إدارة التغير المناخي: دروس من البحرية الأميركية 

20 دقيقة
إدارة التغير المناخي
استمع الى المقالة الآن هذه الخدمة تجريبية
Play Audio Pause Audio

تقف البحرية الأميركية في الخطوط الأمامية لمعركة مواجهة التغير المناخي، إذ تدير أصولاً تُقدر قيمتها بعشرات المليارات من الدولارات تنتشر في كافة محيطات العالم وقاراته، من سفن وغواصات وطائرات وقواعد بحرية وتقنيات تربط جميع الأشياء معاً، وقد استغرق تصميمها وبناؤها سنوات عديدة، وظلت في خدمة إدارة التغير المناخي لعقود من الزمن. وهذا يعني أن البحرية تحتاج إلى أن تدرك الآن أنواع المهام التي يمكن أن تُطالَب بأدائها خلال السنوات العشر أو العشرين أو الثلاثين المقبلة، وماهية الأصول والبنى التحتية التي ستحتاج إليها لتنفيذ تلك المهمات، وبعبارة أخرى، يتعين عليها التخطيط لما سيكون عليه العالم في ذلك الحين.

تتحسب وزارة الدفاع للتحديات التي تطرحه إدارة التغير المناخي، وبحسب ما جاء في أحدث تقارير مراجعة الدفاع الصادر عام 2014 (يُنشر التقرير كلّ أربع سنوات) فإن “الضغوط الناجمة عن إدارة التغير المناخي ستؤدي إلى ازدياد التنافس على الموارد، مع فرض أعباء إضافية على الاقتصادات والمجتمعات ومؤسسات الحكم في جميع أنحاء العالم، كما ستُضاعف هذه الآثار المخاطر التي ستؤدي إلى تفاقم الضغوط في الخارج، مثل الفقر والتدهور البيئي واضطراب الأوضاع السياسية والتوترات الاجتماعية، ويُمثل ذلك بيئة خصبة لزيادة النشاط الإرهابي وغيره من أشكال العنف”.

اقرأ أيضاً: الشباب يتولون زمام قضية التغيّر المناخي وعلى الشركات توخي الحذر

وقد أدرك القادة السياسيون من مختلف الأطياف، بمن في ذلك الرئيسان السابقان جورج دبليو بوش وباراك أوباما ووزير الدفاع الحالي جيمس ماتيس، التداعيات الأمنية للاحتباس الحراري، إلا أن البحرية، شأنها شأن العديد من المؤسسات الأخرى، لا تستطيع التعامل مع إدارة التغير المناخي بوصفها قضية حزبية.. وتدرك وزارة الدفاع أن عالم منتصف القرن الحالي الذي يخطط له قادة البحرية من المحتمل أن يكون أكثر دفئاً مما هو عليه اليوم، حيث سيرتفع مستوى سطح البحر وستظهر أنماط جديدة لهطول الأمطار، بالإضافة إلى تكرار العديد من الكوارث المناخية القاسية، ما يعرّض الكثير من المناطق للخطر ويزعزع الاستقرار على النطاقين المحلي والخارجي على حد سواء. وهذا يخلق مشكلتين تؤدي كلٌ منهما إلى تفاقم الأخرى، ويتعين على البحرية معالجتهما في الوقت ذاته.

تكمن المشكلة الأولى في احتمالية أن يؤدي التغير المناخي إلى زيادة الطلب على الخدمات العسكرية والإنسانية التي تقدمها البحرية، ولكن آثار تلك المشكلة لن تقتصر على توسيع النطاق الجغرافي لأعمال البحرية، بدءاً من المناطق المعرضة للجفاف التي ستعاني نزاعات متزايدة بشأن حقوق المياه وحتى المناطق الساحلية التي ستواجه موجات من الهجرة الجماعية إلى المناطق الشمالية، حيث سيؤدي ذوبان جليد البحار إلى ظهور ممرات جديدة، والتوسع في استخراج المعادن، وبالتالي ظهور احتمالات جديدة للصراع، كما أنها ستغير نمط ووتيرة الطلب على مختلف الخدمات البحرية.

وتتمثل المشكلة الثانية في احتمالية تأثير إدارة التغير المناخي في قدرة القوات البحرية على تقديم خدماتها، ونظراً لارتفاع مستوى سطح البحر واشتداد قسوة أنماط الطقس ستزداد مخاطر التلف الذي تتعرض له شبكة القواعد والموانئ المحلية والعالمية التي يُعتمد عليها في الحفاظ على جاهزية الأساطيل، ولذلك يجب على البحرية تعزيز قدرة بنيتها التحتية على التحمل، ومرونة سلاسل الإمداد التي توفر الطاقة والدعم المادي لقواعدها وأساطيلها.

كيفية إدارة التغير المناخي

إن إدارة التغير المناخي  ليس تحولاً مفاجئاً أو قفزة تحدث لمرة واحدة من حالة مناخية متوازنة إلى أخرى أكثر دفئاً بل هو نتاج عملية مستمرة متسارعة تستلزم التخطيط ليس لعالم جديد ذي ظروف مناخية ثابتة، بل لعالم ديناميكي يتغير باستمرار. حاول قادة البحرية التعامل مع هذه الحقيقة ومواجهتها رغم مقاومة بعض السياسيين والجدال الذي أثاروه بشأن حقيقة التغير المناخي. فهم على علم بأن اللجوء إلى أي سلوك بخلاف ذلك سيُضعف قدرة البحرية على تحقيق أهدافها الأساسية التي تقتضي “الحفاظ على القوات البحرية وتدريبها ومواصلة تجهيزها للقتال، وإكسابها القدرة على إحراز النصر في الحروب وردع العدوان والحفاظ على حرية البحار”.

تمتاز المؤسسات العسكرية بالخصوصية والتفرد، إذ إن “ناتجها” الأساسي هو القوة الفتاكة المدمرة التي يتم التحكم بها بطريقة ترغم الجميع على القيام بأمور لا يرغبونها، ولا توجد أية مؤسسة رسمية قادرة على القيام بأي شيء مماثل، وفرض سيطرتها من مكان بعيد. إلا إننا نجد هذا التقليد القديم الذي يلجأ إليه قادة الشركات، حيث يتعلمون من أقرانهم العسكريين بعض الأمور، مثل تحديد الأهداف الاستراتيجية، وتنسيق جهود الأفراد لتحقيق الأهداف الجماعية، وتحديد الأولويات وإدارة المقايضات، وإنشاء مؤسسات تتمتع بالمرونة في مواجهة التغيير، وقيادة الآخرين. وعلى صعيد إدارة التغير المناخي، يمكن لقادة الأعمال التعلم من المؤسسة العسكرية أيضاً.

