مهما كانت مقاصدنا سليمة فإن النقاشات مع الآخرين ربما تأخذ منحى صعباً، فيتولد عنها أحياناً بعض التوتر والغضب، كما تتسبب بتبديد الوقت والجهد. سأحدثكم مثلاً عن أيمن، وهو أحد العملاء الذين أدربهم. إذ تم تعيينه مؤخراً في منصب قيادي ضمن كلية لإدارة الأعمال، وكان عازماً ومتحمساً للدفع نحو تطبيق أجندته الاستراتيجية. وتطلب منه ذلك بناء حالة من الالتزام بين أفراد الفريق وتعزيز شعورهم بأنهم هم أصحاب التغيرات المقترحة والمسؤولون عنها. وحين كان الموظفون يتباطؤون في أداء المهام والأدوار المنوطة بهم، كان يشعر بالإحباط لأنه كان يرى في ذلك عدم رغبة منهم في تولي المسؤولية.

وعلى سبيل المثال، حين تحدث أيمن مع ليلى، وهي مديرة برامج الماجستير عبر الإنترنت في الكلية، أطلعها على خطته لزيادة معدل التسجيل في هذه البرامج من أجل زيادة إيرادات الكلية. حيث يرى أنه بالإمكان زيادة أعداد الطلبة في هذه البرامج بنسبة 20% دون الحاجة لتوظيف المزيد من المدرسين ودون التأثير سلباً على جودة الدراسة ورضا الطلبة. إلا أنّ ليلى رفضت هذا المقترح. فتجادل معها حول ذلك، وحين واجهته بما لديها من تخوفات وحجج مقابلة، لم يلق لها بالاً. فلم يتم التوصل إلى حل، وظن أيمن أنه لو "فاز" في النقاش من خلال المنطق، أو القوة، أو الإصرار، فهذا يعني أنّ الطرف المقابل قبل حجته وأنه سيتقيد بتنفيذ الاتفاق. ولكن الذي حصل هو أنّ أعضاء فريقه غادروا الاجتماع غير مقتنعين وغير ملتزمين.

لقد كان افتقار أيمن للمرونة في النقاش هو ما جعله غير قادر على قيادة التغيير. فبدلاً من التحفيز نحو إحراز التقدم وتسهيل العمل عليه، قام بإثارة الحنق لدى فريقه وتسبب في إرهاقهم.

وكان يلزمه ليخوض في نقاش أكثر نجاعة امتلاك أدوات أكثر في صندوق مهاراته النقاشية واستخدامها بفعالية. وفيما يلي 8 استراتيجيات اعتمد عليها أيمن وطبقها، ويمكن استخدامها جميعاً لتعديل مسار النقاشات التي خرجت عن السيطرة والمضي بها نحو نتيجة مرضية.

تحويل شكل العلاقة من المعارضة إلى الشراكة

في خضم الحوار المحتد يميل الشخص إلى اعتبار محاوره خصماً له. لذلك حاول أن تعيد تموضع نفسك ذهنياً وجسدياً لكي تكون إلى جانب الطرف الآخر، بحيث تشعر أنكما معنيان بالمسألة ذاتها. حيث أخبرني أيمن أنه شعر أثناء محاولة إقناع أفراد فريقه كأنه يحاول أن يخترق حصناً منيعاً. فسألته، "وكيف تحاول الدخول؟"، فقال لي: "كنت أحاول اختراق ذلك الجدار باستخدام المدق الضخم، لم أجد طريقة أُخرى للدخول". لكنه أدرك أنه بدل التعامل مع الحوارات كهجوم على حصن منيع، الأفضل طرق البوابة بأدب، ليتم الترحيب بك بسرور في الداخل. وهو يلجأ الآن إلى هذا المثال التشبيهي، كي يحاول دوماً الانتقال إلى طرف الآخرين على طاولة الحوار، ليذكّر نفسه بضرورة محاولة التحالف مع الآخرين حين يجد أنّ الحوار وصل إلى نقطة مسدودة.

