تتيح الخدمة الذاتية للشركات فرصة مغرية لتخفيض الإنفاق، وغالباً ما يكون ذلك التخفيض حاداً. فتكلفة المعاملات التي يقوم بتنفيذها الشخص بنفسه تقاس بالسنتات، بينما متوسط تكلفة تفاعل الخدمة الحية الواحد (عن طريق الهاتف أو البريد الإلكتروني أو الدردشة على الويب) فتزيد على 7 دولارات في حالة الشركة التي تمارس أعمالها التجارية مع العملاء وأكثر من 13 دولاراً للشركة التي تمارس أعمالها مع مؤسسات تجارية. وقد حقّقت الأموال التي استثمرتها الشركات في تقنيات الخدمة الذاتية مستوى هائلاً من الفعالية في استبعاد القضايا قليلة التعقيد من صفوف انتظار الخدمة الحية، وتفيد معظم الشركات التي درسناها بحدوث انخفاض منتظم في مثل هذه الاتصالات على مدى السنوات القليلة الماضية.

وكل هذا يتمخض عن تحدٍّ جديد؛ ذلك أنه فيما يتولى العملاء معالجة المزيد من القضايا البسيطة بأنفسهم، يستقبل ممثلو الخدمة على الخط الأمامي قضايا متزايدة الصعوبة، وهي القضايا التي لا يستطيع العملاء حلها بأنفسهم، ويواجه ممثلو الخدمة في يومنا هذا صعوبات في التعامل مع هذه المشاكل المعقدة. فكما قال لنا أحد قيادات خدمة العملاء في شركة كبيرة لتجارة التجزئة: "موظفونا للأسف غير مجهزين كما ينبغي للتعامل مع عملاء اليوم وقضاياهم. إننا لا ندير مركز اتصال هنا. فالمكان أشبه بورشة تصنيع للكآبة".

ما يزيد هذه القضية تعقيداً هو أنه في ظل تركيز الشركات على تقنيات الخدمة الذاتية الجديدة، قلّصت استثماراتها في مواهب الخدمة على الخط الأمامي. فما زالت الشركات توظف ممثلي الخدمة وتلقنهم وتطوّرهم وتديرهم بالطريقة ذاتها التي ظلت تفعلها دائماً. ومع أن تجربة الخدمة الذاتية شهدت تحسناً شديداً في السنوات الأخيرة، فإن تفاعل الخدمة الحية لم يكد يتغير منذ عقود من الزمن، مما تمخض عن فجوة بين توقعات العملاء والتجربة الفعلية. فالحكايات التي تتناول الخدمة الرديئة تثير الغضب على مواقع التواصل الاجتماعي، وتحقق انتشاراً هائلاً على الرغم من أقصى الجهود التي تبذلها الشركات لاحتوائها. ولا نستغرب أن رضا العملاء ظل يشهد تراجعاً منتظماً عبر مختلف القطاعات منذ سنوات.

الأكثر من ذلك أن وضع موظفين غير مجهزين على الهاتف ليستقبلوا مكالمات عملاء حانقين عملية شديدة التكلفة. فالقضايا المعقدة تستغرق وقتاً أطول في التعامل معها، مما يدفع التكاليف إلى الارتفاع؛ إذ قفز متوسط تكلفة اتصال الخدمة الحية من 7 دولارات في عام 2009 إلى نحو 10 دولارات بعد ذلك بخمس سنوات (انظر الشكل "تصاعد التكاليف وفرار ممثلي الخدمة"). كما أن التدريب غير الكافي أيضاً يزيد حركة دوران الموظفين، وهو ما يفاقمه الضيق الذي تشهده سوق العمل؛ حيث ارتفع الاستنزاف الذي يعاني منه ممثلو خدمة العملاء من 19% أثناء الركود الكبير إلى 24% في يومنا هذا. ولا يؤدي ارتفاع معدل دوران الموظفين إلى زيادة تكاليف التوظيف والتدريب فحسب، بل يجبر الشركات أيضاً على دفع مزيد من الأموال للاحتفاظ بما لديها من ممثلي خدمة خشية أن يرحلوا عنها بما لديهم من معارف وخبرات قيّمة.

