تابعنا على لينكد إن

إنها الحادية عشرة ليلاً في أحد الأيام. فجأة تنتبه إلى أن هناك خطوة ضرورية يتعيّن على فريقك القيام بها لإنجاز المشروع الحالي الذي تعملون عليه. لذلك تسارع إلى كتابة رسالة إلكترونية إلى أعضاء فريقك مستغلاً فرصة أن الفكرة لا تزال ساخنة في رأسك.

“اطرق الحديد حامياً”، هذا ما يقوله المثل الشعبي، أليس كذلك؟

كلا. هذا الفعل خاطئ. فخلال تجربتي كمدرّبة متخصّصة في زيادة الإنتاجية من خلال التعامل بشكل أفضل مع التركيز والانتباه، لاحظت خلال العقد الماضي كيف أنّ الرسائل الإلكترونية المرسلة بعد ساعات الدوام الرسمي تسهم في تسريع ثقافة العمل في المؤسسات، وهذا بدوره يؤثر على الإبداع، والابتكار، والإنتاجية الحقيقية.

فإذا كنت واحداً من الناس المعتادين على هذه السلوكيات الشائعة، فإنّك بذلك من الأشخاص الذين تفوتهم فرصة المحافظة على مسافة معيّنة مع العمل، وهي مسافة في غاية الأهمية والضرورة لك كي تكوّن آراء جديدة ستكون محتاجاً إليها في موقعك القيادي. وعندما يعمل المدير، فإنّ أعضاء فريقه يشعرون بأنّهم هم أيضاً يجب أن يعملوا.

فكّر في الرسالة التي “ترغب” في إرسالها. فهل تريد من فريقك أن يردّ على رسالتك فوراً؟ أم أنّك تريد إرسال تلك الرسالة لمجرّد أن فكرتها قد خطرت لك الآن، وتريد الانتهاء من هذه المهمّة قبل أن تنساها؟ إذا كانت إجابتك عن السؤال الأول هي “نعم”، فإنّك بذلك تتعمّد أسر موظفيك وتقييدهم بالمكتب على مدار الساعة وعلى مدار أيام الأسبوع. إذا كانت إجابتك عن السؤال الثاني هي “نعم”، فإنكّ (ودون أن تتعمّد ذلك) تأسر موظفيك وتقيدهم بالمكتب على مدار الساعة وعلى مدار أيام الأسبوع. وهذا ليس بالأمر الجيد لك أو لموظفيك أو لثقافة العمل في شركتك. واتصالاك ببريدك الإلكتروني خارج ساعات الدوام الرسمي خلال الفترات المزدحمة بالعمل، يدلّ على أنّك شخص متفوّق في الأداء. ولكن عدم فصل الاتصال ببريدك الإلكتروني على الإطلاق، فهذه علامة على أنّك شخص مدمن على العمل. وهناك فرق بين الاثنين.

وبغضّ النظر عن نيّتك من إرسال رسائلك، فقد اكتشفت من خلال تجربتي مع مئات الشركات بأنّ هناك سببين لانتقال العادات المتعلقة بإرسال الرسائل الإلكترونية في أوقات متأخرة ليلاً من المدير إلى أفراد فريقه:
الطموح. فإذا أرسل المدير رسالة إلكترونية في ساعة متأخرة من الليل أو خلال عطلة نهاية الأسبوع، فإنّ معظم الموظفين سيعتقدون بأنّ الردّ على الرسالة في ذلك الوقت المتأخّر هو أمر مطلوب، أو بأنّ ردّهم الفوري سيجعلهم يتركون لديك انطباعاً رائعاً. وحتى لو كان لديك موظفان فقط يؤمنان بهذه الفكرة، فإنّ هذا الشعور يمكن أن ينتقل بالعدوى إلى بقيّة أعضاء الفريق بأكملهم. وكلّ ما يحتاجه الأمر ببساطة هو ذكر العبارة التالية في أحد الاجتماعات: “عندما كنا نرسل الرسالة الإلكترونية البارحة…”. ففي نهاية المطاف، كل الناس يبحثون عن الارتقاء في حياتهم المهنية.
الانتباه. هناك الكثير من الناس الذين لا ينوون “العمل” عندما لا يكونون في مكان العمل. لكنهم لا يجيدون تركيز انتباههم. فهم معتادون على إنجاز عدّة مهام في وقت واحد ومعتادون على التعرّض للتشتت الدائم، إلى حدّ أنهم وبغضّ النظر عن أي شيء آخر يفعلونه، يجدون أصابعهم، ودون انتباه منهم، تنقر على الأيقونات الموجودة على هواتفهم الذكية التي تربطهم ببريدهم الإلكتروني، وبرسائلهم النصية القصيرة، وبوسائل التواصل الاجتماعي. وبالتالي، فإن رسالتك التي تردهم في أواخر الليل تغذي تلك العادة السيئة لديهم.

