facebook
twitter
whatsapp
email
linkedin
messenger

تشهد المؤسسات غير الربحية في ظل جائحة "كوفيد-19" انخفاضاً في معدل التبرعات وتضاؤلاً في الاحتياطات النقدية وإفلاساً في بعض الأحيان، فضلاً عن حالة الغموض والضروريات الملحة التي فرضتها هذه الجائحة، وهو ما جعل هذه الفترة مقلقة للغاية، إلا أن مثل هذه الفترات تحمل في طياتها فرصاً أيضاً، فربما حان وقت إعادة تصورك عن هويتك وعما تفعله وتحسين وضع مؤسستك في هذا السياق.

أقوى عرض للاشتراك خلال العام بمناسبة اليوم الوطني السعودي: اشتراك سنوي بقيمة 169 ريال/درهم ينتهي العرض 24 سبتمبر.

تُعد إعادة التصور عن المؤسسات عملية صعبة، لاسيما خلال الأزمات، فغالباً ما يفتقر القادة الذين تقع على عاتقهم ضغوط شديدة بسبب المفاجآت اليومية والحاجات الملحة على المدى القصير والشعور المزعج بالشك والغموض، إلى الشعور بالقدرة على مواجهة تحدّ آخر، ولكن هذه المهمة غير مستحيلة، وقد تكون ضرورية في كثير من الأحيان.

ولقد قضيت سنوات من العمل مع المؤسسات المجتمعية غير الربحية في وضع الاستراتيجيات والإدارة المالية، ووضع نماذج عملها. تعلمت خلال هذه السنوات أن عملية إعادة تصور أي مؤسسة بشكل صحيح تحتاج إلى التركيز على أربعة جوانب مهمة يرتبط بعضها ببعض: الأثر، والعنصر البشري، والماليات، والمجتمع. والآن لنستكشف كل واحد منها تلو الآخر.

الأثر

نشأت المؤسسات غير الربحية في المقام الأول من أجل إحداث أثر محدد، لذا تتمثل الخطوة الأولى في عملية إعادة تصور مؤسستك في أن تحدد ما تريد أن تصبح عليه بصورة واضحة.

حاول توسيع نطاق عملية تجميع المعلومات إلى أكبر حد ممكن، من الموظفين ومجلس الإدارة والمتطوعين وغيرهم، فالاستماع إلى مجموعة متنوعة من الأصوات في هذه المرحلة المبكرة من العملية سيمكِّنك من تأسيس مؤسسة شاملة من الألف إلى الياء.

واعمل على وضع استقصاء يتضمن مثل هذه الأسئلة:

  • لو اختفت المؤسسة من الساحة، فمن الذي سيهتم للأمر ولماذا؟
  • ما الفارق الذي نحاول إحداثه في مجتمعنا؟
  • ما الفئات الأساسية التي تستهدفها المؤسسة؟
  • ما الأثر الذي تريد منا هذه الفئات أن نحدثه؟

وكلما كانت إجاباتك أكثر تحديداً، ازدادت قدرتك على تحديد أولوياتك والتأكد من أنها ستقود استراتيجيتك إلى الوجهة الصحيحة.

ولا بد أن يتجاوز التركيز على الأثر مجرد تحديد الصورة الشاملة عن التوجه المؤسسي، بحيث يتضمن مناقشات صريحة تستند إلى البيانات حول الكيفية التي ستؤثر بها البرامج الحالية في البيئة الجديدة، كما يتعين عليك أن تنظر بعين الاعتبار إلى كل من تقييمات البرنامج ومجموعات النقاش المركزة وتقارير الخبرات لكل من القادة والفئات المستهدفة، إذ يشعر أصحاب المصلحة بأن كل برنامج ذو قيمة بطبيعة الحال، لكن قد يحدث تحول كبير في الأولويات خلال أوقات التغيير، ولن تحتفظ كل البرامج بقيمتها أو لن تُحدث أثراً مماثلاً عندما تمضي قدماً فيها، لذا حاول أن تصنف برامجك إلى مستويات أ، وب، وج وفقاً لأثرها المحتمل مستقبلاً، كما تفعل تماماً عند التخطيط لمستقبلك، وذلك من شأنه أن يساعدك على ترتيب أولوياتك.