في عالم تسوده الخدمة الذاتية، يكتسب ممثلو الخدمة الموهوبون أهمية أكثر من أي وقت مضى. لكن ما نوع الأشخاص الذين هم أحسن تجهيزاً للتعامل مع عملاء اليوم؟ وكيف تستطيع الشركات ضمان استقطاب ممثلي الخدمة الأشد فعالية والاحتفاظ بهم؟ هذا ما سنبدأ في التعرف عليه الآن.

أنواع ممثلي الخدمة السبعة


لتحديد المواصفات المثلى لممثلي الخدمة، أجرينا دراسة عالمية عبر القطاعات شملت 1,440 ممثل خدمة، فوجدنا أنهم جميعاً يندرجون ضمن واحد من سبعة أصناف استنبطناها من البيانات التي حصلنا عليها، وهي: المستوعبون، والمتنافسون، والمسيطرون، والمتعاطفون، والمجدّون، والمبتكرون، والصخور (انظر الشكل "أنواع ممثلي الخدمة السبعة"). بعدئذ أجرى فريقنا مقابلات مع العشرات من ممثلي الخدمة لكي يتوصل إلى فهم أدق للكيفية التي تمارس بها مختلف الأنواع وظائفها. كما أجرينا أيضاً مسحاً شمل مشرفي مراكز الاتصال بشأن أنواع الممثلين الذين يودون توظيفهم وإدارتهم.

عندما يرى المديرون الأصناف السبعة، يتجه تفضيلهم - وبفارق كبير - إلى المتعاطفين؛ حيث فضّل 42% من المديرين الذين شملهم المسح هذا الصنف. إذن فلا نندهش أن المتعاطفين شكلوا 32% من جميع ممثلي خدمة الخط الأمامي في دراستنا. وفي المقابلات التي أجريناها، وصف المديرون ممثل الخدمة المثالي بأنه شخص "موجّه نحو الخدمة" و"مستمع جيد ومتواصل جيد" وشخص "يحب مساعدة الآخرين". هذا الدور ليس بالدور السهل. فكما قال نائب الرئيس لشؤون خدمة العملاء في إحدى الشركات: "عملاء اليوم عديمو الصبر بشكل لا يُعقل. فبمجرد أن نسأل الواحد منهم عن الكيفية التي يمكننا مساعدته بها، يصبّ جامّ غضبه. فهم محبطون بسبب مقدار الوقت الذي يجب عليهم هم شخصياً استثماره، ومحبطون بسبب مقدار المعلومات المتضاربة التي يجدونها على الإنترنت، ومحبطون بسبب فكرة اضطرارهم إلى التعامل مع أحد ممثلي الخدمة. إنهم لا يتصلون بنا لأنهم يريدون الاتصال بنا، بل يتصلون بنا لأنه لا يوجد أمامهم خيار آخر".

فلأي مدى إذاً يحقق المتعاطفون أداء جيداً؟ للتعرف على ذلك، قمنا بجمع بيانات على مستوى ممثلي الخدمة وفقاً لمقاييس أساسية تُستخدم لإدارة الأداء في المؤسسات الخدمية. واتساقاً مع البحوث التي أجريناها بأنفسنا بشأن القوة الدافعة لولاء العملاء في البيئة الخدمية، مع التركيز على قدرة ممثلي الخدمة على جعل تفاعلات الخدمة سهلة قدر الإمكان (انظر الشريط الجانبي "ببساطة، قوموا بحل مشاكل العملاء"). كما أخذنا أيضاً بعين الاعتبار مؤشرات الجودة الأخرى، كمستويات رضا العملاء، بالإضافة إلى مقاييس الإنتاجية من قبيل متوسط زمن المعالجة.

لقد انحرفت النتائج التي توصلنا إليها انحرافاً حاداً عما يتوقعه المديرون؛ فالمتعاطفون لا يحتلون الصدارة، بل المسيطرون هم الذين يحتلونها، حيث تتفوق هذه الفئة الأخيرة في الأداء على جميع الأصناف الأخرى من ممثلي الخدمة في مجموعة كبيرة من مقاييس الجودة والأداء، وأبرزها تقليل المجهود المطلوب من العملاء. ومع ذلك فمديرو الخدمة يحبون هذا الصنف أقل ما يكون؛ إذ لم يقل إلا 2% منهم إنهم سيُقبلون على توظيف المسيطرين مفضلين إياهم على الأنواع الأخرى.