انقل هدفك من إطار الإقناع إلى إطار التعلم

عادة ما تحيد النقاشات عن مسارها حين نحاول إقناع شخص ما بآرائنا أو طريقتنا في التفكير. وحين يكون هدفنا جعل شخص يرى الأمور من وجهة نظرنا، عادة ما سيبدي مقاومة لذلك، والجدل كما هو معروف عدوّ التعلم، وهو الذي يودي بالنقاشات إلى خندق لا يمكن الخروج منه. ومهما كنت تعتقد أنك متحدث جيد ومنطقي، إلا أنه لا يسعك فهم المشكلة وحلها دون التعرف على الزاوية التي ينظر منها الطرف المقابل. فكلما كان يصر أيمن على الإقناع ويتخذه هدفاً في نقاشه، كان يخسر فعاليته. حيث أوضحت ليلى وقالت: "هنالك الكثير من الأمور التي لا يدركها أيمن. وسيكون من الأفضل لو تعاون معنا بدل محاولة فرض خططه، ولكن يبدو أنه لا يأبه بالتعلم عن تجربتنا وخبرتنا". ولهذا فالانتقال بشكل واع إلى حالة التعلم يساعدنا في الحصول على الأفكار التي تمكننا من التفكير خارج الصندوق، والتعاون، والمضي قدماً في النقاش. إذن، يلزمك أن لا تلزم رأيك بشكل قاطع، لفترة مؤقتة على الأقل، وذلك كي تتيح المجال لاستيعاب زميلك. وبدأ أيمن يتبع طريقة طريفة، وهي أن يتخيل نفسه طرفاً ثالثاً محايداً في النقاش يشاهده من الخارج. وهذه الحيلة الذهنية تساعده في التوقف عن السعي لإقناع الآخرين، وعدم الشعور بالرغبة الجامحة للدفاع عن وجهة نظره. فهو لا يشعر أنه مقتنع تماماً برأي دون الآخر، وهذا يجعله يرى بشكل دقيق ما الذي لدى الطرف الذي يحاوره وكيف ينظر إلى الأمور.

عبّر عما تهدف إليه

إذ تضمن الشفافية نقاشات ناجعة، ولذا من الضروري أن تعبّر عن هدفك وما الذي تطمح للتوصل إليه مع شريكك. يمكن أن تقول على سبيل المثال: "أود من كل واحد منا التعبير عن تخوفاته وانتقاداته لنناقشها جميعاً، كي نتأكد أنه لم يفتنا أي شيء". كما يمكن أن تسأل الأطراف الأُخرى عن الأمور التي يأملون أن يتمخّض عنها النقاش. وعليك أن تكون واضحاً، ليس حول الموضوع والهدف المرجو من النقاش وحسب، ولكن حول العملية أيضاً. فعلى سبيل المثال، قال ديفيد: "أود البقاء منفتحاً على جميع الآراء وتجنب الحكم عليها، هلّا نبهتموني إن تجاوزت هذا الأمر؟"

تجنب الانطلاق من افتراضات حول الآخرين

اسأل شخصاً خاض حواراً صعباً عن المشكلة التي طرأت، وعلى الأرجح سيصف لك ما يعتقد أنها مشكلة الطرف الآخر: "إنه لا يهتم سوى بمصلحته في الوظيفة، ولا يهتم لنجاح الفريق"، أو "إنها تسعى للاستيلاء على منصبي، إنها تريدني أن أفشل". حيث أنّ الافتراضات التي نشكلها حول نوايا الآخرين تكشف عنا أكثر ما تكشف عمّا يدور في خلدهم. كما أنّ تشكيل الافتراضات يحد من فعاليتنا وذلك لأنها تحول دون فهمنا الكامل للموقف وتحد من نطاق الحلول التي يسعنا التفكير بها.

تعاطى مع وجهة النظر الأخرى بانفتاح وفضول

لكي تتمكن من فهم وجهة النظر لدى شريكك عليك الخروج من دائرة الدفاع عن رأيك وتنتقل إلى حالة الفضول. فتجنب طرح أسئلة على الطرف الآخر من قبيل: "هل ترغب في أن تكون الشخص الذي يعرف بأنه أساس المشاكل في المكتب؟" وبدلاً من ذلك اطرح أسئلة مفتوحة من قبيل: "كيف يؤثر هذا الأمر عليك؟" أو "ما الأمر الأكثر أهمية بالنسبة إليك؟" أو "ما الذي يعنيه لك هذا النقاش؟". ثم اشكره على إجابته دون محاولة تفنيد ما قاله.

اعترف بجانبك من المسؤولية

من السهل جداً ملاحظة الأخطاء التي يرتكبها الآخرون، ولكن من الصعب أن يدرك الإنسان جهة مسؤوليته في المشكلة. فالاعتراف بخطئك يثبت أنك لا تتنصل من مسؤولياتك وهذا يشجع الآخرين أيضاً على أن يحذوا حذوك. كما تبين لأيمن عبر طرح أسئلة ذات إجابات مفتوحة والاستماع للآخرين دون مقاطعة، أنّ رغبته في الوصول لنتائج سريعة كانت تدفعه لمقاطعة الآخرين كثيراً، ما كان يترك لدى من يتحدث معهم انطباعاً بأنه غير مهتم بأفكارهم.

تعلم الأساسيات

حدد عالم النفس جون غوتمان من جامعة واشنطن أربعة سلوكيات في مجال التواصل تؤدي دوماً إلى إخراج النقاشات عن مسارها، حتى أنه يشير إليها بأنها "الأربعة المهلكات". وعبر تعديل لمعادلة غوتمان لتذكّرها، فإنني أدرّس العملاء طريقة تجنب النقاشات الهجومية من خلال الأمور الأربعة الآتية: "إلقاء اللوم، واحتقار الآخرين، والمواقف الدفاعية، ورفض التعاون". حين لم يجد أيمن من ليلى تحمساً لفكرته، رمقها بنظرة استخفاف بعينيه (تعبيراً عن الاحتقار)، وقال: "ما هذا، بالله عليك، كيف تتوقعين أن تسير الأمور بالنحو المطلوب إذا لم تقومي بواجبك؟". وكأنه هنا يلومها على التأخر الحاصل، في حين تعتقد هي بأنه هو الذي لم يستمع إلى وجهة نظرها ولم يقدّم حلاً بشأن تخوفاتها. وحين تعجبت ليلى من انفعاله، أدرك أيمن أنه حاد عن عزمه في أن يبقى منفتحاً خلال النقاش، واعترف بذلك بتراجع سريع عن موقفه.

