facebook
twitter
whatsapp
email
linkedin
messenger

إذا كنت تعمل على تحسين قدراتك القيادية، فما هي القدرات التي يجب عليك تطويرها بالضبط؟ تقدّم لنا تجربة جائحة عام 2020 درساً مهماً في القيادة، إذ تتمثل أهم مهارة يجب أن يتمتع بها القائد في القدرة على تحديد نوع التفكير المطلوب لمواجهة تحد معين. فالتفكير في مشكلة ما على نحو خاطئ، سيجعل مهمة البحث عن حل لها دون جدوى؛ في حين أن جل ما تحتاج إليه هو قرار حكيم مستنير بالقيم. ويتمثل نهج التفكير الآخر المماثل في السوء في أن تثق بحدسك بخصوص مسألة ما، في حين أن إجراء تحليل مباشر على البيانات سيكشف لك مدى سوء النهج الذي اتبعته في فهم القضية.

انضم إلى شبكة عالمية من المبتكرين. رشح نفسك الآن إلى جائزة مبتكرون دون 35 من إم آي تي تكنولوجي ريفيو..

أنواع المعرفة المطلوبة

ودائماً ما تحدث مثل تلك الأخطاء نتيجة اختلاف أنواع الجهد البشري التي تتطلب بدورها أنواعاً مختلفة من المعرفة. ولسنا نحن أول من طرح هذا الزعم، بل هو مجرد تفسير لما شرحه أرسطو منذ أكثر من ألفي عام. وذلك عندما قام بتحديد عدة أنواع مميزة من المعرفة المطلوبة لحل المشكلات وتصنيفها ضمن ثلاثة مجالات، حيث انطوى المجال الأول على "معرفة  المهن أو الحرف" (Techne)، أي تعلّم استخدام الأدوات والأساليب في ابتكار شيء جديد. في حين تمثّل المجال الثاني في "المعرفة العلمية أو النظرية" (Episteme)، بمعنى الكشف عن قوانين الطبيعة وغيرها من الحقائق التي لا يمكن نقضها والتي "لا تحتمل أي وجه آخر للصحة"، على الرغم من سوء فهم الأفراد لها في الوقت الحالي. وينطوي المجال الأخير على "معرفة الحكمة العملية" (Phronesis) التي تُعنى بإطلاق أحكام أخلاقية، بمعنى تبني وجهات النظر والحكمة اللازمتين لاتخاذ القرارات عندما تكون القيم متنافسة بالفعل، أي عندما لا تكون الإجابة مطلقة، وتكون الخيارات المتعددة ممكنة، وعندما تحتمل القضية المعنية وجهات نظر مختلفة. فإذا كنت مزارعاً يصمم نظاماً للري أو مهندس برمجيات ينفذ عملية مرنة، فأنت تندرج ضمن فئة المعرفة الحرفية. أما إذا كنت عالم فلك تتساءل عن الأسلوب الذي تتبعه المجرات في الدوران، فأنت تندرج ضمن فئة المعرفة العلمية. أما إذا كنت صانع سياسات تتخذ قرارات حول كيفية تخصيص أموال محدودة، فأنت تندرج ضمن فئة الحكمة العملية.

إن السبب الذي جعل أرسطو يكلّف نفسه عناء تحديد هذه الأنواع الثلاثة من المعرفة هو أنها تتطلب أنماطاً مختلفة من التفكير، وعادة ما يميل الأفراد المدركين لتلك الفئات الثلاثة إلى تبني عادات التفكير التي تعود عليهم بالنفع وتميزهم عن الآخرين. وانطوت وجهة نظر أرسطو على أنه لا يجب أن تعتمد على مفكر مختص بالمعرفة العلمية في حال واجهتك مشكلة في أحد جوانب الحكمة العملية.