فلماذا يحقق المسيطرون أداءً أفضل من نظرائهم؟ كشفت المقابلات المنهجية التي أجريناها عن أنهم يتمتعون بدافع للإنجاز السريع وتوفير خدمة سهلة ويستريحون لفرض شخصياتهم القوية لكي يبرهنوا على خبراتهم. وهم يصفون أنفسهم بأنهم أشخاص "يتولون المسؤولية" واهتمامهم ببناء خطة والالتزام بها أكبر من اهتمامهم بـ"السباحة مع التيار"، حتى في المواقف الاجتماعية. وهم صناع قرار واثقون، ولا سيما عندما تخلو الساحة من شخص يتولى زمام المسؤولية، ويتسمون بالتشبث بآرائهم والصراحة في الإعلان عنها. وكما أوضح أحد المسيطرين: "أحب أن أتولى السيطرة على الموقف وأُرشد الناس".

وفيما تزداد المشاكل التي يتعامل معها ممثلو الخدمة تعقيداً، تبيّن أن المسيطرين هم أفضل حلالي المشاكل. فهم لا يكتفون باتخاذ زمام المبادرة في تشخيص مشاكل العملاء، بل يأخذون في اعتبارهم أيضاً شخصية العميل وسياق المكالمة لبلورة حل مخصوص وتقديمه بفعالية. يركز المسيطرون بدرجة أقل على سؤال العملاء عما يودون فعله وبدرجة أكبر على إخبار هؤلاء العملاء بما ينبغي عليهم فعله، وهدفهم دائماً هو التوصل إلى أسرع وأسهل حل. وهكذا تبدو المحادثة بلا ريب بشرية ومرتجلة. يميل المسيطرون إلى الإعراض عن العبارات الرسمية والقوائم المرجعية المقررة، ولا سيما عندما يتبين من تشخيصهم إلى أن العملاء استثمروا بالفعل قدراً كبيراً من وقتهم في محاولة حل القضية بأنفسهم.



يقدم المسيطرون، سواء بوعي أو من دون وعي، الشيء الذي يريده العملاء المشبعون بالمعلومات (وفقاً للبحوث)، ألا وهو الإرشاد بدلاً من الخيارات الزائدة. ففي قسم دراسات ممارسة التواصل مع العملاء في شركة CEB على سبيل المثال، وجدنا أن 84% من العملاء سيفضلون حصولهم على حل مباشر لمشكلتهم بدلاً من أن تُطرح عليهم تشكيلة واسعة من قنوات الخدمة الذاتية (البريد الإلكتروني، والدردشة، والخدمة المستندة إلى مواقع التواصل الاجتماعي، وما إلى ذلك). وقد اكتشفنا في قسم دراسات المبيعات لدينا أن تزويد العملاء بإرشادات تقريرية وقطعية تبسّط قرارات الشراء الكبيرة يؤدي إلى خفض شديد في مستويات شعور المشترين بالندم. ففي إحدى دراساتنا التسويقية، وجدنا أن احتمال إقبال المستهلكين على شراء العلامات التجارية التي تحرز مركزاً ضمن الربع الإحصائي الأعلى في "مؤشر بساطة القرار" أعلى بنسبة 85% مقارنة بشراء العلامات التجارية التي تحرز مركزاً ضمن الربع الإحصائي الأدنى.

يواجه المديرون الساعون إلى التحول إلى نهج "المسيطر" في تفاعلاتهم الخدمية ثلاثة تحديات ملحة وهي: توظيف المزيد من المسيطرين؛ وتعليم الأنواع الأخرى من الممثلين المهارات اللازمة لخلق تجربة "المسيطر" لدى العملاء؛ وإعادة بناء مناخ المؤسسة الخدمية لتشجيع سلوك "المسيطر" والإثابة عليه.

