تزخر الصحف الشعبية بمقالات تدعي أن المرأة تتنمر على غيرها من النساء وتنشر شائعات خبيثة عنهن وتتصرف بطرق منافقة تجاههنّ وتَسعى إلى تقويض مكانتهنّ المهنية. وتتمثل المشكلة في جميع هذه الادعاءات في أنها ليست صحيحة ببساطة. عند إجراء بحث من أجل كتابنا الذي يحمل عنوان "ليست المشكلة فيك، بل هي في مكان العمل" (It’s Not You, It’s The Workplace)، لم نتمكن من العثور على أدلة تجريبية تدعم الفكرة القائلة إن المرأة أكثر لؤماً أو عدائية أو غير جديرة بالثقة عند التعامل مع النساء الأخريات بالمقارنة مع أسلوب تعامل الرجال مع بعضهم. وفي الحقيقة، توصلت أفضل البحوث النفسية التي أُجريت مؤخراً إلى أن "نوع جنس الشخص يتمتع بتأثير ضئيل أو بتأثير لا يُذكر على الشخصية والإدراك والقيادة". لكن، إذا لم تتوافر أدلة تجريبية على أن المرأة عدائية بطبيعتها تجاه النساء الأخريات، فما سبب انتشار وجهة النظر هذه إلى هذا الحد؟

احصل على المجموعة الكاملة من أعداد هارفارد بزنس ريفيو مع خصم 20% وتوصيل مجاني

تكمن الإجابة برأينا في سوء فهم جوهري لأسباب إقامة المرأة علاقات عمل مشحونة أحياناً مع نساء أخريات. ولا يعود ذلك إلى تميزها ببعض الخصائص النفسية الأنثوية الفريدة، بل إلى التمييز في مكان العمل.

أماكن العمل الجندرية.

تكتسي أماكن العمل طابعاً جندرياً عندما يقودها الرجال ويهيمنون عليها وعندما تُدار وفقاً لمعايير وقيم وتوقعات ذكورية. وفي أماكن العمل هذه، قد يدفع تحيزان قويان – إذا كانا ضمنيين أو غير متعمدَين – النساء إلى إقامة علاقات عدائية وهما: الانحياز نتيجة الصلات والتحيز ضد المرأة.

الانحياز نتيجة الصلات هو التفضيل الطبيعي والفطري لدى الأشخاص لمخالطة الناس الذين يشبهونهم وتقديم الدعم لهم. وبسبب الانحياز نتيجة الصلات، ينظر المدراء الذكور عادة في مسألة إيلاء النساء مهاماً معززة لوظائفهن وتعيينهن في فِرق هامة أو إدراجهن في شبكاتهم فقط بعد النظر في الرجال الموجودين في المكتب الذين يشعرون معهم بمزيد من الراحة.

التحيز ضد المرأة هو الافتراض بأن الرجال متفوقون على النساء في مجال القيادة والمهام المليئة بالضغوطات والمفاوضات الصعبة. وبسبب التحيز ضد المرأة، تُعتبر النساء أقل كفاءة وطموحاً وتنافسية بالمقارنة مع الرجال. وغالباً ما يعمل الانحياز نتيجة الصلات والتحيز ضد المرأة جنباً إلى جنب لجعل علاقات النساء مع بعضهن بعضاً في مكان العمل صعبة لأنهما يحدان عدد الوظائف التي تشغلها النساء في المناصب القيادية ويجبران بالتالي الأشخاص الذين يتنافسون على هذه المناصب على الدخول في منافسة مباشرة مع بعضهم بعضاً. ويُشكل هذان الشكلان من أشكال التحيز أيضاً ضغطاً كبيراً وواضحاً حتى على النساء من أجل اعتماد أسلوب إدارة ذكوري قطعاً بغية التماهي مع الذكور داخل المجموعة وتحييد أنفسهن عن قريناتهن أو تمييز أنفسهن عنهن. من شأن هذه الديناميات أن تعزز العداء بين النساء، الأمر الذي غالباً ما يُعزى آنذاك بشكل خاطئ إلى طبيعتهن المتأصلة بدلاً من ظروف مكان العمل.

التوقعات في مكان العمل.

