يتعدى تأثير قيادة المرأة السياسية تأثير سياساتها بطرق عديدة تتمثل إحداها بأثر القدوة. فقد ثبت أنّ الظهور العلني للمرأة في المناصب العليا يقلص الانحياز الاجتماعي ضدها ويحسّن الظروف المعيشية لها بصورة عامة. وأثبتت الدراسات أيضاً أنّ قيادة المرأة السياسية تزيد احتمال انتخابها مجدداً، وتقلص هذه القيادة احتمالات عدم الإبلاغ عن الجرائم ضدها، وتدفع الآباء لرفع طموحاتهم بشأن بناتهم.

خلال شهر رمضان المبارك فقط: استفد من خصم 30% على الاشتراكات الرقمية السنوية والنصف سنوية

كما ثبت أن تحسين قيادة المرأة لمكانتها يزيد من إمكانية بقاء الفتيات المستضعفات على قيد الحياة ضمن المجتمعات التي تفضل الذكور. ففي دراسة نشرت في مجلة التنمية الاقتصادية (Journal of Development Economics)، بينت أنّ ظهور النساء القياديات في المناطق الريفية الهندية يترافق مع نسب نجاة أفضل للأنثى المتقدمة في ترتيب الولادة في العائلة (المولود الثالث وما بعد) مع تراجع الاحتمالات المعتادة لوفاتها في سن صغيرة.

تنتشر ظاهرة "نقص النساء" في عدة دول آسيوية نظراً لإجراء عمليات إجهاض الأجنة الإناث أو بسبب قتل المولودات أو وفاتهن بسبب الإهمال. ويعود ذلك بنسبة كبيرة إلى رغبة العائلات بتأمين طفل ذكر واحد على الأقل في العائلة مع الحرص على عدم ازدياد حجم العائلة إلى درجة أكبر مما ينبغي. وعموماً، لا تشمل هذه الممارسات المولود الأول لأن الفرص تبقى متاحة لإنجاب الذكور حتى لو كان المولود الأول أنثى. وقد انعكس ذلك في الجولة الأولى من الدراسة الاستقصائية للمنازل والمرافق على مستوى المقاطعة التي شملتها الدراسة، والتي تشمل ما يزيد عن 620,000 منزل هندي، إضافة إلى معلومات تفصيلية عن تاريخ إنجاب النساء المتزوجات، حيث سجلت في الأرياف الهندية ما بين عامي 1987 و1992 نسبة 103 أطفال ذكور مقابل كل 100 طفلة أنثى كمولود أول. وازداد العدد قليلاً للمولود الثاني إلى 107 ذكور مقابل كل 100 أنثى، أما المولود الثالث أو الذي يليه، فقد ازداد الفارق إلى 117 ذكراً مقابل كل 100 أنثى. (لأجل المقارنة، يعتقد أن النسبة الطبيعية للجنس لدى حديثي الولادة تبلغ 105 ذكور مقابل كل 100 أنثى).

ولكن تغيرت الأمور بعد العام 1992. إذ تبين تقييماتي أنّ القانون الهندي الذي رفع من نسبة قيادة المرأة بدرجة كبيرة، ساعد على إنقاذ أرواح 900,000 إلى 1,800,000 أنثى من الأطفال المتقدمين في ترتيب الولادة في العائلة بين عامي 1992 و2004.

يقدم التعديل الثالث والسبعين على الدستور الهندي والذي تمت المصادقة عليه في العام 1993 فرصة فريدة لتقييم آثار قيادة المرأة على اختيار جنس المولود. إذ طالب التعديل الولايات الهندية بتطوير هيئات سياسية ريفية على مستويات كل من القرى والمناطق والمقاطعات. ويطالب كل مستوى بمنح ثلث إجمالي مقاعده السياسية للنساء. وفي حين فُرض على الولايات تنفيذ القانون خلال عامين، اختلفت الولايات في الوقت الذي استغرقته فعلياً لتطبيق السياسة الجديدة. ففي حين توجب على 18 ولاية هندية كبرى إجراء انتخابات تخصص مقاعد للنساء، أجرت أول ولاية هذه الانتخابات في العام 1992، بينما أجرتها آخر ولاية في العام 2001.

تكشف بيانات المناطق الريفية الهندية أن عدد الفتيات المتقدمات جداً في ترتيب الولادة (اللاتي ولدن بعد عدد كبير من الإخوة) اللاتي ما زلن على قيد الحياة قد ازداد من بعد تنفيذ ولاياتهن تخصيص المقاعد السياسية للمرأة. ولا تتغير هذه النتائج حتى إذا شملت البيانات ضوابط إضافية في المقاطعات التي ينتمي إليها الأطفال والاتجاهات السنوية والخصائص المنزلية المختلفة (كبديل الدخل وعمر الأم والديانة).

ويمكن تفسير هذه النتائج بأحد أمرين، إما بانخفاض عمليات الإجهاض بحسب جنس الجنين أو بزيادة نسبة بقاء الفتيات المتقدمات في ترتيب الولادة على قيد الحياة. ولمعرفة أي تفسير منهما هو الأصح، قمت بدراسة العوامل بما فيها نسب وفيات حديثي الولادة والمعلومات الديموغرافية للأمهات. ووجدت أن نسب وفيات حديثي الولادة تراجعت بالنسبة للإناث المتقدمات في ترتيب الولادة خلال هذه الفترة الزمنية، وأن هذه النتائج تحققها المجموعات التي تلجأ لإجراء عمليات إجهاض بحسب الجنس بنسبة متدنية (الأمهات الفقيرات والأميات). وتتفق هذه النتائج مع التفسير الأول (زيادة نسب بقاء الإناث المتقدمات في ترتيب الولادة على قيد الحياة) أكثر من التفسير الثاني (انخفاض عمليات الإجهاض بحسب جنس الجنين).