اقرأ أيضاً: التغير المناخي سيطال قراراتنا بشأن أماكن البناء وأساليبه

وفي هذا المقال، سنلقي نظرة على نهج البحرية في التعامل مع إدارة التغير المناخي، وانعكاساته المحتملة على الأعمال التجارية،

وذلك من خلال نهجين:

تصنَّف الاستجابات للتغير المناخي عادةً على أنها إما موجَّهة للتخفيف من حدة التداعيات أو للتكيف مع المتغيرات. وتشير الاستجابة الموجَّهة للتخفيف من حدة التداعيات إلى الإجراءات التي تقلل انبعاثات الغازات الدفيئة المسببة للتغير المناخي، وتشمل الأمثلة الأولية لتلك الإجراءات استبدال التقنيات الحالية بأخرى أكثر كفاءة في استخدام الطاقة، والتحول إلى الطاقة المتجددة. وقد تتطلب جهود التخفيف استثمارات كبيرة من جانب الشركات أو المؤسسات الفردية، ولكنّ مزايا الحدّ من الأضرار الاقتصادية والاجتماعية المحتملة المرتبطة بموضوع إدارة التغير المناخي ستعود بالنفع على الجميع. وهكذا تُعدّ إجراءات التخفيف أحد أوجه المنفعة العامة التي تجذب استثمارات أقل، وذلك لأن العائدات من هذا الاستثمار يتقاسمها أيضاً غير المستثمرين.

أما التكيف فيشير إلى الإجراءات التي تجعل المؤسسة أكثر مرونة في مواجهة التغييرات المستمرة والمتوقّعة في المنظومة البيئية للأرض أو النظم الإيكولوجية. وتتضمن الأمثلة الشائعة نقل العمليات كثيفة الاستخدام للمياه من المناطق الأكثر عرضة للجفاف، وتحديد وتصميم المواقع والمباني الهندسية بصورة تجعلها قادرة على تجنب الفيضانات والكوارث المناخية القاسية أو تحملها أو التعافي منها بصورة أفضل. وتختلف إجراءات التكيف عن إجراءات التخفيف، حيث نجد أن المستثمرين في جهود التكيف هم المستفيدون الرئيسيون. وبالتالي، فإنها لا تواجه المشكلات ذاتها التي تواجهها جهود التخفيف، ولهذا السبب قد يفترض المرء أن الشركات والدول ستركز مواردها على التكيف، ولكنها لم تفعل ذلك حتى الآن.

يتعامل قادة البحرية مع تلك التغيرات المتسارعة وجهاً لوجه.

كان من الممكن قبل ثلاثين عاماً مضت النظر إلى جهود التخفيف والتكيف باعتبارهما بديلين يغني أحدهما عن الآخر: فلو وجّهنا جهودنا إلى التخفيف من حدة تلك التداعيات بصورة أكثر جدية منذ ذلك الحين لما اضطررنا الآن إلى توجيه الكثير من الاستثمارات لأجل جهود التكيف، أما الآن فقد فات أوان ذلك. ولا شك في أن التخفيف لا يزال بإمكانه تقليل حجم المشكلات المرتبطة بالتغير المناخي على مدار العقود المقبلة، فقد تتخذ الشركات قرار الاستثمار في جهود التخفيف بمفردها، وقد تطالبها الحكومات إما باتخاذ إجراءات معينة أو بفرض حوافز تستند إلى الأسعار، مثل الضرائب المفروضة على الكربون أو نُظم تحديد الانبعاثات وتداولها التي تدفع تلك الشركات إلى الحد من الانبعاثات (وهذا هو الخيار الأفضل لأنه أكثر فاعلية). ولكن هذه الجهود لا تلغي ببساطة الحاجة إلى تكيف واسع النطاق.

إجراءات التخفيف من التداعيات

دشنت البحرية العديد من المبادرات للتقليل من انبعاثات الغازات الدفيئة، فهي تعمل منذ عام 2009 – على سبيل المثال- على تحقيق أحد الأهداف التي وضعها راي مابوس، وزير البحرية آنذاك، للحصول على نصف طاقتها الإجمالية من مصادر بديلة للطاقة بحلول عام 2020. والهدف من ذلك ليس الانخراط في التخفيف لذاته بل تقليل تعرض البحرية للاضطرابات التي تلحق سلاسل الإمداد بالوقود الأحفوري التي تنشأ أو تتدفق عبر مناطق معادية، وحماية القوات البحرية بصورة أفضل من تقلبات الأسعار الناتجة عن عدم استقرار المناطق المنتجة للنفط.

اقرأ أيضاً: إلزام الشركات بكشف المخاطر المتصلة بالمناخ يعود بالفائدة على الجميع

كما تعمل البحرية أيضاً على تحسين كفاءة الوقود الذي تمد به سفنها وطائراتها ومركباتها الاستكشافية، ليس فقط لتقليل التكاليف أو تخفيف سرعة وقسوة التغير المناخي بل لإنقاذ الأرواح، فقد أسفر إمداد العمليات العسكرية بالنفط في أفغانستان عن سقوط ضحية واحدة مقابل كل 24 قافلة لإعادة تزويد الوقود، بينما تتطلب السفن والطائرات والمركبات الأكثر كفاءة استهلاكاً أقل للوقود، وهو ما يقلل من عدد مهمات إعادة الإمداد.

ونجد أن واحدة من أبرز علامات التقدم في البحرية هي مبادرة “الأسطول الأخضر الكبير” (Great Green Fleet)، وهو من الفئة المخصصة لحاملات الطائرات التي سافرت حول العالم في عام 2016، حيث استطاعت الطائرات وسفن الخدمة العمل بمزيج من الوقود الحيوي والنفط بنسبة 50/50. وعلى الرغم من أن البحرية كانت تشتري الوقود الحيوي في البداية بقيمة تزيد على أسعار الوقود الأحفوري التقليدي، فقد وقعت الآن عقوداً مع العديد من منتجي الوقود الحيوي بأسعار مساوية لأسعار الوقود الأحفوري.