توظيف المسيطرين


لم يشكل المسيطرون إلا 15% من ممثلي خدمة العملاء في العيّنة التي درسناها. ونظراً لندرتهم وأدائهم المتفوق، قد تفترض أن استقطابهم سيكون أصعب أو أن توظيفهم سيكون أعلى كلفة من المتقدمين الآخرين. ولكي نختبر هذا الافتراض، قمنا بدراسة مجموعة مكونة من 1,022 باحثاً عن عمل. وبعد تصنيف كل واحد من طالبي العمل ضمن واحد من أنواع ممثلي الخدمة السبعة، قمنا باختبار رغبة كل فريق من السبعة بالعمل ضمن وظائف في خدمة العملاء في الخط الأمامي. فوجدنا أن المسيطرين يضارعون ممثلي الخدمة الآخرين في احتمال قبولهم وظيفة راتبها أقل من 35 ألف دولار في السنة (متوسط راتب موظفي مراكز الاتصال)، ويقلّ احتمال تمتعهم بشهادة جامعية، ويزداد احتمال تقدمهم للعمل في وظيفة في مجال خدمة العملاء في الخط الأمامي.

هذا لا يعني أن توظيف المسيطرين مسألة سهلة. فهناك عدد من العقبات التي تقف في الطريق. أولاً: إن احتمال أن تؤدي الرسائل التي تستخدمها الشركات نمطياً لاستقطاب المتقدمين إلى شغل وظائف الخدمة في الخط الأمامي إلى تنفير المسيطرين، هو أكبر من احتمال جذبهم. قام فريقنا بتدقيق إعلانات التوظيف التي نشرتها عشرات من الشركات المدرجة على قائمة "فورتشن 500" التي تضم كبرى الشركات في الولايات المتحدة، فوجدوا أن الشركات كلها استخدمت لغة متماثلة إلى حد بعيد لوصف وظائف الخدمة في الخط الأمامي بها؛ لكن المفارقة أن كثيراً منها يتباهى بتقديم خدمة عملاء مميزة فريدة من نوعها. تميل هذه الشركات إلى طلب متقدمين يتمتعون بـ "مهارات مثبتة في خدمة العملاء"، مما يجعل جمهور المتقدمين مقتصراً على أصحاب الخبرة السابقة (الذين يقل بشدة - وفقاً لبياناتنا - احتمال كونهم من المسيطرين).

تطرح هذه الشركات أيضاً عرض قيمة توظيفية شديد العمومية؛ إذ أن الغالبية العظمى من إعلانات التوظيف التي اطلعنا عليها وَعدت بإتاحة شكل ما من أشكال "الفرص المهنية المليئة بالتحديات" و"ثقافة مؤسسية تثيب الأداء". بالإضافة إلى ذلك، أظهرت إعلانات التوظيف النمطية عن بحثها عن متقدمين يطابقون القوالب النمطية القديمة لموظفي خدمة العملاء، بمعنى الأشخاص الذين "يمكنهم الوفاء بمعايير الجودة والإنتاجية"، وتقديم خدمة "من خلال استخدام صور متعددة من الأنظمة والتطبيقات والعمليات الإدارية والأدوات التشغيلية" و"العمل مناوبة مدتها ثماني ساعات". ما يدعو للأسف أن هذا النوع من الأدوار يتناقض تمام التناقض مع مواصفات المسيطرين. ففي المقابلات التي أجريناها، أظهر هؤلاء تفضيلاً واضحاً للمرونة في التعبير عن شخصياتهم والتعامل مع القضايا بالطريقة التي يرونها أفضل. إن إعلان التوظيف الذي يصف وظيفة خدمية ذات طابع آلي وتقوم على الحفظ والاستظهار يقول للمسيطرين أن الشركة تبحث عن عمال مصانع يمكنهم اتباع القواعد والإجراءات لا عن عمال معرفيين سيُعهد إليهم استخدام تقديرهم الشخصي لتقديم خدمة عملاء راقية. وهذا عامل حاسم بالنسبة للمسيطرين ويتوقف عليه قبولهم أو رفضهم.



