تابعنا على لينكد إن

حاز وارن بافيت على إعجاب الناس بحق لسجل استثماراته كرئيس شركة بيركشير هاثاواي (Berkshire Hathaway) وكبير مدرائها التنفيذيين. وقد تفوّقت هذه الشركة على مؤشر ستاندرد أند بورز 500 (S&P 500 Index) في الأداء بنسبة سنوية تتجاوز 10 في المئة خلال مدة عمل بافيت في الشركة، التي دامت 50 سنة.

مع ذلك، حاز أسلوب بافيت في إدارة الشركة نفسها قدراً أقل بكثير من العناية، ما يُثير شيئاً من الدهشة، نظراً للاختلاف الشديد لنظام بافيت الإداري عن الأنظمة الإدارية للشركات المساهمة العامة الأخرى.

تشتهر شركة بيركشير هاثاواي بلامركزيتها الشديدة، إذ تتمتع الشركات التشغيلية التابعة لها، والتي يتجاوز عددها 80 شركة، بالاستقلال التام والحد الأدنى من رقابة الإدارة الرئيسة عليها. ويتطلب ذلك أموراً قليلة تُضاف إلى البيانات المالية المنتظمة، وإعادة فائض الأموال النقدية الذي لا حاجة له إلى الشركة الأم، لدعم الأعمال وتنميتها. ولا تطالب الشركة الرئيسة شركاتها التابعة بتقديم ميزانيات، أو توقعات مالية، أو استراتيجيات موثّقة. كما تخلو الشركة الرئيسة من الأقسام المخصصة للتسويق المركزي، والتزويد، والمبيعات، والموارد البشرية، وتكنولوجيا المعلومات، ومن دائرة قانونية، حتى إنها لا تمتلك مجلساً عاماً. كل ذلك في شركة تفوق شركات جنرال ألكتريك، وجنرال موتورز، وآي بي إم، وشيفرون حجماً.

كيف لمثل هذه الهيكلية أن تكون مجدية، نظراً لمنافاتها لمعظم المبادئ الأساسية التي تُدرس في مجالي الإدارة والحكم في كليات إدارة الأعمال؟

لمعرفة كيفية إدارة الأعمال لحساب بافيت، أجرينا استطلاعاً على كبار المدراء التنفيذيين للشركات التشغيلية التابعة لشركة بركشاير هاثاواي، وهم بمعظمهم يرفعون تقارير مباشرة إلى بافيت. وتتألف الشركات التابعة من مزيج متنوع من شركات التأمين وغيرها من الشركات التابعة من مختلف الأحجام. وقد وجدنا الأمور الثلاثة الآتية:

1. يتمتّع المدراء بالثقة الكبيرة لشركة بيركشير هاثاواي وبقدر معتبر من الاستقلالية.

نادراً ما يتواصل كبار المدراء التنفيذيين للشركات التابعة مع بافيت (مرة في الشهر، أو الفصل) على الرغم من كونه مديرهم. وبما أنهم غير مطالبين بالاتصال به هاتفياً، أو الاجتماع به بانتظام، فهم يميلون إلى المبادرة شخصياً في التواصل معه.

هذا النوع من الاستقلالية لا مثيل له. ووجدنا أنّ كبار المدراء التنفيذيين يؤمنون بقوة بأنّ ما من مالك شركة آخر كان ليمنحهم درجة مماثلة من الاستقلالية في إدارة أعمالهم. وقد أفادوا بأنّ من المستبعد جداً أن تتدخل بيركشير  هاثاواي في قرارات الأعمال، حتى عند وقوع أحداث وخيمة. وقال معظم المدراء الذين شملهم الاستطلاع إنه من غير المرجح “على الإطلاق” أن يتدخل بافيت في حال حدوث تغيير غير متوقع في الإدارة العليا للشركات التابعة، أو حدوث إضرابات عمّالية، أو توقف سلاسل الإمداد، أو رفع أعداد كبيرة من الزبائن شكاوى، أو تراجع طفيف في المبيعات، أو الخوض في مسائل قانونية. وقال لنا أحد المدراء: “لا أحد غير بافيت يمنح شركة هذا النوع من الحرية”.

وتوقّع كبار المدراء التنفيذيين بأن يصبح بافيت معنياً “بطريقة ما” إذا ما واجهت أعمالهم تراجعاً حاداً في المبيعات، أو إعادة تقييم مالي بسيطة، أو عند حدوث أمر يمسّ بسمعة الشركة التابعة. ولكن من المرجح أن يتدخل بافيت في المسائل التي تمسّ بسمعة شركة بركشاير هاثاواي ككل، أو في حال إجراء إعادة تقييم مالي ضخمة فقط.

2. أُفق الاستثمار طويل الأمد يحسّن الأداء التشغيلي.