وقد نجحت البحرية في الانتقال من مصدر طاقة إلى آخر عدة مرات على مدار تاريخها الطويل، حيث كانت سفنها تعمل أولاً بطاقة الرياح ثم بالفحم ثم بالنفط، وفي الآونة الأخيرة طورت البحرية غواصات وحاملات طائرات تعمل بالطاقة النووية. وبالنظر إلى هذا السياق التاريخي يبدو التحول الأخير أبسط هذه التحولات.

تعكف البحرية على تقليل اعتمادها على شبكات الكهرباء الرئيسية لتشغيل قواعدها على اليابسة، وتحاول التوسع في الاعتماد على مصادر الطاقة المتجددة المنتشرة، أي الأنظمة التي تولد طاقة نظيفة داخل الموقع في مكان استخدامها. وإلى جانب تقليل الاعتماد على الوقود الأحفوري وتخفيف انبعاثات الغازات الدفيئة، تعزز عملية انتقال الطاقة قدرة القواعد على مواجهة الهجمات الإلكترونية على الشبكات الكهربائية.

وعلى الرغم من تأثر هذه المبادرات بالمخاوف حيال الاستعداد التشغيلي والمرونة، فإنها تعمل أيضاً على تخفيف دور البحرية في تفاقم أزمة التغير المناخي من خلال تقليل الاعتماد على الوقود الأحفوري، ويمثل استخدام وزارة البحرية التي تضم سلاح البحرية ومشاة البحرية الأميركي للوقود الأحفوري 1% من إجمالي استخدام الوقود الأحفوري في أميركا، كما أنها وقّعت عقوداً طويلة الأجل للطاقة المتجددة لأكثر من 1.2 جيجاوات (GW) من إجمالي 2 جيجاوات تحتاجها قواعدها، وهو ما يتجاوز حاجتها لعام 2020. ويحفز هذا الالتزام بمصادر الطاقة البديلة استثمارات القطاع الخاص في تقنيات الطاقة المتجددة التي تسهم في خفض التكاليف، ليس فقط بالنسبة للبحرية بل لكافة المستهلكين، كما أنه يعمل كحاجز أمان لقطاع الوقود البديل ضد تقلبات الأسعار التي يمكن أن تستنفد ميزانياتها العمومية ورأسمالها البشري، كما تسعى البحرية للحصول على الطاقة النووية لتزويد أسطول الغواصات التابع لها، ونشهد الآن تقدماً ملموساً في هذا القطاع بعد أن كنا نشك في قابلية تطبيقه تجارياً.

ولا تقتصر جهود البحرية للتحول إلى الطاقة المتجددة على قواعدها فقط، فهي تعمل على تطوير تقنيات، مثل الأغطية الشمسية المرنة خفيفة الوزن التي يمكنها إعادة شحن البطاريات لفصل القوات المسلحة عن سلاسل الإمداد التي تحتاجها لشحن البطاريات، بالإضافة إلى تقليل الوزن في حقائب الظهر الخاصة بالقوات.

جهود التكيف

توجه البحرية معظم جهودها المتعلقة بالتغير المناخي إلى جهود التكيف بدلاً من جهود التخفيف. ومع تغير المناخ العالمي يجب على البحرية التعامل مع تزايد الطلب على خدماتها وضعف قدرتها على تقديم هذه الخدمات.

زيادة الطلب على خدمات البحرية

لنبدأ باحتمالية تزايد نشوب الصراعات الدولية أو انهيار الدول أو كليهما نتيجة التغير المناخي. حيث تتوقع البحرية أن يؤدي التغير المناخي إلى مزيد من حالات الجفاف طويلة الأمد، ما سيؤدي بدوره إلى زيادة احتمالات التدخلات العسكرية، ويُعدّ الجفاف أحد العوامل “المضاعفة للمخاطر” المتعلقة بالمناخ التي ستؤدي إلى تفاقم التوتر بين المجتمعات والدول، وتزيد من احتمال نشوب صراعات عنيفة، وهذه ليست مجرد مخاوف نظرية، فقد ارتبط العنف الشديد في سورية بانعدام الأمن الغذائي الناجم عن الجفاف والهجرة من المناطق الريفية إلى المناطق الحضرية، وأرسلت البحرية الأميركية سفناً حربية إلى البحر الأبيض المتوسط نتيجة لذلك. وفي هذا السياق من تصاعد حالة عدم الاستقرار، تتوقع البحرية أن يتم استدعاؤها بشكل متكرر وفي أماكن أكثر.

ومن المتوقع أن يؤدي تغير المناخ إلى زيادة الطلب على المساعدات الإنسانية والاستجابة للكوارث، حيث تُضطر البحرية إلى توزيع الغذاء والدواء بصورة سنوية تقريباً في أعقاب الكوارث، سواء على المستوى المحلي، كما كان الحال بعد إعصار كاترينا، أو في الخارج، كما في هايتي في عام 2016 بعد إعصار ماثيو. وتتوافر كل الأسباب التي تجعلنا نتوقع اتساع رقعة الزوابع والأعاصير الاستوائية وازدياد ضراوتها، وتصاعد وتيرة الكوارث وتزايد عنفها، واتساع نطاقها نتيجة الفيضانات الناجمة عنها، وبعدها يلجأ الجميع إلى البحرية للتعامل معها. وعلاوة على ذلك فإن زيادة حدة الجفاف ستحفز الهجرات الجماعية التي تعرض الأرواح للخطر. ومن المتوقع أن تتلقى البحرية الأميركية المزيد من نداءات الاستغاثة للمساعدة في مهمات الإنقاذ.

ومثلما يؤثر التغير المناخي في مجموعة الخدمات اللازمة لتلبية المطالب الناشئة، فإنه يؤثر في الجغرافيا والمساحات التي يجب تقديم هذه الخدمات فيها. ففي القطب الشمالي، على سبيل المثال، يؤدي تزايد معدلات ذوبان جليد البحار إلى زيادة فرص التجارة (عبر ممرات بحرية أقصر) والتوسع في استخراج المواد الخام (الجرف القاري الذي يمكن من خلاله استخراج المزيد من النفط والغاز)، وبالتالي المزيد من طلبات المساعدة وزيادة فرص الصراع في هذا الجزء من العالم.