وكما شهدنا خلال هذه الجائحة، فإن الأزمات تُرغم المؤسسات على التفكير الإبداعي بشأن ابتكار طرق جديدة لإشراك الفئات المستهدفة وخدمتها، لذا حاول أن تضع يدك على ما تفعله الآن من أجل حل المشكلات الراهنة، واسأل نفسك: هل تبشر أي من هذه البرامج الجديدة المؤقتة وأساليب تقديمها بمستقبل واعد؟ هل ستكون هذه البرامج أكثر إسهاماً في الأثر العام للمؤسسة من بعض الأنشطة الحالية؟ فخلال هذه الجائحة على سبيل المثال، اضطرت وكالة "جويش فاميلي سيرفيسز" (Jewish Family Services) في ميلووكي إلى تقديم خدمات الصحة النفسية الخاصة بها عبر الإنترنت، وقد تبين للوكالة أن هذه الخطوة، التي أقدمت عليها بحكم الضرورة، فاعلة للغاية في خدمة العملاء، ما جعل الوكالة تخطط لمواصلة العمل بها بعد انتهاء فترة الإغلاق بوصفها وسيلة لتعزيز الوصول إلى عملائها.

وبالتركيز على الأثر من خلال هذه الطرق ستتمكن من التوصل إلى فهم مشترك لأهداف مؤسستك وكيفية تحديد الموضع الذي يمكِّنك من تحقيق هذه الأهداف في بيئة جديدة.

العنصر البشري

تمنحك عملية إعادة تصور مؤسستك الفرصة لبناء مؤسسة متنوعة وشاملة على اتصال حقيقي مع موظفيها وتعكس تطلعات الأشخاص التي تخدمهم.

ابدأ بالتفكير العميق بشأن كيفية تضمين أكبر عدد ممكن من الأشخاص في عملية إعادة التصور، مَن الذي يجب عليه المشاركة؟ وكيف سيبدي الموظفون آراءهم؟ وهل يشارك مجلس الإدارة في المناقشات بصورة إيجابية؟ وهل الفئات المستهدفة الأساسية ممثلة في القيادة؟ فبدلاً من افتراض ما يريده أو يحتاج إليه الموظفون أو الفئات المستهدفة، ادعُهم إلى المشاركة في العملية وبناء المؤسسة. وإذا أسهم كل شخص برأيه في تحديد ماهية النجاح والتأثير المرجو، فسينتهي بك الأمر وقد بنيت مؤسسة أكثر تنوعاً وشمولاً، أي مؤسسة أكثر تماسكاً ومرونة وقدرة على تجاوز أي أزمة أخرى قد تقع في المستقبل.

كما تعد هذه اللحظة فرصة لاستكشاف ما إذا كانت ممارساتك مع الموظفين عادلة أم لا، فهل ستتمكن مع تغيير البرامج من الحفاظ على هيكل الموظفين والممارسات المتعلقة بالتعويضات التي يتقاضاها الموظفون بما يتوافق مع قيمك؟ ففي أثناء تنفيذ ممارسات نموذج الأعمال غالباً ما تلغي المؤسسات المناقشات التي تتعلق بسياسات شؤون الموظفين أو تؤجلها لإفساح المجال للمسائل العاجلة "الأكثر إلحاحاً"، وهذا خطأ كبير، لذا احرص على مراجعة وتحديث سياسات شؤون الموظفين وهيكل التعويضات التي يتقاضونها بحيث تعكس قيمك الأساسية وتثبت أن العنصر البشري هو أهم الأصول لديك.

علاوة على ذلك، حدد المهارات أو القدرات التي يجب أن يتمتع بها موظفوك ليكونوا فاعلين وناجحين في وقت التغيير، فهل تتوافق مع ما يتمتع به موظفوك الآن؟ إذا كانت الإجابة "لا"، فما المواطن التي أحدثت هذه الفجوات؟ سيمنحك تحديد هذه المواطن فرصة مساعدة نفسك وموظفيك على اكتساب المهارات التي تحتاجون إليها من أجل النجاح في المستقبل، فإذا تمكنت من إعطاء الأولوية للتطوير المهني والتعلم المستمر، فستكون أكثر قدرة على التكيف مع التغيير المستمر الذي يحدث في العالم من حولك.