أما الموقف الدفاعي فيتجلى حين ننكر المسؤولية عن تدهور النقاش. حيث رأت ليلى ضرورة قيام أيمن بإشراك مساعد للعميد في عملية التخطيط، وشعر أنه في موقف يلزمه الدفاع فيه عن نفسه، لأنه رأى في ذلك تلميحاً من ليلى إلى أنه يستثني بعض الموظفين المهمين. وقال أيمن: "إذا كان من اللازم التحدث إلى الجميع، فلن نصل إلى حل أبداً". وهكذا بدأ بالدفاع عن طريقته بعبارة عامة تقترح أن إشراك المزيد من الناس في النقاش سيعيق تحقيق النتائج، وهذا يعني عدم انفتاحه على مقترحات حول كيفية تحسين العملية.

وبالنسبة  لرفض التعاون فله العديد من الأشكال، منها أخذ موقف سلبي، أو التهرب من النقاش حول نقطة ما، أو رفض المشاركة أو الإسهام في النقاش، أو كتم بعض المعلومات المؤثرة على سير النقاش. فإن كنت ترى نفسك تميل لأحد هذه الأساليب، فعليك العودة للتركيز على ما يلزم فعلاً تحقيقه وتتذكر النظر في القضايا الشائكة بانفتاح وفضول، رغم ما يسببه ذلك من بعض الانزعاج، فهو أمر هام للوصول إلى نقاشات مثمرة. ناقش هذه الأساليب الأربعة مع فريقك واتفقوا فيما بينكم على تجنبها أثناء النقاش.

البحث عن المعلومات لحل المشكلات

يفضّل الإنسان عادة حماية صورته الإيجابية أمام الناس، لذا يجد الانتقاد ثقيلاً على نفسه. كما أننا نميل إلى رفض المعلومات التي تهدد هويتنا مثلاً: "أشار العميل إلى أنك لم تكن صبوراً ولم تملك المعلومات الكافية"، وهذا في المحصلة يحرمنا التعلم من أخطائنا. وينصح المدرب التنفيذي مارشال غولدسميث باتباع أسلوب بسيط وفعال وهو "استباق التقييم النقدي". أي عوضاً عن البحث فيما حصل في الماضي، أخبر من تحاوره بأنك ترغب في التعلم أو في تحقيق الإنجازات، واطلب منهم تقديم اقتراحاتهم. وهذا ما قام به أيمن في مرحلة ما من النقاش، حيث سأل ليلى:" ما الذي بوسعي فعله لتوسيع نطاق المشاركة في عملية التغيير؟". لقد تفاجأت ليلى حين صدر ذلك عن أيمن أول مرة، حتى أنها احتاجت بعض دقائق للإجابة، ثم قالت: "أعتقد أنه سيكون جيداً، قبل اتخاذ القرار، أن تسأل إذا كان هناك أمر آخر يريد أحد إضافته، وامنحهم الوقت الكافي للإجابة". وشكرها أيمن على هذا الأسلوب الجديد الذي أضافه لصندوق أدواته.

أخيراً، ممارسة هذه الأساليب ستزيد من قدرتك في نقاشات بناءة أكثر، حتى لو كنت تناقش مسائل في غاية الصعوبة أو الحساسية. وعليك تجريب جميع هذه التكتيكات البسيطة أيضاً، كي تستطيع الاعتماد على الأساليب الثمانية كلما دعت الحاجة لذلك، ما يزيد من مرونتك في النقاشات ويعزز قدرتك على التأثير في زملائك.

تنويه: إن نسخ المقال أو إعادة نشره بأي شكل وفي أي وسيلة دون الحصول على إذن مسبق يعتبر تعدياً على حقوق الملكية الدولية ويعرض صاحبه للملاحقة القانونية.

ﺟﻣﯾﻊ اﻟﺣﻘوق ﻣﺣﻔوظﺔ ﻟﺷرﻛﺔ ھﺎرﻓﺎرد ﺑزﻧس ﺑﺑﻠﯾﺷﻧﻎ، ﺑوﺳطن، اﻟوﻻﯾﺎت اﻟﻣﺗﺣدة اﻷﻣﯾرﻛﯾﺔ - 2018

شاركنا رأيك وتجربتك

كن أول من يعلق!

التنبيه لـ

wpDiscuz
error: المحتوى محمي !!