لكنّ بقاء المرء في حالة “اتصال دائم” هو أمر يؤذي النتائج. فعندما يراقب الموظفون بريدهم الإلكتروني بصورة دائمة بعد ساعات الدوام الرسمي، سواء كان ذلك نابعاً من خوفهم من تفويت شيء هام يرد منك، أو لأنهم مدمنون على استعمال أجهزتهم، فإنهم بذلك يفوّتون وقتاً هامّاً يجب أن يكون مخصصاً للراحة ويحتاجه الدماغ حاجة ماسّة. فقد أظهرت التجارب العلمية بأننا نحتاج إلى وقت للراحة لا نفعل فيه شيئاً لكي نقدّم أفضل ما لدينا في العمل. فهذا الوقت الذي نقضيه بعيداً عن أي شيء يساعدنا في توليد أفكار وآراء وتصوّرات جديدة. لكنّ موظفيك لا يستطيعون النأي بأنفسهم عن رسائلك الإلكترونية الواردة بما أنّهم دائماً يحاولون تفقد أجهزتهم ليروا ما إذا كنت قد أرسلت إليهم رسالة أم لا. كما أنّ الإبداع، والإلهام، والدافعية هي ما يمنحك الميزة التنافسية مقارنة بغيرك، لكنّها موارد قابلة للنضوب وينبغي دائماً إعادة شحنها. وبالمناسبة، هذا الأمر ينطبق عليك أيضاً، لذلك من المفيد أن تجري مراجعة لعاداتك الشخصية في مجال التواصل.

إنّ قادة الشركات يمكن أن يسهموا في ترسيخ الافتراضات والعادات غير الصحّية المتعلقة بالبريد الإلكتروني وغير ذلك من أشكال التواصل الأخرى. لذلك كن واضحاً بخصوص توقعاتك المتعلقة بالبريد الإلكتروني وغير ذلك من أشكال التواصل الأخرى، وحاول أن تضع سياسات تعزّز وجود ثقافة سليمة تعترف بأهمية الانكباب على إنجاز مهمّة واحدة فقط وليس عدة مهام في الوقت ذاته، وتعترف كذلك بأهمية التركيز، وأخذ الوقت للراحة والاسترخاء الكامل. لقد قامت فيناميك، وهي عبارة عن شركة استشارية ناجحة في مجال الرعاية الصحية في فيلادلفيا، بوضع سياسة تثني الناس عن إرسال أي رسالة إلكترونية بين العاشرة ليلاً والسابعة صباحاً خلال أيام الأسبوع، وطوال اليوم خلال عطلة نهاية الأسبوع. لا تمنع هذه السياسة الناس من العمل خلال تلك الأوقات، كما أنّها لا تحظر على الناس التواصل فيما بينهم. فإذا ما استدعت الضرورة إرسال رسالة بعد ساعات الدوام، فإن الموظف مضطر إلى أن يجري تقويماً ليرى ما إذا كان الأمر هامّاً إلى درجة تستدعي إجراء اتصال هاتفي. وإذا اختار الموظفون العمل خارج أوقات الدوام، فإن سياسة الشركة تلك تثنيهم عن فرض عاداتهم على الآخرين وعن إرسال رسائل إلكترونية خلال ذلك الوقت؛ حيث أنّ بوسعهم وبكلّ بساطة حفظ الرسالة بعد أن يكتبوها في قائمة المسودات لكي يجري إرسالها يدوياً لاحقاً، أو بوسعهم تعيين الإعدادات في برنامج البريد الإلكتروني بحيث يجري إرسال واستلام الرسائل تلقائياً خلال ساعات الدوام الرسمي فقط. وتحاول هذه السياسة المواءمة بين وقت الراحة الذي يعرف الجميع مدى أهميته، وسلوكيات الموظفين التي تسهم في تحديد ثقافة المؤسسة.