تستطيع الشركات، من خلال إعادة صياغة إعلانات التوظيف، أن تؤثر بقوة على ماهية الأشخاص الذين تستقطبهم. فقد أجرت شركة ماكواري تليكوم للاتصالات في أستراليا مسحاً شمل ممثلي خدمتها أصحاب الأداء الرفيع للتعرف على أسباب حماسهم لأعمالهم ثم صاغت إعلان توظيف للفت الانتباه إلى تلك الخصائص. تَعِد الشركة بأن يكون ممثلو الخدمة "بمنزلة نقطة الاتصال الأولية للعملاء" و"يتولون أمر قضايا العملاء من البداية إلى النهاية". تشتمل إعلانات شغل الوظائف أيضاً على عبارات مستمدة من مشرفي ماكواري، الذين يصفون أفضل موظفي خدمة العملاء بالشركة بأنهم "حلالو مشاكل متحمسون" يتمتعون بقدرة فريدة من نوعها على "اتخاذ القرارات بسرعة" وبأنهم "أشخاص يتمتعون بالدافعية الذاتية ولديهم القدرة على اتخاذ زمام المبادرة". وأخيراً تسلّط إعلانات التوظيف في ماكواري الضوء على مزايا الموظفين التي قال أصحاب الأداء الرفيع أنهم يثمّنونها أكثر مما سواها، وذلك كتوفير برنامج تدريبي عالمي المستوى للموظفين الجدد، والقدرة على اكتساب اعتماد في هذا التخصص، وفرص العمل في بيئة تتسم بالحيوية والنشاط والوتيرة السريعة.

ما إن تتعلم الشركة كيف تجتذب المتقدمين المستهدفين، يجب أن تصبح أكثر جرأة بشأن ضمان الملاءمة. فكما هو الحال مع شركة ماكواري، تستخدم شركة "بلو أوشن" الكندية للتعاقد الخارجي لغة مصممة لاجتذاب المسيطرين من خلفيات مهنية وشخصية متنوعة، دون الاقتصار على أصحاب الخبرة السابقة في مراكز خدمة العملاء، فتقول: "إذا كنت بارعاً في حل الألغاز المنطقية والمشاكل اللوجستية كتنظيم البطولات الرياضية أو تخطيط الرحلات البرية طويلة الأجل التي تشارك فيها مركبات متعددة، فنحن على يقين أنك وجدت جهة العمل المناسبة". كما تستخدم الشركة أيضاً لغة منفّرة للمرشحين الذين لا ترغب بهم (حيث تقول: "هذه الوظيفة ليست مناسبة لأصحاب العزيمة الخائرة") وهي صريحة فيما يتعلق بالصعوبات التي يواجهها ممثلو خدمة العملاء: "في بعض الأحيان لا تكون على دراية بالإجابة الصحيحة، لكنك شخص من النوع القادر دائماً على مواجهة التحدي. ستعتمد على مواردك وستجري بحثاً سريعاً عن إجابة، وستجد نفسك مضطراً في بعض الأحيان إلى البحث عن إجابة على جوجل". إن تحديد التوقعات بوضوح لا يؤدي فقط إلى صدّ طالبي العمل غير المناسبين - الذين يزداد احتمال تركهم العمل في الأيام والأسابيع التالية لتدريبهم الأولي - بل يدلّ أيضاً على أن المؤسسة الخدمية تطبق معايير صارمة، مما يتناقض مع افتراض أن أي شخص يمكنه أداء الوظيفة. كما تحرص بلو أوشن أيضاً على محاربة القوالب النمطية السلبية المحيطة بهذه الوظيفة، حيث تنشر فيديوهات على شبكات التواصل الاجتماعي لمناهضة المفاهيم الخاطئة الشائعة وتقديم فرص العمل في مركز خدمات بلو أوشن من منظور إيجابي.

الرسائل المصوغة بعناية ستجتذب المسيطرين، لكنها لن تضمن حصولهم على المرور الآمن عبر عملية التوظيف. فكما سبق وناقشنا، هناك الكثيرون من مديري خدمة العملاء يُبدون تفضيلاً شديداً للمتعاطفين وتحاملاً ضد المسيطرين. وقد أنشأنا دليلاً لإجراء المقابلات الشخصية بهدف المساعدة على التغلب على هذا التحامل باقتراح أسئلة ستساعد على التعرف على المسيطرين وتسليط الضوء على الأجوبة "التي تدق جرس الإنذار". فعلى سبيل المثال، نقترح أن يطرح القائمون بإجراء المقابلات السؤال التالي: "أخبرني بمرة أدركت فيها أن إحدى العمليات التي طُلب منك اتباعها غير منطقية. وماذا فعلت؟" و"حدثني عن مرة احتجت فيها إلى شخص لكي يفعل شيئاً بعينه فوراً، لكنك كنت تعرف أن ذلك الشخص قليل التفاعل في العادة. فماذا فعلت؟" هناك الكثير من الشركات التي نعمل معها تستخدم هذا "النظام الخاص بفرز المسيطرين" في مقابلات ما قبل التوظيف واختبارات التقييم، مما يساعد على تيسير عملية انتقاء الموظفين.