لكن تخيّل أنك قائد مؤسسة كبيرة تواجه تحديات تبرز على نحو منتظم فيما يتعلق بجميع تلك الفئات الثلاثة. قد تواجه كثيراً من مشكلات المعرفة الحرفية أثناء عملك على تبني أساليب وأدوات فعالة في عملياتك. وقد تواجه أيضاً تحديات مرتبطة بالمعرفة العلمية؛ فأي قضية تصنّفها ضمن إطار التحسين (مثل المزيج التسويقي أو وضع جدول زمني للتصنيع) ستفترض وجود إجابة واحدة صحيحة لها فقط. أما تحديات الحكمة العملية فتنطوي على الموضوعات التي تصنّفها ضمن إطار القضايا "الاستراتيجية"، بما في ذلك القرارات الخاصة بعمليات الاندماج وطرح منتجات جديدة، إذ عادة ما تتضمن تلك القضايا مقايضات وإدراك أن المستقبل قد يحمل بين طياته احتمالات مختلفة. وبصفتك قائداً يترأّس مثل تلك المؤسسة متعددة الجوانب، ينطوي جزء كبير من عملك على التأكد من تحديد أنواع التفكير الصحيحة لاتخاذ مجموعة من القرارات الصحيحة. وهذا يعني أنك تحتاج شخصياً إلى تطوير فهم لجميع أنماط التفكير المختلفة يُمكّنك على الأقل من تحديد النمط الأكثر ملاءمة لمشكلة معينة وتحديد هوية الأفراد الذين يبرعون في استخدام ذلك النمط.

وتُعتبر تلك النصيحة مهمة بالنسبة لأكبر تحديات القيادة في العالم الحديث، تلك التي يجري التصدي لها على نطاق واسع ومعقد جداً لدرجة أن يلجأ القادة إلى اعتماد جميع أنواع التفكير تلك لحل مشكلة واحدة بطريقة أو بأخرى. فكّر على سبيل المثال في شركة كبرى تواجه أزمة سيولة. يحتاج قادة تلك الشركة إلى حشد خبرة أصحاب المعرفة العلمية لاكتشاف الحل الأمثل لشروط القروض والقيود المفروضة على إصدار تلك القروض والأدوات المالية المعقدة، إضافة إلى ضرورة تمتعهم بالحكمة العملية بشأن المجالات التي ستقود فيها التخفيضات على المدى القصير إلى أقل ضرر على المدى الطويل.

التحديات التي أبرزتها جائحة كوفيد-19 في وجه القادة

ويقودنا هذا الحديث إلى الجائحة العالمية "كوفيد-19" والتحديات التي أبرزتها أمام القادة على جميع المستويات، سواء في الوكالات العالمية والحكومات الوطنية والمحلية والشركات الكبيرة والصغيرة. من المؤكد أن العالم بأسره تقريباً قد صُدم بهذه الكارثة التي وضَعت في طريقه عثرات مبكرة تعذّر عليه تجنبها، لاسيما بالنظر إلى كمية المعلومات المضللة في البداية. ومع ذلك، مضت 10 أشهر حتى اليوم على تشخيص إصابة أول مريض بالفيروس. كيف يمكن لذلك الضرر الذي أحدثه الفيروس أن يظل منتشراً إلى هذا الحد، خاصة بعد أن تحول من مرض مميت إلى كارثة اقتصادية دون اكتشاف أي علاج له؟

يعتمد تحليلنا على خبرتنا كطلاب في مجال القيادة وليس كأطباء، ويتمثّل في أن العديد من القادة أخطؤوا في إجراء الخطوة الرئيسة المتمثلة في تحديد طبيعة التحدي الذي واجهوه وتحديد أنواع التفكير المختلفة التي كان لا بد من تبنيها للتصدي لتلك التحديات في مراحل مختلفة.