ولا تمتلك البحرية حالياً جميع الأصول التي تحتاجها لتعمل بفاعلية في القطب الشمالي، ما يجعل التكيف ضرورة. فكاسحات الجليد، على سبيل المثال، عديمة الفائدة في كلٍّ من المياه الخالية من الجليد والمياه شديدة التجمد، حيث تعجز السفن عن السير، ولكن عندما تضعف الحزمة الجليدية ونقضي وقتاً أطول للانتقال بين هذه الأطراف المترامية يصبح وجودها أمراً في غاية الأهمية. وفي هذا السياق، صرّحت ليزا موركوفسكي، عضو مجلس الشيوخ عن ولاية ألاسكا، لمجلة “فورين بوليسي” قائلة: “لا أدري إلى متى يجب أن أنبّه إلى ضرورة وضع صناعة كاسحات الجليد كأولوية واعتبارها أحد الأصول الوطنية!”. وأشارت إلى سلوك خصوم الولايات المتحدة بتصريحها: “يمكن للجميع المراوغة بشأن ما لدينا مقابل ما تملكه روسيا ومقابل ما تبنيه الصين، وكل ما يمكنني قوله هو أننا لسنا في وضع جيد في هذا التحدي حتى هذه اللحظة”. وفي الواقع، لا تمتلك الولايات المتحدة سوى 5 كاسحات جليد قادرة على العمل في القطب الشمالي (يمتلك الجيش 3 كاسحات فقط، بينما تدير الشركات الخاصة اثنتين منها). فيما تمتلك روسيا 41 كاسحة، نصفها مملوك للحكومة، وهناك المزيد قيد الإنشاء.

ومثلما يؤثر المناخ في معدلات الطلب على خدمات البحرية فقد يؤثر أيضاً في الطريقة التي تخوض بها البحرية حروبها، ففي حال اندلاع نزاع في منطقة قاحلة قد تكون المياه العذبة المتاحة بمثابة رصيد استراتيجي يمكن لمقاتلي البحرية استخدامه لصالحهم. ووفقاً للعقيدة العسكرية الأميركية فإن هدف الحرب هو تدمير قدرة العدو على المقاومة، ويمكن تحقيق هذه الغاية من خلال قتل الأعداء أو أسرهم، وكذلك من خلال شل حركة العدو (ولهذا السبب تسعى الجيوش إلى حرمان أعدائها من الوصول إلى الوقود) أو الشلل النفسي (ولهذا، تظهر تكتيكات، مثل “الصدمة والرعب” بهدف تقويض القدرة النفسية على التحمل). فإذا تمكنت البحرية من بسط سيطرتها على مصادر المياه العذبة في إحدى الصحارى يمكنها بذلك تدمير قدرة العدو على المقاومة. والمقصود هنا أن التغير المناخي قد يخلق فرصاً رغم قسوة تلك الفرص.

وسيتعين على الشركات إجراء النوع نفسه من التحولات الاستراتيجية لاقتناص الفرص الجديدة والدفاع عن مراكزها الحالية في الأسواق من المنافسين القدامى والجدد. فعلى سبيل المثال قد ترى الشركة التي تنتج البذور للمزارعين فرصاً لتطوير أنواع جديدة من المحاصيل المقاومة للجفاف، وقد تجد أيضاً فرصاً لاستهداف زبائن جدد بين المزارعين في مناطق خطوط العرض العليا مع إطالة مواسم النمو واستمرارها. وفي الوقت ذاته سيحتاج الزبائن الحاليون إلى مزيد من الاهتمام الإداري والمالي، وليس الإقلال من ذلك لأنهم توصلوا إلى معرفة كيفية التعامل مع الآثار قصيرة الأجل للتغير المناخي، كما أن الشركات العملاقة العريقة مثل “مونسانتو” (Monsanto) والشركات الناشئة مثل “إنديغو أيه جي” (Indigo Ag) في بوسطن قد بدأت بالفعل الاستثمار في الحلول الزراعية التي ستكون مطلوبة من قبل المزارعين في عالم متغير المناخ، وهو نفسه ما تسعى إليه- أو ما ينبغي أن تسعى إليه – نظيراتها من الشركات في مجالات النقل والعقارات والتأمين والتمويل.

ضعف القدرات

يزيد التغير المناخي المشكلات تعقيداً، فيعيق قدرات البحرية على تقديم خدماتها، ووفقاً لخارطة طريق التكيف التي وضعتها وزارة الدفاع للتعامل مع التغير المناخي، سيؤثر هذا التغير على البنية التحتية الطبيعية والصناعية للجيش وعلى سلسلة الاستحواذ والإمداد الخاصة به بصورة هائلة. ويمكننا على سبيل المثال توقع اتساع رقعة الفيضانات في المنشآت البحرية بجزيرة نورفولك، والفيضانات المفاجئة والانهيارات الطينية في هاواي التي يقع فيها مقر أسطول المحيط الهادي التابع للبحرية، واشتداد حدة الجفاف في كاليفورنيا التي تمتلك فيها البحرية أصولاً تقدر قيمتها بأكثر من 40 مليار دولار. وفي ألاسكا ستكون البحرية مضطرة إلى إعادة بناء ونقل الطرق والمباني والمطارات مع ذوبان طبقات الجليد، وقد تضطر في النهاية إلى نقل بعض قواعدها. ومن المحتمل أيضاً أن تتأثر القواعد الدولية بشدة جراء العواصف العاتية وارتفاع مستوى سطح البحر، بما في ذلك قاعدة يوكوسوكا في خليج طوكيو التي يقع فيها مقر الأسطول السابع، ومنشآت دييغو غارسيا الواقعة في إحدى الجزر المرجانية المنخفضة في المحيط الهندي التي تُمثل مركزاً مهماً للخدمات اللوجستية للعمليات في الشرق الأوسط والبحر المتوسط وجنوب أوروبا.

