تابعنا على لينكد إن

لي نيومان

“إنها التاسعة صباحاً، وأنت جالس مقابل إحدى الزميلات التي لا تحبك أو لا تعجبها التغييرات التي تقترحها، وتدفع بكل ما يثير انفعالك وتقاوم الجهود التي تبذلها لإقناعها بدعم التغيير. فما هي ردة فعلك التلقائية في هذه الحالة؟” طرحت هذا السؤال مؤخراً على مجموعة من المدراء التنفيذيين.

أقر حوالي الثلثين أن سلوكهم التلقائي سيكون تنافسياً: فيردون على العدوانية ويجادلون حتى الفوز. أما الثلث الآخر فيفعلون عادةً العكس: يتراجعون، ويستردون قوتهم، ثم يحاولون مرة أخرى لاحقاً. لكن في كلتا الحالتين، كانت تلك هي ردة الفعل التلقائية- لا ردة فعل مبنية على قرار استراتيجي مدروس.

جميعنا لديه سلوكيات تلقائية، وعندما نكون منهمكين ونبذل قصارى جهدنا لتقديم أداءٍ جيد، فإن الطريقة التي نتعامل بها مع ردود الفعل التلقائية هذه يمكن أن تُشكّل الفرق بين النجاح والفشل. فهذه هي اللحظات التي تتحول إلى مهام ومشروعاتٍ أكبر من صنعنا. إنها اللحظات التي يكون فيها السلوك -أي ما نفكر به، وما نشعر به، وما نقوله، وما نفعله- هو المحرك الرئيسي للأداء.

في أحد الاجتماعات المهمة التي سبق وحضرتها، والتي جرت بعد أسابيع من العمل مع الفريق على فكرةٍ لأحد المنتجات، وجدت نفسي أتعامل مع ردة فعل سلبية لم تكن متوقعة، بعد عرض الفكرة على أحد الزملاء. وكان سلوكي التلقائي هو الدفاع والمقاومة عن طريق سرد الحقائق التي تدعم الفكرة. فأنا مدير أستند على الأدلة، وغالباً ما تنجح هذه الطريقة، بل تحقق نجاحاً جيداً. لكن لم يكن الحال كذلك هذه المرة. حيث أنني لم أشارك هذا الزميل في العملية، فكان منزعجاً رغم الحقائق التي قدمتها. ولسوء الحظ، كان سلوكي الافتراضي التلقائي جداً هو الذي يتحكم في الأمور. ولو أنني انتبهت أكثر إلى لهجته ولغة جسده، ولو استطعت أن أضع مسافة بين “ردة فعلي التلقائية” وهذا الوضع، لكنت استطعت أن أرى ما الذي يحدث بسهولة أكبر؛ لقد واجهت فشلاً في الانتباه وضبط النفس.

للسلوكيات التلقائية موقعها المناسب، فهي توفر الوقت والجهد. وعندما تواجه باستمرار نوعية الاجتماعات نفسها، مع الأشخاص نفسهم، من أجل الأهداف نفسها، فإن ما نجح معك في الماضي يمكن أن ينجح الآن أيضاً. فلم لا تتبنى هذه السلوكيات التلقائية؟ ألن تصبح حياتنا المهنية أفضل إذا استطعنا السماح للسلوكيات التلقائية المضبوطة جيداً أن تتولى دفة الأمور في العمل بالطريقة ذاتها التي نضع فيها عقولنا بوضعية “الطيار الآلي” أثناء قيادتنا إلى هناك؟
تكمن مشكلة هذه المقاربة في أن مكان العمل ديناميكي للغاية، ونادراً ما تتكرر المواقف. فالسلوك الإنساني متنوع وغير منتظم وغالباً لا يمكننا التنبؤ به.

ومن خلال تجربتي، عندما كنت أجادل بالحقائق مع زميلي الغاضب، ومثلما رأيت مراراً وتكراراً مع المدراء وطلاب الإدارة، فإن السلوكيات التلقائية خطيرة وغالباً ما تؤدي إلى أفعال ونتائج عقيمة.

نحن نعلم ذلك، إلا أن التغلب على سلوكياتنا الافتراضية صعب للغاية.

تخيل أنك قاضٍ، وتحاول اتخاذ قرارٍ ما إذا كان ينبغي منح المجرم المدان إخلاء سبيلٍ مشروط. ماذا سيكون رد فعلك التلقائي؟ يأمل المرء أن يتجاوز قاضي الإفراج سلوكه التلقائي وأن يفكر بعناية قبل كل إصدار للأحكام. وفي دراسة نشرت في المجلة المرموقة “وقائع الأكاديمية الوطنية للعلوم” وجد الباحثون أن مجموعة من قضاة الإفراج ذوي الخبرة الكبيرة يفكرون بعناية أكبر خصوصاً في بداية اليوم وبعد كل استراحة غداء، وفي المتوسط منحوا إخلاء السبيل المشروط لـ 65% من مرتكبي الجرائم. ولكن بينما تمر الجلسات القضائية ببطء، تنخفض أحكام منح إخلاء السبيل إلى نسبة 0% بصورة مذهلة قبل كل استراحة غداء.

