تنتشر جائحة فيروس كورونا في العالم بأقصى قوتها، مسفرة عن تزايد مخاطر الإصابة بالعدوى، وتدهور أسواق الأسهم، في حين أصبح الاقتصاد على شفا بلوغ مرحلة ركود عالمي، وأضحى كل عمل تجاري يعيش حالة من الغموض. ويوجد احتمال كبير أن نشعر بالإرهاق والتوتر والخوف في ظل هذه الظروف.

خلال شهر رمضان المبارك فقط: استفد من خصم 30% على الاشتراكات الرقمية السنوية والنصف سنوية

إلا أن هذا الأمر طبيعي، إذ تبدأ اللوزة الدماغية التي تُعتبر مركز الخوف في دماغنا العمل عندما يُدرك عقلنا وجود تهديد ما، وهو ما يجعل نطاق تركيزنا يضيق. وتُعتبر نتيجة هذا التصرف مفيدة عندما نواجه تهديداً فورياً، إلا أنها تعني أيضاً أن تفكيرنا قد يتّبع أنماطاً غير منتجة، بمعنى أننا قد ننخرط في سيناريوهات أسوأ تنطوي على التفكير أو إنكار التهديد، وهو ما يعيق قدرتنا على الوصول إلى مراكز الإبداع والتحليل في دماغنا ويُضعف قدرتنا على التعاطف مع الآخرين والإصغاء إليهم والتواصل معهم.

للأسف، هذه هي المهارات الدقيقة التي نحتاج إليها بصفتنا قادة في أوقات الأزمات. نحن بحاجة إلى كامل قدرة دماغنا على التفكير في أفضل الخيارات الممكنة، والتشكيك في افتراضاتنا، والتوصل إلى طرق جديدة ومبتكرة لأداء المهام، والحفاظ على الهدوء من أجل طمأنة الموظفين والزبائن وشركاء العمل، إلى جانب الإصغاء إليهم وأخذ مخاوفهم على محمل الجد.

وقد يكون التأمل مفيداً للغاية في مثل هذه الأوقات، فقد ثبت أن ممارسة التأمل تحد من شعورنا بالقلق، وتهدئ اللوزة الدماغية، وتزيد من قدرتنا على التفكير بشكل خلاق وتساعدنا في قبول وجهات نظر الآخرين بتعاطف. وقد وصف ستيف جوبز الذي يُعتبر من أوائل ممارسي التأمل تجربته على النحو التالي: "تبدأ في إدراك الأمور بشكل أكثر وضوحاً ويزيد وعيك بالحاضر، وتصبح أكثر تروياً في التفكير، وتدرك الكم الهائل من الوقت الذي بين يديك، وتعي أموراً لم تكن تُدركها من قبل".

وقد لاحظت خلال عملي مع المسؤولين التنفيذيين ثلاث ممارسات تساعد في أوقات الأزمات.

ممارسة التأمل في الصباح

جميعنا ننحاز إلى بدء يومنا بالتحقق من رسائل البريد الإلكتروني والأخبار في ظل هذه الأوقات التي يسودها الغموض. إلا أن قيامنا بذلك يجعلنا ننجذب إلى وضع رد الفعل مع كل خبر، في محاولة لإطفاء النار كلما اشتعلت. على العكس من ذلك، قد تساعدنا ممارسة التأمل بضع دقائق في الصباح في تهدئة الأفكار القائمة على الخوف. ويوجد العديد من الطرق المختلفة للقيام بذلك، على سبيل المثال، يمكنك استخدام تطبيق مثل "إنسايت تايمر" (Insight Timer) والجلوس في السرير في أثناء الاستماع إلى تمارين التأمل. وقد وجدت شخصياً أنه من المفيد للغاية احتساء فنجان من القهوة بعد الاستيقاظ والجلوس على وسادة أو على كرسي وممارسة تمارين اليقظة الذهنية البسيطة.

وستلاحظ بعد ممارسة هذه التمارين كل يوم أن عقلك أصبح أكثر انفتاحاً ووعياً للإمكانيات التي لم تكن تدركها من قبل. وقد أطلق المعلم شونرايا سوزوكي الذي يُعتبر أحد رواد التأمل في الولايات المتحدة على هذه النهج اسم "عقل المبتدئ". فعندما تهدأ أفكارنا، تُصبح عقولنا أكثر انفتاحاً لإدراك الواقع الحالي دون تحيّز ومفاهيم مسبقة. ويصف الرئيس التنفيذي لشركة "سيلز فورس" (Salesforce)، مارك بينيوف، أحد ممارسي التأمل هذا التأثير على النحو التالي: "يدفعني عقل المبتدئ إلى الرجوع خطوة إلى الوراء وإعادة التفكير في أفعال الماضي. إلا أنني أعلم أن من يأسره صوت الماضي لن يتمكن من مخاطبة المستقبل. وأعلم أن الحاضر هو بداية كل شيء.