خارطة طريق وزارة الدفاع الأميركية للتكيف مع التغير المناخي

درست وزارة الدفاع الأميركية الآثار المحتملة الناجمة عن التغير المناخي على بنيتها التحتية وسلاسل الإمداد لتقييم مدى مرونتها في مواجهة التغير المناخي. ويمكن للشركات استخدام هذه القائمة المقتبسة كدليل إرشادي لدراسة الآثار المحتملة للتغير المناخي على عملياتها.

ملخص الآثار المحتملة:

  • البنية التحتية الطبيعية والصناعية.
  • تفاقم الأضرار الناجمة عن اتساع رقعة المساحات الغارقة وتآكل اليابسة والفيضانات.
  • تغير الطلب على وسائل تدفئة المباني وتبريدها، ما يؤثر على كثافة استخدام مصادر الطاقة وتكاليف التشغيل.
  • الاختلال والانقطاعات في مصادر الطاقة الموثوقة وإمدادات المياه العذبة، والتنافس الشديد عليها.
  • الأضرار الناجمة عن ذوبان الأراضي دائمة التجمد وجليد البحار في ألاسكا ومنطقة القطب الشمالي.
  • زيادة تحديات النظم الإيكولوجية، والأراضي الرطبة، والأنواع والفصائل المهددة بالانقراض، وإدارة التحديات المتعلقة بالأنواع الدخيلة التي تجتاح الحياة البرية وتهدد التنوع الحيوي.
  • زيادة متطلبات الصيانة للممرات والطرق لتظل قابلة للتشغيل خلال الأيام شديدة الحرارة.
  • تغير توزع نواقل الأمراض، ما يزيد من تعقيد وتكلفة الجهود المستمرة لمكافحة الأمراض.

الاستحواذ وسلاسل الإمداد

  • تغير المعايير التشغيلية للأسلحة والمعدات الحالية التي يجري التخطيط لها، ما يؤدي إلى زيادة متطلبات الصيانة والحاجة إلى المعدات الجديدة.
  • عدم توافر المواد والموارد والبنى التحتية الصناعية اللازمة لتصنيع أنظمة التسليح والإمدادات الخاصة بوزارة الدفاع، وعدم إتاحة الوصول إليها.
  • توقف شحن أو تسليم أو تخزين المواد أو المعدات واللوازم المصنَّعة.
  • تعديلات في أنشطة التخزين والمخزون الاحتياطي.
  • انخفاض مناسيب توافر مصادر المياه والغذاء أو تغيرها بما يؤثر على إمكانية وصولها إلى مسؤولي تقديم المساعدات.
المصدر: وزارة الدفاع الأميركية 2014، خارطة طريق التكيف مع التغير المناخي.

ثمة خطر كبير يتهدد البنية التحتية الساحلية للبحرية وسلاسل الإمداد المسؤولة عن توفير الطاقة والمواد إلى قواعدها وأسطولها، وجميعها ضرورية للاستعداد لأي مهمة، علماً بأن معظم الأصول البرية للبحرية، كأحواض بناء السفن والقواعد وغيرها من المنشآت ترسو على سواحل البحار. وتبلغ تكلفة استبدال مبانيها ومنشآتها البالغ عددها 111,000 قاعدة ومنشأة- والواقعة على مساحة 2.2 مليون فدان حول العالم- حوالي 220 مليار دولار.

وقد صُممت هذه الأصول وأنشِئت لتكون قادرة على مقاومة أعلى مستويات أسطح البحار المعتادة ومواجهة أعتى العواصف المعروفة على مر التاريخ، إلا أن مستويات أسطح البحار ارتفعت بمقدار نصف قدم تقريباً في المتوسط على مدار القرن العشرين، وهو أعلى معدل مُسجل منذ 800 عام قبل الميلاد على الأقل. ويعزى هذا الارتفاع بصورة أساسية إلى التمدد الحراري (فالمياه الدافئة تأخذ مساحة أكبر)، ولكن يُتوقَّع أن يتأثر التغير في مستويات أسطح البحار في المستقبل بذوبان الصفائح الجليدية في غرينلاند والقارة القطبية الجنوبية. ويُعد ارتفاع مستوى سطح البحر والعواصف العاتية المصاحبة له أكبر تهديدين للبنية التحتية الساحلية للبحرية، وذلك وفقاً لتصريحات مسؤولي البحرية، فالفيضانات لا تؤدي فقط إلى إغراق الطرق وتدمير المباني، ولكنها تهدد أيضاً السفن التي تجرى لها عمليات الإصلاح في الأحواض الجافة وتعرضها للخطر. (أظهر تقرير مستقل صادر عن مؤسسة “يونيون أوف كونسرند ساينتستس” (Union of Concerned Scientists) أن ارتفاع مستوى سطح البحر بمقدار ثلاثة أقدام سيشكل خطراً كبيراً يُهدد 55 منشأة بحرية في الولايات المتحدة بقيمة 100 مليار دولار).

إدارة التغير المناخي في أميركا
محطة نورفولك البحرية في بورتسموث – فيرجينيا، وهي أكبر قاعدة بحرية في العالم.

ويخفي متوسط معدل ارتفاع مستوى سطح البحر تبايناً كبيراً بين مختلف المناطق، ففي يوم احتفال البحرية بالذكرى المئوية لبناء قاعدتها الضخمة في نورفولك، سيكون منسوب مياه البحر قد ارتفع بمقدار قدم ونصف عن المستوى الذي كان عليه وقت إنشاء القاعدة إبان الحرب العالمية الأولى. ونظراً لأن الجزء الأكبر من القاعدة يرسو على ارتفاع أقل من 3 أقدام فوق مستوى سطح البحر، فسوف يزداد تعرضها للأمطار الغزيرة، وسيرتفع مستوى المد والجزر عن المعتاد، وسيغمر الماء بعض أرصفتها وتغرق الأسلاك الكهربائية وأنابيب البخار الممدودة أسفلها. وفي الوقت الحالي تغمر المياه رصيف القاعدة مرة شهرياً على الأقل، وهو ما يعوق جداول التدريب والصيانة، ويعوق بالتالي جاهزية الأسطول. ويرتفع مستوى سطح البحر عند قاعدة نورفولك بمعدل بوصة كل 6 أعوام، أي أكثر من ضعف متوسط المعدل العالمي. ومن المتوقع أن تزداد معدلات المد والجزر في نورفولك عن المعدل الحالي البالغ 9 مرات سنوياً ليصبح 280 مرة سنوياً بحلول عام 2050، وقد تتعرض المناطق المنخفضة للغمر بالمياه خلال زمن أقل يعادل 10% من الزمن الذي يُفترَض أن يتم فيه الغمر. ويتوقع مهندسو البحرية أن يرتفع مستوى سطح البحر في نورفولك من قدمين إلى أربعة أقدام على مدى الأعوام الثمانين المقبلة، وخلال هذه المدة قد يتعرض ما يصل إلى 20% من أراضي القاعدة للفيضانات اليومية ويصبح جزءاً أساسياً من منطقة المد والجزر.