تُبيّن مثل هذه الدراسات إلى أي مدى يحتاج تجنب سلوكياتنا التلقائية إلى ضبط النفس، وإلى أي درجة يختلف مستوى ضبط النفس لدينا على مدار اليوم اعتماداً على مجموعة من العوامل النفسية والفيزيولوجية مثل: كم نمنا جيداً، وكم مضى على تناولنا آخر وجبة طعام، وكم سعينا للسيطرة على أنفسنا بشكل جدي. وعلى نحوٍ يشابه في خطورته حالة قضاة الإفراج هؤلاء، فإننا غالباً لا ندرك هذه التقلبات في ضبط النفس عندما نشق طريقنا خلال يوم العمل. وعندما يتراجع ضبط النفس، تتراجع أيضاً قدرتنا على التقاط سلوكياتنا التلقائية والتغلب عليها. وأنفسنا التي تخطط بشكل دائم يمكن أن تفقد السيطرة، ما يتيح الطريق أمام السلوك الانفعالي لينطلق على الفور.

إذاً، ماذا يمكن أن تفعل كي تتجنب السلوكيات التلقائية غير الواعية، وتزود نفسك بالمرونة السلوكية في الأوقات الحاسمة الأكثر أهمية؟ إليك ثلاثة اقتراحات رأيتها تنجح بصورة جيدة:

تعرّف على سلوكياتك التلقائية: ضع قائمة تتضمن “اللحظات الحاسمة” المتكررة التي تشغل يوم عملك: الاجتماعات، والأحاديث، والمفاوضات، والصراعات، والمواقف الأخرى التي يكون فيها أداؤك السلوكي في غاية الأهمية. فهي عادةً ما تكون مواقف تفاعلية صعبة مع الأشخاص، حيث يمكن أن تقود سلوكياتك التلقائية ردود أفعالك، وما تقوله، وما تفعله. خذ هذه القائمة، وضع كل موقف من هذه المواقف في بالك، ثم حدد سلوكياتك التلقائية. وسوف تجدها، وعلى الأرجح ستكون سلوكيات آثمة مثل المقاطعة، والعدوانية أو السلبية، وتوضيح أن الأفكار هي ملك لك، والتدخل في التفاصيل الإدارية، والتسرع في إطلاق الأحكام السلبية على الآخرين.

ترقّب حالات تخطي السلوكيات الافتراضية وخطط لها: بمجرد أن تعرف سلوكياتك التلقائية، يصبح في وسعك أن تمنح نفسك سيطرة أكبر عن طريق الترقّب والتخطيط المسبق قبل أن تحدث اللحظات الحاسمة تلك. حيث تُبيّن الدراسات أنه إذا جهّزت السلوكيات وخططت لها مسبقاً وتدربت عليها في ذهنك، فإن احتمال نجاحك يزيد من 2 إلى 3 أضعاف في تنفيذ خططك. لذا، قبل الاجتماعات الصعبة التي تنعقد في آخر اليوم، إذا كان هدفك هو الإصغاء بانتباه، ولكن سلوكك التلقائي هو المقاطعة المتكررة، فتدرب على خطة من أجل الإصغاء الأفضل وسوف تكون فرصتك أكبر لتخطّي ردود فعلك التلقائية.

ضع خطة ليومك: بما أنّ القدرة على ضبط النفس تتغير على مدى اليوم وبمرور أيام العمل، فإنه من المنطقي أن تتعقّبها وحتى أن تخطط جدول أعمالك كي تتجاوزها. فلماذا ترتّب لمحادثات كثيرة النزاعات قبل موعد الغداء، أو في آخر اليوم، أو في نهاية أسبوعٍ متعب عندما يكون من المرجح أن قدرتك على ضبط النفس ستكون منخفضة؟ أما إذا أصبح اليوم السهل صعباً بصورة غير متوقعة، ففكر في إعادة ترتيب فترة بعد الظهيرة. ويمكن جداً أن تتجنب الزلل بإطلاق تعليقٍ ساخرٍ كنت تكتمه أو توجيه انتقادٍ غير مدروس تعلم أنه يستحق المزيد من التفكير.

إن الكثيرين جداً من المحترفين الذين يتمتعون بأداءٍ عالٍ في مجال عملهم يمرون عبر المواقف السلوكية في يومهم بوضعية “الطيار الآلي” وتتولى سلوكياتهم التلقائية القيادة. ومن خلال التعرف على سلوكياتك التلقائية والتدرّب على تخطيها، فإنك تستطيع تحقيق المزيد من السيطرة على يوم العمل وأن تقود نفسك والآخرين بطريقة منتجة على نحوٍ أكبر من لحظةٍ إلى لحظة.

لي نيومان هو عميد مدرسة العلوم الإنسانية والتكنولوجيا، ومدرّس علم السلوك والقيادة في جامعة إمبرسا ومدرسة الأعمال في معهد إمبريسا في مدريد. تابعوه على تويتر على الحساب [email protected]

تنويه: إن نسخ المقال أو إعادة نشره بأي شكل وفي أي وسيلة دون الحصول على إذن مسبق يعتبر تعدياً على حقوق الملكية الدولية ويعرض صاحبه للملاحقة القانونية. جميع الحقوق محفوظة لشركة هارفارد بزنس ببليشينغ، بوسطن، الولايات المتحدة الأميركية – 2018.

هذه المقالة عن قيادة

شاركنا رأيك وتجربتك

كن أول من يعلق!

التنبيه لـ

wpDiscuz