ففي الأسابيع الأولى من عام 2020، تجلّت جائحة "كوفيد-19" أمامنا بصفتها مشكلة علمية ضمن عالم المعرفة العلمية. وأثارت على الفور العديد من الأسئلة التي يمكن العثور على إجابات صحيحة ومطلقة عنها، مع توفر بيانات وقدرات تحليل كافية: ما هو نوع الفيروس؟ ما هو منشأ الفيروس؟ كيف ينتقل؟ ما هي الأعراض التي ظهرت على الأفراد الأكثر تأثراً بالفيروس؟ ما هي العلاجات الأكثر فعالية؟ إن هذا التأطير الفوري للمشكلة جعل القادة والأشخاص الذين يؤثرون عليهم يولون أهمية كبيرة بإرشادات المفكرين الذين يتبنّون التفكير القائم على المعرفة العلمية، أي العلماء. ولو أردنا أن نخلّد عبارة ما في تاريخ عام 2020، ستكون عبارة "لنثق بالعلم".

في المملكة المتحدة على سبيل المثال، فُسّرت تلك العبارة بضرورة اتخاذ قرارات بناءً على نموذج أعدّه باحثون في كلية لندن الإمبراطورية (إمبريال كوليدج). إذ استخدم النموذج البيانات التي جُمعت حتى اليوم للتنبؤ بكيفية انتشار الفيروس في الأسابيع القادمة (إلا أن عملية التنبؤ تلك كانت غير دقيقة تماماً، مع الأسف). وفي الاجتماعات المتكررة للفريق الاستشاري العلمي المعني بحالات الطوارئ، حاول المسؤول الحكومي الحاضر لفت انتباه الفريق إلى بعض الاعتبارات العملية والسياسية في النقاشات في وقت مبكر. لكن الفريق قلّل من قيمة آرائه، وتمثّل دورة في المراقبة فقط. في الواقع، أعرب أعضاء الفريق عن صدمتهم من أن شخصاً ما من العالم الذي يتبنّى سياسة التفاوض سيحاول التأثير على "ما يُفترض أن يكون إجراءً علمياً محايداً".

لكن على الرغم من أن الاكتشاف العلمي كان عنصراً ضرورياً للغاية للاستجابة في الواقع، لم يكن كافياً، لأن ما كان يحدث في الوقت نفسه كان تصعيداً للوضع باعتباره أزمة اجتماعية. وسرعان ما برزت الحاجة إلى إجراء تفكير متعمق حول المقايضات، بمعنى آخر المداولات السياسية التي تأخذ في الاعتبار أبعاداً متعددة وتستنير بوجهات نظر مختلفة (تفكير الحكمة العملية التي وضعها أرسطو). كانت المجتمعات والمؤسسات في حاجة ماسة إلى عمليات موثوقة تمكّنها من تحقيق توازن مقبول بين عوامل رفاهة الإنسان المتباينة للغاية لدرجة يصعب إدراجها في مفاوضات دقيقة. وكما اتضح لاحقاً، لم تكن الاستجابة للجائحة تحدياً يتمثّل في الحصول على البيانات وتخفيض عدد أرقام الإصابات، ولكن نظراً لتبني الأزمة تلك الاستجابة منذ البداية، فإنها بقيت (ولا تزال) تتمحور حول ذلك الهدف. نتيجة لذلك، كان القادة بطيئين في التصدي لتلك التحديات المجتمعية.

ما يمكن للقائد فعله في هذه الأزمة؟

ما هو البديل؟ ما الذي يجب أن يفعله قائد عظيم في مثل هذه الأزمة؟ نعتقد أن النهج الصحيح الذي يجب علينا اتباعه في ظل جائحة "كوفيد-19" هو الاعتماد على جميع المعارف العلمية ذات الصلة بعلماء الأوبئة وعلماء الفيروسات وعلماء الأمراض وعلماء الصيدلة وغيرهم، ليدركوا أن نطاق المشكلة أوسع من تركيزهم الضيق. إذ عادة ما تتمثل عادات التفكير القائمة على المعرفة العلمية في التركيز بشكل ضيق على فروع العلم بهدف الحصول على إجابة واحدة مطلقة. إلا أنه كان من المفترض أن يجري تضمين تلك المساهمات في ما كان يُعرف منذ البداية أنه نظام ممتد ومعقد من التحدي الذي قد يتطلب أيضاً التفكير الشامل واتخاذ قرارات تحقق توازناً في القيم. ولو وصف القادة الجائحة منذ البداية أنها أزمة تتطلب أعلى مستوى من الحكم السياسي والأخلاقي، وليس فقط جمع البيانات وتحقيق الاكتشافات العلمية، لما وجد صانعو القرار على جميع المستويات أنفسهم عاجزين تماماً عندما تبيّن لهم صعوبة الحصول على نتائج الاختبارات وصعوبة جمعها ومقارنتها، لاسيما عجزهم فيما يتعلق بفرض ارتداء الكمامات، وإجراءات حظر التجمعات الكبيرة، وإغلاق الشركات وإعادة افتتاحها، والسياسات التي فُرضت على دور الرعاية.