يجب على قوات البحرية إيجاد وسائل لحماية قواعدها، سواء من خلال الاستثمار لمنع الأضرار الناجمة عن ارتفاع منسوب مياه البحار والعواصف العاتية (رفع البنية التحتية وإنشاء جدران أقوى وأعلى لصد الفيضانات) وتعزيز قدرتها على التعافي سريعاً عند وقوع أضرار. وتطلب البحرية الآن من مسؤولي التخطيط تقديم مبررات إضافية عندما يكون من المقرر أن يقع المبنى الجديد أعلى بمترين من الارتفاع المتوقّع لمستوى سطح البحر. ويجب أن تتضمن المباني الجديدة مصدات للفيضانات وأنظمة دعم لتحمل ارتفاع مستوى سطح البحر والعواصف العاتية. وفي بعض الحالات تعقد البحرية شراكة مع المؤسسات غير الحكومية لتحديد سبل زيادة مرونة قواعدها. ولتقييم مدى المخاطر المتوقع أن تلحق بقاعدتها البحرية في مقاطعة فينتورا، كاليفورنيا على سبيل المثال، عقدت البحرية شراكة مع “منظمة حفظ الطبيعة” (The Nature Conservancy) التي طورت نماذج وأدوات لرسم خرائط لتقييم مدى قدرة صمود المجتمعات الساحلية للولايات المتحدة في مواجهة ارتفاع المد والجزر والعواصف العاتية.

إعصار إيزابيل
سفينة الهجوم البرمائية “يو إس إس-كيرسارج” (USS Kearsarge) في حوض بناء السفن في نورفولك خلال إعصار إيزابيل الذي تسبب في تكبد القواعد البحرية في منطقة وسط المحيط الأطلسي خسائر تقدر بحوالي 130 مليون دولار.

وفي ظل جهود التخطيط طويل الأجل تتخذ البحرية خطوات لتعزيز بنيتها التحتية الحالية، مثل استبدال أرصفة قاعدة نورفولك، ووضع أخرى توفر الطاقة والحرارة للسفن البحرية عندما لا تكون مغمورة بالماء بصفة دورية، بتكلفة تزيد على 100 مليون دولار لكل منها. وقد صممت الأرصفة الجديدة وفقاً للارتفاع الجديد لمستوى سطح البحر، وبتصميم مكان للمعدات الكهربائية والمائية والبخارية على طابق ثانٍ ممتد فوق الأرصفة وليس تحتها.

ورغم هذه الجهود المبذولة لا تزال التهديدات الناجمة عن التغير المناخي تُشكل خطورة كبيرة ستدفع البحرية في نهاية المطاف إلى تحديد القواعد التي يجب حمايتها وتلك التي يجب التخلي عنها، فالبحرية تفضل الحلول الهندسية التي تحافظ على الأصول في مكانها، إلا أن ذلك قد لا يكون الحل الأمثل بانقضاء القرن الحالي.

الإجراءات الاحترازية مقابل الرهانات

تبدو بعض الإجراءات التي تتخذها البحرية لمواجهة التغير المناخي أمراً منطقياً، حتى وإن لم يؤدّ تغير المناخ إلى تغير العالم بالقدر أو بالسرعة ذاتها التي يتوقعها العلماء، فهي تمثل استثمارات “تحقق النفع لكل الأطراف” أو استثمارات “احترازية”، فتركيب مولدات الطاقة الاحتياطية، على سبيل المثال، في مواقع مرتفعة في القواعد البحرية يؤدي إلى زيادة المرونة التشغيلية من خلال حمايتها من العواصف وارتفاع مستوى سطح البحر، كما تعزز المولدات جاهزية الأسطول بحمايتها للقواعد ضد المخاطر الأخرى، مثل الهجمات الإلكترونية على الشبكات الكهربائية.

وبالمثل فإن الاستثمارات في السفن والطائرات الأكثر كفاءة في استهلاك الوقود لا تخفف من إسهام البحرية في التغير المناخي فحسب، بل تزيد أيضاً من مرونة سلاسل الإمداد الخاصة بها، وتمكن القوات من القتال بشكل أفضل عند الحاجة إلى ذلك، وبمقدور هذه الاستثمارات تغطية تكلفتها من خلال توفير تكاليف التشغيل بعيداً عن التغير المناخي. فالاستراتيجية المتبعة تقتضي عدم الندم على أي خيار، حيث إنها توفر عائداً سواء وافق التغير المناخي التوقعات أم لا.

ولكنّ العديد من الإجراءات الأخرى التي يتعين على البحرية اتخاذها لمواجهة التغير المناخي لا تتسم بالخاصية ذاتها، فنقل القواعد البحرية لحمايتها من الآثار المتوقعة للتغير المناخي يستلزم استثمارات بمليارات الدولارات، ولن تعود هذه الاستثمارات بفائدة تُذكر في حال عدم ارتفاع منسوب البحار وعدم تفاقم العواصف الساحلية. وبالمثل سيكون افتتاح قواعد جديدة في القطب الشمالي أمراً منطقياً فقط إذا صح تنبؤ العلماء بشأن زيادة إمكانية التنقل في المحيط المتجمد الشمالي. وبالنظر إلى الوقت الطويل الذي يستغرقه بناء سفن وقواعد جديدة، نعلم أن البحرية لا يمكنها الانتظار لمعرفة نتائج تلك التنبؤات قبل تنفيذ الاستثمارات، ولا يمكن الإحاطة بكافة المخاطر، لذلك تتبع البحرية “استراتيجية الرهانات” التي تسترشد بأفضل التنبؤات العلمية الممكنة. وعلى الرغم من أن الاستثمارات لن تحقق نفعاً إلا في حال صدقت التوقعات، فإنّ وقوف البحرية مكتوفة الأيدي وعدم قيامها بأي شيء قد يكون كارثياً. وصنع الرهانات المستنيرة بشأن التغير المناخي ليس بالأمر الغريب بالنسبة للبحرية، إذ يشير ديفيد تيتلي، العميد البحري (متقاعد) إلى ذلك بقوله: “عادة ما يكون التخطيط لأمر لا يحدث أفضل من وقوعه المفاجئ”.