تعليم عقلية المسيطر


حتى لو اتبعت الشركات نهجاً قوياً في التوظيف، بعد أن تعيد صياغته لاستقطاب المسيطرين والتعرف عليهم، فإنها ستجد نفسها وفي حوزتها عدد كبير من الأنواع الأخرى من ممثلي الخدمة في الخط الأمامي. وبالتالي فبالإضافة إلى تحسين عملية التوظيف، تحتاج الشركات إلى النظر في اتباع نُهج جديدة في تطوير المواهب وإدارة الأداء لمساعدة غير المسيطرين على التصرف على نحو أقرب إلى المسيطرين.

غيّرت الشركات التي التزمت بتلقين مهارات المسيطرين منهاجها التدريبي، متخليةً عن تلقين المتدربين المعرفة المتعلقة بالمنتجات وعمليات الحفظ والاستظهار للتعامل مع المكالمات وإجراءات استخدام النظم والأدوات، وصارت بدلاً من ذلك تعلّم ممثلي الخدمة تطبيق أساليب الإصغاء والأطر التي تحاكي مواهب المسيطرين لفهم ما يحتاج إليه العميل بسرعة ومعرفة كيفية تقديم الحل الأمثل ذي الطابع الشخصي. لكن مهارات المسيطرين الدقيقة لا يمكن تعليمها من خلال التدريس داخل قاعة دراسية تقليدية فقط لا غير، حيث بدأت الشركات العازمة على تطوير مهارات المسيطرين تتحول بشكل متزايد إلى نظام التوجيه على رأس العمل الذي يقوده المديرون، ويساعد ممثلي الخدمة على تحقيق مستوى أكبر من الإتقان بمرور الوقت.

المؤسف أن معظم مديري الخط الأمامي يخلطون بين التوجيه وإدارة الأداء. ففي المؤسسة الخدمية النمطية، نجد أن غالبية التوجيه هو عبارة عن مهمة عَرَضية تتضمن "ملء حقول الاستمارة" تتم بعيداً عن موقع العمل، وعادة ما يكون ذلك مرة كل أسبوع أو أسبوعين. وتشتمل هذه الجلسات في أغلب الأحوال على استعراض سجلات المكالمات التي تعود إلى أيام أو أسابيع مضت، مما يضطر ممثلي الخدمة إلى المعاناة لتذكّر التفاصيل وبيانها. ونظراً لأن التركيز ينصب عادة على ما حدث من خطأ لا على أسباب حدوث هذا الخطأ، يمكن أن تبدو هذه الجلسات عقابية أكثر من كونها بنّاءة.

على الرغم من شيوع مثل هذا النوع من التوجيه، وجدنا في دراسة شملت أكثر من 300 مدير خدمة عملاء في الخط الأمامي أن بعض المديرين يستخدمون نهجاً أكثر فعالية وهو "التوجيه المتكامل"، بمعنى تفاعلات تحدث في موقع العمل على هيئة شحنات قصيرة أثناء سير العمل اليومي المعتاد. لقد رأينا اختلافاً كبيراً في تأثير أسلوبي التدريب. فالفرق التي غلب الصنف المتكامل على التوجيه الذي تلقته حققت أداء أعلى بنسبة 12% من متوسط الأداء، وفقاً لمقاييس الجودة والإنتاجية التي يتم رصدها في الشركة. الشيء المهم بالقدر نفسه أنه عندما ركّز المديرون على التوجيه المجدول ضمن موعد محدد، حققت تلك الفرق أداء يقل بنسبة 5% عن المتوسط.