أفاد المدراء أنّ امتلاك شركة بيركشير هاثاواي لشركاتهم سمح لهم بإدارة أعمالهم بأفق أداء أطول بكثير من ذلك المتاح تحت ملكية أخرى. وفي ما يتباين هؤلاء المدراء بشدة من حيث الهامش الزمني الذي يستخدمونه لإدارة أعمالهم (بعضهم يستغرق ثلاثة أعوام والبعض الآخر 20 عاماً)، فإنّ المعدل الوسطي هو خمسة أعوام تقريباً، ما يُعد أطول بكثير من المعدل الوسطي للشركات المماثلة، التي غالباً ما تستخدم أفق استثمار لسنة واحدة.

أجمع كبار المدراء التنفيذيين التشغيليين على أنّ أداءهم المالي أفضل بكثير مما سيكون عليه لو لم تكن شركاتهم تابعة لبركشاير هاثاواي. وتختلف أسباب ذلك، على الرغم من أنّ الشريحة التي شملها الاستطلاع أشارت إلى القوة المالية للشركة، وتشغيلها المستقل، وقيمة علامتها التجارية، وأفق الاستثمار طويل الأمد لبافيت.

3. التسيير الأخلاقي للأعمال أمر جوهري للشركة وثقافتها.

أخيراً، أجمع كبار المدراء التنفيذيين للشركات التابعة لبيركشير هاثاواي إجماعاً تاماً على أنّ للشركة ثقافة سائدة مبنية على قانون أخلاقي يعزز الصدق، والنزاهة، والتوجه طويل الأمد، ويركّز على الزبون. وآمن المدراء بقوة أنّ هذه الثقافة متأثرة بالتوجه السائد في الإدارة العليا للشركة. وعلى حد قول أحدهم، فإنّ الرسائل الأساسية التي يرسلها بافيت هي: “1) إياكم وخسارة سمعتكم الحسنة، 2) أديروا أعمالكم كما لو كانت ممتلكاتكم العائلية الوحيدة للسنوات الخمسين القادمة؛ 3) النزاهة أولاً”.

وفي ما تركّز دراستنا على إدارة شركة بيركشير هاثاواي، تطرح هذه النتائج أسئلة ينبغي للمدراء الآخرين أن يأخذوها بعين الاعتبار:

نظام بيركشير هاثاواي قائم على مفهوم أنّ مستوى المدراء سيتحسّن إذا منحوا الاستقلالية التامة عن الإدارة الرئيسة، وسُمح لهم بإدارة أعمالهم من منظار طويل الأمد. وهل سينجح هذا النظام في عدد أكبر من الشركات؟ للإجابة عن ذلك، على المدراء التنفيذيين التفكير أولاً في السمات الإجرائية والثقافية التي ينبغي توافرها لنجاح النظام.

يتخذ بافيت مقاربة تتجنّب إلى حد كبير التدخل في مجموعة واسعة من اختلالات الأعمال. وعلى مدراء الشركات الأخرى أن يطرحوا الأسئلة الآتية: متى يكون الوقت الأنسب لإذعان المشرفين على الشركة لقرار الإدارة في حل المشكلات التشغيلية؟ ومتى يقوى التدخل؟ وأين ينبغي رسم خط أحمر؟

يشترك مدراء بيركشير هاثاواي في اعتقادهم بأنّ شركاتهم تستفيد من أفق استثمار طويل الأمد. في الوقت نفسه، يشكو معلّقون بارزون من التوجه قصير الأمد للشركات المساهمة العامة. وسيستفيد المدراء من تبيّن ما سيكسبونه من مقاومة الضغوط قصيرة الأمد. فما هي الخطوات العملية التي تستطيع شركاتهم القيام بها لتمديد آفاق الاستثمار الإداري؟

يتشترك من شملهم الاستطلاع أيضاً في اعتقادهم أنّ النزاهة مبدأ تشغيلي شديد الأهمية للشركة. لذا، فإنّ الأسئلة التي يجب أن يطرحها كبار المدراء التنفيذيين للشركات هي: ما مدى أهمية النزاهة لنتائج أعمالهم؟ وهل السلوك الأخلاقي يتأثر بالتوجه السائد لدى الإدارة العليا؟ أم أنّ عوامل أخرى مثل الحوافز المالية، وممارسات التوظيف، وسمات تنظيمية أخرى، تفوقه تأثيراً؟

تنويه: إن نسخ المقال أو إعادة نشره بأي شكل وفي أي وسيلة دون الحصول على إذن مسبق يعتبر تعدياً على حقوق الملكية الدولية ويعرض صاحبه للملاحقة القانونية. جميع الحقوق محفوظة لشركة هارفارد بزنس ببليشينغ، بوسطن، الولايات المتحدة الأميركية – 2018.

هذه المقالة عن إدارة

شاركنا رأيك وتجربتك

كن أول من يعلق!

التنبيه لـ

wpDiscuz