النهج الاستراتيجي للتعامل مع التغير المناخي

تميل الشركات إلى تركيز جهودها المتعلقة بالتعامل مع التغير المناخي باتجاه الجانب الذي يحقق النفع للطرفين، حيث تقوم باستثمارات (صغيرة في معظمها) تقلل من الانبعاثات، وتغطي تكلفتها، وتُظهِر الشركة مسؤولة تجاه المجتمع. وتنفّذ البحرية الأميركية مبادرات في جميع الجوانب مدركة أن اختيار جانب واحد فقط والتركيز عليه أمر مرفوض في كثير من الأحيان.

إجراءات التخفيف من التداعيات الاستثمارات

التي تقلل من وتيرة وحِدّة التغير المناخي.

جهود التكيف.

الاستثمارات التي تقلل من تداعيات التغير المناخي على المؤسسة.

الإجراءات الاحترازية

تحقق فوائد للمؤسسة حتى وإن جاءت آثار التغير المناخي أقل حدة مما كان متوقعاً بسبب الانتباه إلى أهمية إدارة التغير المناخي بالنسبة لها.

تحقيق النفع للطرفين

تطوير أغطية شمسية يسهل حملها لإعادة شحن بطاريات المعدات المحمولة (يخفف أحمال القوات ويقلل الاعتماد على إعادة الإمدادات). زيادة كفاءة وقود السفن والطائرات والمركبات (يوسع مداها ويقلل من حاجتها إلى التزود بالوقود).

الإجراءات الاحترازية المربحة

تركيب أنظمة إنذار مبكر للعواصف (مهمة الآن، وستكون أكثر أهمية إذا اتسعت رقعة العواصف أو ازدادت حدتها). تركيب مولدات احتياطية على ارتفاعات أعلى (يزيد من المرونة في حال تعطل شبكات الطاقة).

الرهانات

غير ذات قيمة إلا في حال كانت آثار التغير المناخي على القدر المتوقع من الضراوة، ويمكن اعتبارها رهانات مبددة للموارد إذا وقع خلاف ذلك.

الإيثار المكلف

تركيب حقول الطاقة الشمسية على القواعد البحرية (الرهان على قوانين جديدة من شأنها زيادة تكاليف الوقود الأحفوري).

الاستثمار الاستراتيجي من أجل إدارة التغير المناخي

رفع المباني والمنشآت (الرهان على ارتفاع مستوى سطح البحر وزيادة العواصف العاتية).

بناء قواعد بحرية في ألاسكا (الرهان على ذوبان الجليد في القطب الشمالي).

وفي الواقع، فإنّ استراتيجيات الرهانات تمثل خياراً أساسياً لأي قائد، وفي المواقف القتالية يتعين على قادة البحرية مثل قادة فرق زوارق الدوريات البحرية وقادة فرق قوات العمليات الخاصة للبحرية الأميركية (SEAL) اتخاذ قرارات بشكل يومي قد يؤدي بعضها إلى نتائج مؤسفة، وهو ما أعرب عنه أحد ضباط قوات العمليات الخاصة للبحرية الأميركية المتقاعدين قائلاً: “إننا نتخذ القرارات ثم نتعايش مع العواقب”.

ومع ذلك فإن رجال الأعمال يحبون التحدث عن التكتيكات التي لا تنطوي على أي ندم، وخصوصاً في ميدان التغير المناخي، مثل القيام باستثمارات ذات صلة بالمناخ في سلاسل الإمداد التي ستغطي تكلفتها حتى إذا لم يتغير المناخ. قد تبدو هذه التكتيكات سهلة وغير مثيرة للجدل، ولكن يظل اتباع استراتيجيات احترازية حصرية مرهوناً بعدم وضع الرهانات في الاعتبار، فمسار العمل محفوف بالمخاطر وقد يكون كارثياً.

وتستجيب بعض المؤسسات للحاجة إلى وضع رهانات. على سبيل المثال: تقوم شركة “ستاربكس” بتطوير مصانع القهوة واختبار ممارسات زراعة البن لجعل المحاصيل أكثر مقاومة للآفات والأمراض الجديدة، مثل صدأ الأوراق الذي ينتشر مع ارتفاع درجات الحرارة. وأدت النتائج المبكرة لتلك الرهانات في إنتاج محاصيل أكثر مقاومة، ولكنها أقل مردوداً وأبطأ نمواً. وهذه الاستراتيجية لن تكون لها نتائج إيجابية إلا إذا استمر ارتفاع درجات الحرارة في مناطق زراعة البن التي تعاني بالفعل من انخفاض المحاصيل مثلما توقع العلماء، وأن يكون الأمر ليس مجرد حالة عارضة قصيرة المدى. وبالمثل تدرس بوسطن ومدن أخرى استثمار مليارات الدولارات في إنشاء مصدات بحرية ضخمة لمواجهة ارتفاع مستوى سطح البحر والعواصف المدمرة المتزايدة التي يتوقعها العلماء في العقود المقبلة، فمثل هذه الاستثمارات لن تُعتبَر حكيمة إلا بتحقق مظاهر التغير المناخي المتوقعة.

العلم والسياسة

يجادل بعض الساسة بقولهم إن على البحرية الأميركية التقليل من شأن التخطيط للتغير المناخي من أجل التركيز على التهديدات الأمنية المعتادة. وقد لجأ بعضهم بالفعل إلى تقديم اقتراحات بتشريعات لمنع البحرية وغيرها من أفرع القوات المسلحة من التخطيط حتى لمواجهة التغير المناخي.

وهذه مشكلة معتادة، ففي كلّ مؤسسة يوجد أصحاب مصلحة يعارضون بعض أفعالها ويريدون تقويض بعض أنشطتها، وفي مجال الأعمال تتمثل الاستجابة الشائعة ببساطة في إعادة تسمية النشاط المثير للجدل لجعله أقل عرضة لاعتراضات الرافضين.