إقامة مؤسسة خدمية مواتية للمسيطرين


يثمّن المسيطرون السماح لهم بحل المشاكل على نحو لا يتطلب التقيد ببروتوكولات صارمة، ويقدّرون أيضاً تمتعهم بحرية "طرح المشاكل التي تواجههم في السياسات والإجراءات"، أي أنهم يريدون أن يكونوا جزءاً من مؤسسات جادة فيما يخص التحسين المستمر، ومستعدة لإعطاء الممثلين فرصة للمشاركة برأيهم في تلك العملية.

يتطلب خلق هذا النوع من المناخ - الذي يُسمح فيه للممثلين بممارسة اجتهادهم الذاتي والمساعدة على تحديد فرص التحسين - طُرقاً جديدة لإدارة الأداء الفردي وإشراك الفرق. أولاً: من منظور إدارة الأداء، يجب على الشركات أن تعيد النظر في نهج "القوائم المرجعية" الذي تستخدمه حالياً في ضمان الجودة. فطريقة ضمان الجودة التقليدية - التي تتطلب من ممثلي الخدمة التقيد بدقة تامة بعملية محددة في الرد على المكالمات وبتفاعلات مكتوبة نصاً ("اذكر اسم العميل ثلاث مرات"، "اعتذر عن أي مشكلة ربما يكون العميل يتعرض لها"، "احرص دائماً على شكر العميل على إخلاصه للشركة" وهلم جرا) - تتعارض تماماً مع نهج المسيطرين.

أحد المصارف الكبيرة قرر أن يضع "إطار عمل مرن يعتمد على الكفاءة" بدل قائمته المرجعية لضمان الجودة. فبدلاً من تقييم ممثلي الخدمة حسب قدرتهم على التقيد بالنص الموضوع، يقيّمهم البنك حسب قدراتهم الأساسية كالتفاوض وخلق الوئام. لا يقول هذا الإطار لهم ما ينبغي عليهم قوله بل يصف بدلاً من ذلك السلوكيات على طيف أداء يمتد من "المستجد" إلى "الخبير". فعلى سبيل المثال، ربما يعْمد المستجد إلى "استمالة العميل بالحديث"، وأما ممثل الخدمة الأكثر تقدماً فسوف "يستخدم نبرة تعاونية وجازمة". بتحديد سمات الأداء الرفيع في كل كفاءة معينة، لكن من دون إملاء نص معين، يترك البنك ممثلي الخدمة يمارسون اجتهادهم الذاتي في التفاعلات الفردية مع العملاء، على أن يتم تقييمهم بناء على ذلك.

شهدت نتائج تفاعلات البنك مع العملاء تحسناً شديداً نتيجةً لهذا التغيير، حيث ساعد هذا النهج على تحقيق زيادة بنسبة 5% في عدد العملاء الذين يدفعون الأرصدة المستحقة عليهم أثناء المكالمات وتحسُّن بنسبة 30% في التزام العملاء بخطة للدفع. وساعد الإطار الجديد أيضاً على خفض تظلمات ممثلي الخدمة من درجاتهم على مقياس ضمان الجودة. فمن قبل كان البنك يشهد متوسطاً يتراوح بين 20 و30 تظلماً في الشهر، فانخفض المعدل منذ ذلك الحين إلى أقل من خمس تظلمات في الشهر. قال أحد مديري ضمان الجودة بالمؤسسة: "أنت تريد أن يصبح الموظفون خبراء في المهارات ذات الأهمية، لا خبراء في اتباع التوجيهات اتباعاً آلياً. يشعر موظفونا وكأنهم قد تحرروا من الأغلال".