تتمسك النساء (والرجال) بصور نمطية جندرية بخصوص الطرق التي يُفترض أن تقوم عليها تصرفات النساء (والرجال). وتتوقع النساء من زملائهن النساء (وليس من الذكور) مثلاً إبداء الاهتمام بقضاياهن الشخصية وسعادتهن ودعم رغباتهن وأن يكنّ أكثر وعياً باحتياجاتهن الفريدة وأمانيهن والصعوبات التي تواجههن وإحساساً بها. بعبارة أخرى، تفترض النساء أن النساء الأخريات ستكنّ "أكثر تفهماً ورعاية وعطاء وتسامحاً بالمقارنة مع الرجال". وعندما لا يتحقق ذلك، يمكن أن تتفاعلن بطرق عدائية.

أما في المناصب الرفيعة والمسارات المهنية المتطلبة، تخضع النساء (والرجال) إلى ضغوط ليكونوا واضحين وحازمين وعمليين وألا يعاملوا الأشخاص بطريقة مختلفة بسبب النوع الجنسي. وبالتالي، تقع المسؤولات التنفيذيات بين مطرقة التوقعات المنتظرة من أماكن عملهن وسندان توقعات النساء الأخريات، وتُعتبرن باردات أو أنانيات أو عدائيات، بينما يُعتبر أن الرجال الذين يتصرفون بطريقة مماثلة تماماً يقومون بعملهم ببساطة.

ولا شك أن بعض النساء مزعجات بطبيعتهن وغير ودودات وعدائيات. لكن لا يوجد دليل على وجود نسبة من هؤلاء النساء تفوق نسبة الرجال الذين يتصرفون بطريقة مماثلة. وبالتأكيد، لا يوجد عدد كاف من "الفتيات اللئيمات" في مكان العمل لتبرير رسم صور مماثلة للنساء كافة.

النساء والرجال متماثلون.

كما أشرنا في بداية هذه المقالة، ثمة سبب آخر يدعونا إلى رفض هذه الصورة المشوهة للنساء باعتبارهن عدائيات بطبيعتهن تجاه النساء الأخريات وهو: الافتقار إلى أية فروقات غير بيولوجية كبيرة بين الجنسين. إن الاختلافات الموجودة طفيفة، مع وجود قدر أكبر من التنوع في المزاج والقدرة والسلوك بين النساء مقارنة مع التنوع الموجود بين النساء (عموماً) والرجال (عموماً).

وعندما يتصرف الرجال والنساء بشكل مختلف في مكان العمل، لا يُعزى ذلك إلى اختلاف الخصائص النفسية بل إلى الممارسات والإجراءات المتحيزة التي تؤدي إلى مواجهة المجموعتين لتجارب متفاوتة في مكان العمل. يختلف إحساس الرجال والنساء وسلوكهم وتفاعلهم في مكان العمل بسبب المهام التي يوكلون بتنفيذها والظروف المحيطة بهم عندما يُطلب منهم تأديتها والتوقعات المتعلقة بطريقة أدائهم.

ولا تمت الصور المشوهة التي تُرسم للنساء مصورة إياهن كمتنمرات أو غدارات معاديات بطبيعتهن لنساء أخريات بصلة إلى بنيتهن النفسية الفعلية وترتبط بشكل تام بالقوالب النمطية والتحيزات التي تواجههن في مكان العمل. فلنُصلح أماكن العمل تلك بدلاً من تعزيز الخصومات بين النساء بحيث لا تتضرر النساء بشكل منهجي أثناء سعيهن لإحراز تقدم مهني.

تنويه: يمكنكم مشاركة أي مقال من هارفارد بزنس ريفيو من خلال نشر رابط المقال أو الفيديو على أي من شبكات التواصل أو إعادة نشر تغريداتنا، لكن لا يمكن نسخ نص المقال نفسه ونشر النص في مكان آخر نظراً لأنه محمي بحقوق الملكية الدولية. إن نسخ نص المقال بدون إذن مسبق يعرض صاحبه للملاحقة القانونية دولياً.

ﺟﻣﯾﻊ اﻟﺣﻘوق ﻣﺣﻔوظﺔ ﻟﺷرﻛﺔ ھﺎرﻓﺎرد ﺑزﻧس ﺑﺑﻠﯾﺷﻧﻎ، ﺑوﺳطن، اﻟوﻻﯾﺎت اﻟﻣﺗﺣدة اﻷﻣﯾرﻛﯾﺔ - 2020

اترك تعليق

قم بـ تسجيل الدخول لتستطيع التعليق
avatar
  شارك  
التنبيه لـ
error: المحتوى محمي !!