ويظل النهج الأفضل هو معالجة تغير المناخ بصورة مباشرة والانتباه إلى موضوع إدارة التغير المناخي بشكل أكبر، وذلك باستخدام الأدلة العلمية لتبرير تلك الاستثمارات. ولا تبذل البحرية أي محاولة لإخفاء تخطيطها المتعلق بالمناخ والتحضير له أو إخفاء جهودها بخطابات ناعمة. وفي هذا السياق، يصرح فرانك “سكيب” بومان، ضابط البحرية الأميركية (المتقاعد)، قائلاً: “يجب أخذ الأحداث ذات العواقب المدمرة بعين الاعتبار، حتى وإن كانت أقل احتمالاً، ولا بد من تطوير خطط التخفيف والتكيف وتطبيقها، فإننا ندير أسطول غواصاتنا النووية بهذا الشكل. وهذا ما يجب فعله مع التغير المناخي”.

ثمة درس هنا أيضاً لأصحاب المصلحة أيضاً، فقد تبدو بعض الخطط والاستثمارات غير حكيمة لأن الحالات الطارئة المعنية تبدو مستبعدة، إلا أن التقيد بالصلاحيات الإدارية لإحدى المؤسسات قد يكون مكلفاً، خاصة بالنسبة للجهات العسكرية وأقرانها المدنية العاملة في مجال الأمن وخدمات الاستجابة لحالات الطوارئ وشركات التأمين وغيرها من خدمات إدارة المخاطر التي يتمثل هدفها الكامل في الاستعداد لمواجهة الاحتمالات المنخفضة ومواجهتها، ولكنها تكون في حال وقوعها أحداثاً مكلفة. وبغض النظر عن مدى معارضة السياسيين لعلم المناخ، فليس بإمكانهم تحمل مسؤولية حظر جمع وتحليل المعلومات العسكرية المتعلقة بالمناخ أو استعدادها لإدارة المخاطر الطارئة.

والمغزى هنا أن شركات إنتاج القهوة التي لا تستثمر في الأبحاث النباتية ولا تهتم لموضوع إدارة التغير المناخي بشكل صحيح، والمدن الساحلية التي لا تبني مصدات بحرية تصنع رهانات هي أيضاً. فهي تراهن على عدم خطورة التغير المناخي وعلى ظهور بعض الحلول. وإذا كنت تعتقد أن جميع أنشطة شركتك المتعلقة بالمناخ تندرج ضمن فئات “الإجراءات الاحترازية”، فإنك شبه متأكد من أنك تبذل رهانات ضمنية تطمئنك بأن التغير المناخي لن يؤثر على نشاطك التجاري. ولا بأس في المخاطرة، ولكن يجب عليك القيام بذلك بوعي.

خاتمة

يواجه القادة تحديات هائلة لمواجهة التغير المناخي. وبالنسبة للبحرية يفرض الأمر صعوبات جديدة من أجل تحقيق أهداف مهماتها الحالية، حتى مع اتساع نطاق المهمات التي ستُطالب القوات بأدائها. ولحسن الحظ تمتلك البحرية عدة أساليب تمكنها من قيادة البشرية بأداء متميز في ظل أصعب الظروف، مستفيدة من تقاليدها ورؤاها الثاقبة المتراكمة على مدى قرون من الزمان.

وبالنسبة إلى قطاع الأعمال فقد حان وقت تجاوز الجهود الاحترازية، بغض النظر عن مدى رضا الزبائن أو الموظفين وغيرهم من أصحاب المصلحة، حيث يحتاج القادة إلى اتباع القائمة المرجعية الضمنية للبحرية لضمان قدرة مؤسساتهم على خوض المعارك التي ستواجهها في العقود المقبلة، ويجب عليهم دراسة مرونة عملياتهم وسلاسل الإمداد في ضوء ارتفاع درجات الحرارة، وارتفاع مستويات سطح البحر، وتغير أنماط الهطول التي تؤدي إلى هطول أمطار غزيرة وموجات جفاف وظواهر جوية متكررة وقاسية، وهي مظاهر إدارة التغير المناخي التي تخطط وزارة الدفاع للتصدي لها. كما أنهم بحاجة إلى التفكير في أنواع المنتجات والخدمات التي ستتغير قيمتها ارتفاعاً أو انخفاضاً في عالم متغير المناخ. ويحتاج هؤلاء القادة إلى تحديد النطاق الجغرافي الجديد الذي يمكنهم أو يجب عليهم أن ينشطوا فيه. كما يحتاجون إلى تصميم وتشغيل أنظمة المعلومات والتحكم التي ستتيح لهم دمج المتطلبات الجديدة والقديمة معاً. ويتعين عليهم أيضاً فهم المتطلبات التي تفرضها إدارة التغير المناخي فيما يخص قدرتهم على قيادة جميع أفراد مؤسساتهم من رجال ونساء.

وفي نهاية الحديث عن إدارة التغير المناخي بشكل صحيح، تُمثل البحرية صورة مصغرة للمجتمع بأكمله، وعلى الرغم من قوتها المدهشة، فإنها لا تستطيع تحمل ترف تعدد الأيديولوجيات، إذ يجب عليها العمل والقتال في العالم كما هو في وضعه الراهن، وأن تخطط للعمل والقتال في العالم الذي نصنعه، وينطبق الأمر ذاته على قادة الشركات من أجل معرفة كيفية إدارة التغير المناخي بشكل صحيح.

اقرأ أيضاً: أهمية تضمين ممارسات حشد التأييد في إجراءات الشركات بشأن التغير المناخي

تنويه: يمكنكم مشاركة أي مقال من هارفارد بزنس ريفيو من خلال نشر رابط المقال أو الفيديو على أي من شبكات التواصل أو إعادة نشر تغريداتنا، لكن لا يمكن نسخ نص المقال نفسه ونشر النص في مكان آخر نظراً لأنه محمي بحقوق الملكية الدولية. إن نسخ نص المقال بدون إذن مسبق يعرض صاحبه للملاحقة القانونية دولياً.

جميع الحقوق محفوظة لشركة هارفارد بزنس ببليشنغ، بوسطن، الولايات المتحدة الأميركية 2024 .