تعالوا نجري أيضاً مراجعة دقيقة لآراء القادة بخصوص بيئة العمل التي تفترض أن يظل الموظف متصلاً مع بريده الإلكتروني بشكل دائم. فليس من السهل التغلب على الاعتقاد السائد بأنّ العمل الأكثر يعني نجاحاً أكبر (وهو اعتقاد يكون موجوداً في لاوعيٍ الموظفين على الأغلب)، لكنّ الحقيقة تظلّ بأنّ هذا الأمر غير مفيد وهو غير مستدام أيضاً. فساعات العمل الطويلة تؤدّي عملياً إلى حصول “تراجع” في الإنتاجية وفي التفاعل مع العمل. وغالباً ما كنتُ ألاحظ بأنّ القادة يؤمنون نظرياً بأهمية وجود وقت للراحة بعيداً عن أي عمل، لكنّهم يريدون في الوقت ذاته المضي إلى الأمام ودفع أهداف الشركة قدماً، وهم يعتقدون بأنّ ذلك يحتاج إلى حالة من التواصل الدائم.

إنّ البيئة المسعورة التي تفترض ردّ موظفيك على الرسائل الإلكترونية في جميع الأوقات هو أمر لا يجعل هؤلاء الموظفين أكثر إنتاجية، لأنّ ذلك لا يفعل شيئاً سوى أنّه يزيد من انشغالهم ومن درجة تشتت انتباههم. فأنت عندما تتّخذ قراراً بتعيين الموظفين، فإنّما تعيّنهم بناءً على معارفهم، وخبراتهم، ومواهبهم الفريدة، وليس بناءً على عدد المهام التي بوسعهم إنجازها في وقت واحد، أو استناداً إلى عدد الرسائل الإلكترونية التي يمكنهم الردّ عليها خلال اليوم الواحد.

لذلك يتعيّن عليك أن توجد بيئة مشجعة يمكن للموظفين فيها أن يستعملوا طاقاتهم الذهنية بطريقة ذات مفيدة:
حاول أن تتخلّص من عبارة “إدارة الوقت” وأن تستعمل بدلاً منها عبارة أنسب هي “إدارة الانتباه”، وحاول أن تجعل تدريب موظفيك على هذه المهارة الأساسية جزءاً من عملية تطويرهم.
تجنّب عمليات التواصل التي تحصل خارج أوقات الدوام الرسمي.
حاول أن تكون نموذجاً يُحتذى لموظفيك في الانتباه غير المشتت و”الحضور الذهني”، من خلال وضع كل أجهزتك جانباً عندما تتحدّث مع موظفيك، وناقشهم في هذا الأمر، وحاول أيضاً تفعيل سياسة “منع إدخال الأجهزة الإلكترونية” إلى غرف الاجتماعات من أجل الترويج لفكرة التركيز على مهمّة واحدة فقط وكذلك فكرة التفاعل الكامل مع المحيط.
غيّر بيئة العمل التي تفترض أن يكون المرء جاهزاً دائماً للرد على الرسائل الإلكترونية، لأنّ هذه البيئة تثبط الإبداع، وذلك من خلال التشديد على أهمية التركيز. ومن المستحسن تصميم المبنى بطريقة تسمح للناس بالعمل في طوابق مفتوحة على بعضها البعض، ولكن يجب في الوقت عينه موازنة ذلك الانفتاح بتوفير الكثير من المساحات الهادئة، وإتاحة المجال للناس كي ينجزوا جزءاً من المهام المطلوبة عن بعد، وخاصّة في حالة المهام والمشاريع التي تحتاج إلى تركيز كبير.

إنّ هذه السلوكيات سوف تسهم في تحسين جودة المخرجات والنتائج، سواء في عملك أنت شخصياً أو في عمل موظفيك، كما أنّها ستسهم في الترويج لثقافة عمل أكثر إنتاجية.

تنويه: إن نسخ المقال أو إعادة نشره بأي شكل وفي أي وسيلة دون الحصول على إذن مسبق يعتبر تعدياً على حقوق الملكية الدولية ويعرض صاحبه للملاحقة القانونية. جميع الحقوق محفوظة لشركة هارفارد بزنس ببليشينغ، بوسطن، الولايات المتحدة الأميركية – 2018.

هذه المقالة عن إدارة-

شاركنا رأيك وتجربتك

كن أول من يعلق!

التنبيه لـ

wpDiscuz