لم يكن هدفنا التعميم في هذا الطرح، فلا شك أن بعض القادة تمكّنوا من تحقيق التوازن بين الأولويات المتنافسة وإدارة مصائب عام 2020 بشكل أكثر فاعلية من الآخرين. ولم ينطو هدفنا على توجيه أصابع الاتهام، وإنما ببساطة على استخدام المثال البارز للغاية والمتمثل في جائحة "كوفيد-19" للتأكيد على المسؤولية الرئيسة والمهمشة للقيادة.

لذلك، ينطوي جزء من وظيفتك كقائد على تأطير المشكلات التي تريد من الأفراد أن يبذلوا جهدهم لحلها. ويبدأ هذا التأطير بفهم طبيعة المشكلة ومشاركة الطريقة المناسبة لمعالجتها مع الآخرين. ولا بد أن تُدرك أن حثّ جميع الأفراد على تدارس آرائهم وفحصها حول مشكلة توصف في الحقيقة أنها مسألة تحليل بيانات هو حل كارثي.  كما أن الإصرار على "الثقة بالعلم" عندما لا يستطيع العلم أن يمنحك إجابة شافية ووافية هو وسيلة لإحباط الناس وإثارة مشاعر العجز فيهم إلى أبعد الحدود.

في المقابل، تُعتبر القدرة على تقييم الموقف وتحديد أنواع المعرفة المطلوبة هي مهارة يمكنك تطويرها من خلال الممارسة المتعمدة؛ لكن الخطوة الرئيسة الأولى تتمثل ببساطة في إدراك وجود تلك الأنواع المختلفة من المعرفة، وإدراك أن من مسؤوليتك تحديد وقت استخدام كل منها. وعلى الرغم من جهود أرسطو، لم يُمعن معظم القادة التفكير في مجالات المعرفة والمشكلات التي يمكنهم حلها، لكن تَوقّع أن يتغيّر ذلك، لاسيما مع مواجهة المؤسسات والمجتمعات تحديات متزايدة التعقيد وواسعة النطاق، وذلك مع زيادة اتباع نهج تقييم القادة القائم على أساس التفكير الذي يتبنوه.

تنويه: يمكنكم مشاركة أي مقال من هارفارد بزنس ريفيو من خلال نشر رابط المقال أو الفيديو على أي من شبكات التواصل أو إعادة نشر تغريداتنا، لكن لا يمكن نسخ نص المقال نفسه ونشر النص في مكان آخر نظراً لأنه محمي بحقوق الملكية الدولية. إن نسخ نص المقال بدون إذن مسبق يعرض صاحبه للملاحقة القانونية دولياً.

ﺟﻣﯾﻊ اﻟﺣﻘوق ﻣﺣﻔوظﺔ ﻟﺷرﻛﺔ ھﺎرﻓﺎرد ﺑزﻧس ﺑﺑﻠﯾﺷﻧﻎ، ﺑوﺳطن، اﻟوﻻﯾﺎت اﻟﻣﺗﺣدة اﻷﻣﯾرﻛﯾﺔ - 2020

اترك تعليق

قم بـ تسجيل الدخول لتستطيع التعليق
avatar
  شارك  
التنبيه لـ
error: المحتوى محمي !!