير في كل مرة للتأكد من تطبيقها بطريقة منتظمة وشفافة على جميع المرشحين.

يجب أن يكون الجميع مدركين لما يشكل سلوكاً غير مقبول، بداية من التعليقات المفرطة وغير المرحب بها على مظهر الشخص وانتهاء بالتحرش العلني به، مع تطبيق العقوبات على أولئك الذين ينتهكون القواعد. ويجب أن تعرف النساء أنهن يمتلكن الحق في الإبلاغ عن السلوكيات التي تجعلهن يشعرن بأنهن مرتبطات بنوعهن الجنسي، وأن يفهمن كيفية القيام بذلك، وأن يتوقعن الاستماع إليهن. ويمكن للمؤسسات أيضاً أن تحاول إبراز طرق النجاح المختلفة، لإظهار أنّ النساء لسن بحاجة إلى النظر والتصرف مثل الرجال أو تعديل أنوثتهن من أجل التقدم في مسارهن الوظيفي.

* استخدمنا أسماء مستعارة لحماية هويات المشاركات.

تنويه: إن نسخ المقال أو إعادة نشره بأي شكل وفي أي وسيلة دون الحصول على إذن مسبق يعتبر تعدياً على حقوق الملكية الدولية ويعرض صاحبه للملاحقة القانونية.

ﺟﻣﯾﻊ اﻟﺣﻘوق ﻣﺣﻔوظﺔ ﻟﺷرﻛﺔ ھﺎرﻓﺎرد ﺑزﻧس ﺑﺑﻠﯾﺷﻧﻎ، ﺑوﺳطن، اﻟوﻻﯾﺎت اﻟﻣﺗﺣدة اﻷﻣﯾرﻛﯾﺔ - 2019

اترك تعليق

قم بـ تسجيل الدخول لتستطيع التعليق
avatar
  شارك  
التنبيه لـ
error: المحتوى محمي !!