الماليات

غني عن القول أنك ستحتاج إلى تحديد التكلفة اللازمة لتنفيذ ما تريد إنجازه ووضع استراتيجية مدروسة للإيرادات عند إعادة تصور مؤسستك.

لذا احرص أولاً على معرفة التكاليف الفعلية لبرامجك، وضع في اعتبارك كلاً من النفقات المباشرة وغير المباشرة، فإذا عرفت التكاليف الكلية المخصصة لكل برنامج تتصور تشغيله، فستكون قادراً على توصيل تكلفة الأثر إلى الممولين والمتبرعين وطلب مستوى التمويل المناسب لإحداث هذا الأثر.

وتركز مجموعة فرعية صغيرة من مجلس الإدارة والإدارة العليا على الموارد المالية في العديد من المؤسسات، وهذا خطأ أيضاً لأنه لا يوفر الدعم الذي تحتاج إليه في هذه اللحظة، لذا احرص على فهم أكبر عدد ممكن من الموظفين لشؤونك المالية فهماً دقيقاً. حينها فقط ستتمكن من إشراك موظفيك بشكل هادف في عملية إعادة تصور وتحديد طرق تقديم برامج جديدة تتماشى بشكل صحيح مع الحقائق المالية. ولن يساعد هذا في عملية صناعة القرار الاستراتيجي فقط، بل سيساعد أيضاً في جهود جمع التبرعات لأن الموظفين سيكونون قادرين على أن يشرحوا للمتبرعين كيف تستغل المؤسسة دعمهم.

عندما تتضح تكلفة الأثر، فكر في كيفية التخطيط لدفع ثمنها، بحيث تتوافق استراتيجيات الإيرادات المستدامة طويلة المدى مع أثر المؤسسة وتنتج دخلاً مرناً وتعزز من قدرات المؤسسة، لذا اسأل نفسك: فضلاً عن الفئات المستهدفة المباشرة، من الذي نستفيد منه؟ كن دقيقاً ومحدداً، فهل تمتلك مؤسستك العلاقات والبنية التحتية اللازمة للوصول إلى هذه المجموعات؟ وهل تمتلك القدرات اللازمة لإحداث الأثر المطلوب؟ إذا تمكنت من تحقيق التوافق بين قدراتك وأثرك، فستنشئ دائرة فعالة: فحينما تُحدث أثراً، سيرى مستثمروك أو المتبرعون فوائد إسهاماتهم وستزداد احتمالية استمرارهم في تقديم التمويل.

عندما يكون الوضع الاقتصادي صعباً، سيكون من الصعب تحقيق إيرادات من خلال كل من الدخل المكتسب والعمل الخيري، ويتمثل أملك الوحيد للتغلب على هذه المشكلة في التركيز واتخاذ خطوات مدروسة، فلا يمكن أن تقتصر المعاملات على جمع التبرعات فقط، فما يساعد المؤسسات غير الربحية على الصمود والاستمرار في أثناء الأزمات هو وجود علاقات حقيقية وعميقة مع شركاء موثوق بهم. وعندما تعيد تصور مؤسستك وبناءها، احرص على توفير الوقت والمساحة من أجل غرس تلك العلاقات، وإذا أردت أن تمتلك مقومات الاستمرار والبقاء من الناحية المالية بغض النظر عما قد يحدث في المستقبل، فلا بد لك من الاستثمار على نحو ملائم في استراتيجيات الإيرادات القائمة على تلك العلاقات، حتى لو كان ذلك يعني تأجيل تقديم البرنامج أو تقديمه على مراحل.

المجتمع

إذا أردت إعادة تصور مؤسستك، فعليك التركيز على النظام الأشمل الذي تعمل فيه: إنه مجتمعك الذي يتألف من عدة مجموعات تحتاج إلى متابعة مستمرة.

الفئات المستهدفة الأساسية: هؤلاء هم المستفيدون الرئيسيون المباشرون من جهود المؤسسة، فكيف يمكن لهذه الفئات أن تتغير في عملية إعادة التصور الخاصة بك؟ وما احتياجاتهم واهتماماتهم؟ وما الأماكن التي يقصدونها لتلبية هذه الاحتياجات والاهتمامات؟ يعتمد نجاحك على معرفة إجابة هذه الأسئلة والتصرف وفقاً لها.