بعيداً عن البيانات، وعلى الرغم من أهميتها، يجب على صانعي السياسات فهم كيف استطاعت قيادة المرأة تحسين نسب بقاء الفتيات المستضعفات على قيد الحياة إذا كانوا يرغبون بتكرار هذه النتائج في مناطق أخرى. وبحسب البحث، أحد التفسيرات المحتملة لهذه النتائج هو أن النساء في القيادة عُرفن بتوجيه صنع السياسات نحو مراعاة مصالح المرأة، وبناء على ذلك، يمكن تفسيرها بالسياسات التي تحدث تغييرات على الخدمات الصحية المتوفرة للمواليد الإناث أو خدمات الإنجاب المتوفرة للأمهات. والتفسير المحتمل الآخر يقول أنّ ظهور نساء قائدات قويات يعزز مكانة المرأة في المجتمع وبذلك فهو يحسن اهتمام الآباء ببناتهم في المنازل.

يمكن لدراسة الحضور قرب نساء قائدات المساعدة في تقديم بعض الإجابات. فالقانون يفرض أن يخصص ثلث إجمالي المقاعد السياسية التي أنشأها التعديل للنساء، وذلك يشمل المنصب الأعلى لرئيس المقاطعة. علماً أن اختيار المقاطعات التي خصصت منصب رئيسها للنساء تم بطريقة عشوائية تماماً، وهو أمر مفيد من وجهة نظر البحث. ولكن المثير للدهشة هو أن تخصيص منصب رئيس المقاطعة لامرأة لم يؤثر على بقاء الفتيات المتقدمات في ترتيب الولادة على قيد الحياة في المناطق الريفية. وفي الحقيقة، يبدو أن هناك أهمية لوجود النساء القائدات في المستويات الأدنى، على مستوى المنطقة أو القرية، في تفسير النتائج التي ناقشناها أعلاه في المناطق الريفية الهندية. وهذا منطقي لأن قادة القرى يتعاملون بصورة مباشرة مع السكان المحليين بينما يشكل قادة المقاطعات رابطاً مع الهيئة الريفية على مستوى المنطقة فحسب.

إلا أنّ هناك اختلاف في أهمية رئاسة المقاطعة فيما يتعلق بالعائلات المدنية، وهناك أسباب تدعو للاعتقاد بأن رؤساء المقاطعات أكثر ظهوراً في المدن. فوفقاً للدراسة الاستقصائية الوطنية لصحة العائلة التي أجريت بين عامي 2005 و2006، تزداد نسبة قراءة الصحف في المدن، ويظهر السياسيون على مستوى المقاطعة في هذه الصحف دائماً، كما تكون مكاتبهم موجودة هناك غالباً. والمثير للاهتمام أن البيانات توضح أنّ المدن فقط هي التي شهدت زيادة في نسب بقاء الفتيات المتقدمات في ترتيب الولادة على قيد الحياة بعد ولادتهن أثناء فترة تولي امرأة لمنصب رئيس المقاطعة والتي تبلغ مدتها خمسة أعوام. ومنذ أنشأ التعديل الثالث والسبعين الهيئات المحلية بمستوياتها الثلاثة من أجل مراقبة تطوير الأرياف الهندية، لم تتأثر المدن بسياسات رؤساء المقاطعات، بينما كان ظهور المرأة في منصب رئاسة المقاطعة وحده يفسر النتائج في المدن الهندية.

إذن، يبدو أنه بإمكاننا تفسير الآثار الملحوظة في الهند، أريافها ومدنها، بالمستوى الأكثر ظهوراً لقيادة المرأة. أضف إلى ذلك عدم وجود أي دليل على تأثير السياسات التي تنفذها النساء في المناصب القيادية السياسية على النتائج. والمذهل في هذا الأمر أن مجرد الحضور حول النساء السياسيات كاف للتصدي لتفضيل الابن الذكر، وهو الموروث الراسخ عبر الأجيال الذي يبرر المعاملة السيئة التي تتعرض لها الإناث.

تتزايد أهمية النتائج التي تبين إمكانية ظهور نساء قائدات قويات في تحسين النسب المختلة بين الجنسين ضمن مجتمعات تفضل الذكور. وإذا لم يغير المجتمع نظرته للمرأة بصورة عامة، ستعاني الفتيات اللواتي لا يقتلن بعد الولادة من التمييز ومن المحتمل أن يتوفين بعمر صغير. وعلى نطاق أوسع، يبين هذا البحث أنه بإمكان السياسات التي تشدد على التكافؤ بين الجنسين في منطقة ما في الحكومة تحقيق آثار إيجابية كبيرة في المناطق الأخرى.

 

تنويه: يمكنكم مشاركة أي مقال من هارفارد بزنس ريفيو من خلال نشر رابط المقال أو الفيديو على أي من شبكات التواصل أو إعادة نشر تغريداتنا، لكن لا يمكن نسخ نص المقال نفسه ونشر النص في مكان آخر نظراً لأنه محمي بحقوق الملكية الدولية. إن نسخ نص المقال بدون إذن مسبق يعرض صاحبه للملاحقة القانونية دولياً.

ﺟﻣﯾﻊ اﻟﺣﻘوق ﻣﺣﻔوظﺔ ﻟﺷرﻛﺔ ھﺎرﻓﺎرد ﺑزﻧس ﺑﺑﻠﯾﺷﻧﻎ، ﺑوﺳطن، اﻟوﻻﯾﺎت اﻟﻣﺗﺣدة اﻷﻣﯾرﻛﯾﺔ - 2020

اترك تعليق

قم بـ تسجيل الدخول لتستطيع التعليق
avatar
  شارك  
التنبيه لـ
error: المحتوى محمي !!