ابدأ كل اجتماع بممارسة بضع دقائق من التأمل

ننحاز دائماً إلى العمل عندما نشهد أوقاتاً عصيبة، كالمحنة التي نشهدها اليوم، وقد يكون هذا الانحياز غريزة جيدة. إلا أن قضاء بعض الوقت في بداية الاجتماع لحصر تركيزك والتنبّه إلى عواطفك يساعدك في بدء الاجتماع بقدرة متزايدة على الإصغاء والانفتاح على الأفكار، كما أنه قد يساعد الفرق في التفكير بعمق في حل المشكلات.

وقد تكون هذه التجربة جديدة بالنسبة إلى بعض الفرق، في حين قد يصفها أفراد آخرون أنها تجربة "عاطفية للغاية". بداية، أخبر فريقك أنك تود منهم حصر تركيزهم في الاجتماع. ثم اقترح عليهم أداء هذه التجربة: اطلب منهم التركيز على أنفاسهم مدة دقيقة واحدة، وعندما يتشتت انتباههم، اقترح عليهم إعادة تركيز انتباههم على أنفاسهم مجدداً. وعادة ما يتفاجأ معظم المبتدئين بمدى سهولة تشتت أفكارهم ومدى صعوبة الحفاظ على تركيزهم مدة دقيقة واحدة. إلا أن ممارسة هذا التمرين ستجعلهم يشعرون أنهم أصبحوا أكثر هدوءاً وأكثر قدرة على التركيز. وبالتالي، يمكن لهذه الدقيقة أن تغيّر طبيعة الاجتماع. وقد وصف أحد المسؤولين التنفيذيين هذا التأثير بقوله، "غالباً ما نقضي اجتماعاتنا ونحن نتحدث مع بعضنا البعض، إلا أن التأمل جعل أعضاء الفريق أكثر تركيزاً وساعدهم في الإصغاء إلى بعضهم البعض والإفصاح عن رغبتهم في التعلم".

ارجع خطوة للوراء عندما تنخرط في أنماط التفكير غير المنتجة

عندما ينتابك إحساس بالقلق طوال اليوم، تنفّس بعمق وراقب أفكارك، فمن المحتمل أن يكون عقلك قد بدأ التفكير في المستقبل بدلاً من التركيز على الوقت الحاضر. وعلى الرغم من أن التخطيط للمستقبل أمر بالغ الأهمية، من المهم إجراء هذا التخطيط عندما تكون بكامل وعيك وتدرس الحقائق الفعلية دون أن تنساق بأوهام عقلك. ومن الناحية العملية، اجلس في مقعدك وأغلق عينيك وركز انتباهك على حركة بطنك، ثم خذ نفساً عميقاً وأطلق الزفير. وستلاحظ بعد فترة أن أفكارك أصبحت أقل هدوءاً، وتزداد قدرتك على التركيز والنشاط، كما ستبدأ بإدراك الاحتمالات والفرص.

وتتمثّل إحدى أهم مزايا التأمل في أنه يسمح لنا بالتخلي عن تفكيرنا المتمركز حول النجاة ويتيح لنا التواصل مع الآخرين بتعاطف. وتُعتبر هذه الميزة مهمة جداً، ذلك أننا عندما نخاف، نبدي أنانية أكبر ويصبح من الصعب علينا تقبل وجهات نظر الآخرين. وبما أن الأفراد داخل مؤسساتنا وخارجها يواجهون محنة اليوم، يُعتبر التأمل بمثابة فرصة جيدة لإبداء التعاطف والاهتمام في ظل هذه الأوقات العصيبة، وفرصة لأن نُظهر لفرقنا ومؤسساتنا قدراتنا كقادة على حد سواء.

تنويه: يمكنكم مشاركة أي مقال من هارفارد بزنس ريفيو من خلال نشر رابط المقال أو الفيديو على أي من شبكات التواصل أو إعادة نشر تغريداتنا، لكن لا يمكن نسخ نص المقال نفسه ونشر النص في مكان آخر نظراً لأنه محمي بحقوق الملكية الدولية. إن نسخ نص المقال بدون إذن مسبق يعرض صاحبه للملاحقة القانونية دولياً.

ﺟﻣﯾﻊ اﻟﺣﻘوق ﻣﺣﻔوظﺔ ﻟﺷرﻛﺔ ھﺎرﻓﺎرد ﺑزﻧس ﺑﺑﻠﯾﺷﻧﻎ، ﺑوﺳطن، اﻟوﻻﯾﺎت اﻟﻣﺗﺣدة اﻷﻣﯾرﻛﯾﺔ - 2020

1
اترك تعليق

قم بـ تسجيل الدخول لتستطيع التعليق
avatar
1 Comment threads
0 Thread replies
0 المتابعين
 
Most reacted comment
Hottest comment thread
1 Comment authors
Salima.Sellam Recent comment authors
  شارك  
الأحدث الأقدم الأكثر تصويتاً
التنبيه لـ
Salima.Sellam
عضو
Salima.Sellam

السلام عليكم نشكركم جزيل الشكر على هذه المنشورات العلمية و المرتبطة بالوضع الراهن و نثمن ماتبذلونه من مجهودات و وقت لذلك

error: المحتوى محمي !!