المستفيدون والممولون الآخرون: في عالم المؤسسات غير الربحية لا يستوي أولئك الذين يدفعون مقابل الخدمات وأولئك الذين يتلقونها، وهذا يخلق ما يعرف بـ "السوق الصامتة"، حيث لا تفهم أي مجموعة تعمل فيها احتياجات واهتمامات المجموعة الأخرى أو لا تقدرها على النحو الصحيح، ومن ثم لا بد أن يوضع تيسير التفاهم بين هذه المجموعات وتعزيزه على رأس الأولويات في أي عملية إعادة تصور لما نفعله.

المؤسسات الأخرى: احرص على أن تكون محيطاً بالمشهد الكامل للمؤسسات غير الربحية الأخرى والمؤسسات الربحية التي قد تتنافس وتتعاون معها، فمن غيرك في مجتمعك يخدم الفئات المستهدفة الحالية لديك أو المحتملة وكيف يتداخل أثرهم مع أثرك؟ كيف يمكنكم العمل معاً من أجل إحداث تأثير أكبر؟  ولا بد من وضع معرفة هذه الأمور ضمن أولوياتك، حتى تتجنب ازدواج الموارد.

خذ على سبيل المثال مؤسسة "لوثرين سوشيال سيرفيسز" (Lutheran Social Services) التي يقع مقرها في إنديانا وتقدم خدماتها ذات الصلة بالشباب والصحة النفسية والتدريب على العمل. بعد الخروج من الركود الاقتصادي عام 2008، اتبعت المؤسسة هذه الخطوات لإعادة تصور برامجها. وبعد وقوفها على أكثر ما تحتاج إليه فئاتها المستهدفة وما تفعله المؤسسات الأخرى في المجتمع وما يمكن أن تفعله على أفضل نحو، رأت أن الاستغلال الأمثل للوقت يكمن في تقديم المشورة وبرمجة تطوير قوة العمل، ولكن عجز الميزانية سلبها القدرة على تنفيذ الأمرين معاً، لذا اتخذت القرار الصعب باقتصار التركيز على برمجة تطوير قوة العمل، وكانت هذه الخطوة ذكية للغاية، فسرعان ما كان للمكاسب التي تحققت أثر واضح على المجتمع، وهو ما مكَّن الوكالة من جمع المزيد من الأموال، وهذا بدوره أتاح لها إعادة تشغيل خدمات المشورة.

خاتمة

لا يمكن اعتبار إعادة تصور مؤسستك بالأمر السهل على الإطلاق، ولكن الطبيعة المدمرة للأزمة الراهنة تجبر الكثير من المؤسسات على ذلك. ربما يبدو التحدي جسيماً، وستكون بعض التغييرات مريرة، إلا أن هذه اللحظة تنطوي على فرصة لك ولمؤسستك غير الربحية: وهي إعادة اكتشاف هويتك وزيادة التركيز على مهمتك وتقديم خدمة أفضل للفئات التي تستهدفها، وأفضل طريقة لذلك هي التركيز على الأمور الأربعة المذكورة آنفاً.

تنويه: يمكنكم مشاركة أي مقال من هارفارد بزنس ريفيو من خلال نشر رابط المقال أو الفيديو على أي من شبكات التواصل أو إعادة نشر تغريداتنا، لكن لا يمكن نسخ نص المقال نفسه ونشر النص في مكان آخر نظراً لأنه محمي بحقوق الملكية الدولية. إن نسخ نص المقال بدون إذن مسبق يعرض صاحبه للملاحقة القانونية دولياً.

ﺟﻣﯾﻊ اﻟﺣﻘوق ﻣﺣﻔوظﺔ ﻟﺷرﻛﺔ ھﺎرﻓﺎرد ﺑزﻧس ﺑﺑﻠﯾﺷﻧﻎ، ﺑوﺳطن، اﻟوﻻﯾﺎت اﻟﻣﺗﺣدة اﻷﻣﯾرﻛﯾﺔ - 2020

اترك تعليق

قم بـ تسجيل الدخول لتستطيع التعليق
avatar
  شارك  
التنبيه لـ
error: المحتوى محمي !!