بالإضافة إلى التعامل مع إدارة الأداء بطريقة مختلفة، تحتاج الشركات أيضاً إلى الاستعانة بوسائل جديدة لالتماس رؤى ممثلي الخدمة فيها وإشراكهم في خلق تجربة عميل أفضل. فقد أنشأت شركة فيديليتي إنفستمنت للاستثمارات منصة مناقشة على الإنترنت لممثلي الخدمة يوجّهون من خلالها أفكارهم لتحسين الأداء إلى الإدارة العليا، ويلتمسون النصح من زملائهم بشأن كيفية التعامل مع قضايا العملاء. ويدير هذه المنصة ممثلو خدمة مخضرمون يعملون كقنوات بين مجتمع ممثلي الخدمة والإدارة، فيقومون بتمرير أفضل الأفكار إلى فريق القيادة ويوافون زملاءهم الممثلين بالردود. وفي السنة الأولى من عمر هذا المنتدى، نشر ممثلو الخدمة أكثر من 3 آلاف تعليق، من ضمنها 350 فكرة اعتبرتها الإدارة جديرة بمزيد من التقييم. فعلى سبيل المثال، أثار ممثلو الخدمة قضية تتعلق بتسجيل خروج المستخدم بشكل أوتوماتيكي من الموقع الإلكتروني بعد مدة معينة والتي كانت تتسبب في شعور العملاء بالإحباط وتؤدي إلى زيادة المكالمات الهاتفية، وهي مشكلة تم حلها بسرعة ما إن خرجت إلى النور. ومنذ ذلك الحين اعتمدت الإدارة العليا أكثر من 100 فكرة للتحسين، مما ساعد المؤسسة على توفير أكثر من 4 ملايين دولار.

هناك مؤسسية مالية كبرى أخرى، ومقرها أستراليا، استحدثت بالمثل عملية لاستدراج الأفكار الخاصة بالتطوير من ممثلي الخدمة. وتقيم الشركة "يوم شارك برأيك" بشكل ربع سنوي، حيث يقدم فيه ممثلو الخدمة مفاهيمهم إلى الإدارة العليا. ولمساعدة ممثلي الخدمة على التحضير، توفر الشركة تدريباً بعد ساعات العمل على إعداد عرض الحالات، وتنفيذ العروض التقديمية أمام القيادات، وتطوير خطط المشاريع. وتقوم الإدارة بتقييم المقترحات قياساً على معايير مقررة تتعلق بالتأثير المالي والتأثير على العملاء وسهولة التنفيذ وعوامل أخرى، والمقترحات التي تحصل على حد أدنى معين من الدرجات، تُعطى الضوء الأخضر للشروع في تطبيقها. فعلى سبيل المثال، سبّب دمج وظائف داخلية في مركز الاتصالات تخفيضاً في نسبة تحويل المكالمات، وتمخّض عن مكاسب في الكفاءة مقدارها 350 ألف دولار أسترالي سنوياً. بالإضافة إلى استنباط العشرات من فرص التحسين، أدى هذا المجهود إلى تحسّن بنسبة 11% في انخراط موظفي الخط الأمامي.

عندما نطلع المديرين على أبحاثنا، يرتعدون أحياناً من فكرة وجود مؤسسة خدمية مليئة بالمسيطرين، ناهيك عن تفاعل هؤلاء المسيطرين مع عملائهم الأشد شعوراً بالإحباط والانزعاج. كثيراً ما يقول لنا المديرون أن المسيطرين "لن يتلاءموا جيداً مع ثقافة الشركة" وسيفتقرون إلى التعاطف اللازم للنجاح. لكن مقابلاتنا التي أجريناها تكشف عن أن المسيطرين في الحقيقة متعاطفون. فهم يتفهمون احتياجات العملاء وما يثير إحباطهم، لكنهم يستجيبون لذلك بطريقة مميزة. فهم يدركون أنه بعد بذل مجهود مُضْنٍ على الإنترنت محاولين خدمة أنفسهم ذاتياً، لا يريد العملاء اعتذاراً بل يريدون حلاً.
هذا المقال متاح للمشتركين. للاشتراك يمكنك الضغط هنا

تنويه: إن نسخ المقال أو إعادة نشره بأي شكل وفي أي وسيلة دون الحصول على إذن مسبق يعتبر تعدياً على حقوق الملكية الدولية ويعرض صاحبه للملاحقة القانونية.

ﺟﻣﯾﻊ اﻟﺣﻘوق ﻣﺣﻔوظﺔ ﻟﺷرﻛﺔ ھﺎرﻓﺎرد ﺑزﻧس ﺑﺑﻠﯾﺷﻧﻎ، ﺑوﺳطن، اﻟوﻻﯾﺎت اﻟﻣﺗﺣدة اﻷﻣﯾرﻛﯾﺔ - 2018

شاركنا رأيك وتجربتك

كن أول من يعلق!

التنبيه لـ

wpDiscuz
error: المحتوى محمي !!