في ظل الإقبال العالي اليوم على علماء البيانات والرواتب المرتفعة التي يطلبونها، غالباً لا يكون عملياً أن تبقى الشركات عليهم ضمن الموظفين. وبدلاً من ذلك، تعمل كثير من المؤسسات على تعزيز المهارات التحليلية لطاقم عملها القائم، بما في ذلك التحليلات التنبؤية. غير أنّ المؤسسات بحاجة إلى المضي قدماً بحيطة وحذر. فالتحليلات التنبؤية تحديداً من السهل أن تحيد عن مسارها السليم. إليكم ثلاثة “محاذير” على فريقكم التعرف عليها، وعلاج كل منها.

1) لا تغرنّك الكلمات الطنانة.. وضّح هدفك

تعرفون جميعاً أغنية جو جاكسون “ليس بوسعك أن تنال ما ترغب فيه (حتى تعرف ما تريد)”؟ أنصتوا إليها دوماً، واجعلوها شعاركم الخاص. على الرغم من الطابع العصري الذي يتمتع به “علم البيانات”، فهو ليس هدفاً مؤسسياً أو أحد أهداف التعلم بحد ذاته. وهذه العبارة الطنانة لا تعني شيئاً أكثر تحديداً من “استغلال بارع للبيانات”. ولا تشير بضرورة الحال إلى أي تقنية أو طريقة أو عرض للقيمة بعينه، وإنما تشير إلى ثقافة، وإلى أحد الأذكياء الذين يقومون بأعمال إبداعية بحثاً عن قيمة في بياناته. ومن المهم للجميع أن يكون ذلك على رأس أولوياتهم عندما يتعلمون التعامل مع البيانات.

وتحت المظلة الواسعة لعلم البيانات تستقر التحليلات التنبؤية التي تقدم أعظم المكاسب القابلة للتنفيذ والتي يمكنك استخلاصها من البيانات. وإيجازاً، فإنّ التحليلات التنبؤية تقنية تتعلم من التجربة (البيانات) لتوقع السلوك المستقبلي للأفراد بغية اتخاذ قرارات أفضل. والتنبؤ هو السر المقدس لتنفيذ العمليات واسعة النطاق بفاعلية أكبر في قطاعات التسويق والمخاطر المالية والكشف عن عمليات الاحتيال وغير ذلك. وتُمكّن التحليلات التنبؤية مؤسستك من تعظيم مهامها بالإشارة إلى الأشخاص الذين من الأرجح أن ينقروا بالماوس على إعلانك أو يشتروا بضاعتك أو يكذبوا أو يلقوا حتفهم أو يرتكبوا جرائم احتيال أو يستقيلوا من عملهم أو يلغوا اشتراكهم، وهكذا. وبعيداً عن البشر، تساعد تلك التحليلات على التنبؤ كذلك بالنتائج التي ستتحقق على الأرجح من العمل مع كل زبون من الزبائن في قطاع الشركات ومن الأدوات المالية. وتسترشد الإجراءات التي من المزمع اتخاذها مع كل زبون مباشرة بهذه التنبؤات، على سبيل المثال من خلال استهداف من يرجح شراؤهم  للبضائع بحملة تسويق أو من خلال الفحص الدقيق لمن يرجح ارتكابهم لجرائم احتيال وهكذا.

حال تطبيق التحليلات التنبؤية والتعلم الآلي على مهام الأعمال هذه، نجد أنهما مترادفان (وفي مجالات أخرى يشمل التعلم الآلي أيضاً مهام أخرى كالتعرف على ملامح الوجه، ولكن لا تُسمى هذه عادة تحليلات تنبؤية). فالتعلم الآلي محوري بالنسبة للتنبؤ، وتراكم الأنماط أو الصيغ التي يتعلمها (يستخلصها) التعلم الآلي من البيانات، والمعروف باسم النموذج التنبؤي، يفيد في بحث حالة فريدة ويضيف احتمالات إلى النتائج. على سبيل المثال، يمكن أن يستخلص النموذج كل ما هو معلوم حالياً عن عميل وحيد كمدخلات له، ويُنتج المخرجات على شكل احتمالية إلغاء هذا العميل لاشتراكه في المستقبل.

عندما تشرع في تعميم التحليلات التنبؤية على فريق عملك، فإنك بذلك تشرع في تقديم نوع جديد من عرض القيمة الذي يتطلب بالتالي نوعاً جديداً من العملية القيادية. ستكون بحاجة إلى أنْ يصبح بعض أعضاء فريقك “قادة للتعلم الآلي” أو “مدراء تحليلات تنبؤية”، ما يعني عدداً من مجموعات المهارات الأكثر تحديداً من “عالم البيانات” شمولي المهارات، ذاك المسمى الوظيفي الموصوم بالغموض والمغالاة (ولكن، اسمح لهم باستعمال هذا المسمى الوظيفي إذا أرادوا، طالما أنكم متفاهمون).

2) لا تتبن منهج القيادة باختيار البرمجيات، فمهارات الفريق تأتي في المقام الأول

في عام 2011، تفضّل توماس دافنبورت بإلقاء كلمة افتتاحية في المؤتمر الذي أسسته تحت عنوان “عالم التحليلات التنبؤية” وصاح في جمهورنا المفتون به بصوت أعلى مما سمعت منذ أنْ كنت في المدرسة الثانوية، حيث اضطر المعلمون آنئذ إلى إحكام سيطرتهم على صف من المراهقين، قائلاً: “الأمر لا يتعلق بالحساب، بل بالموظفين!”.

ولَمَسَت نبرة توم المفاجئة وتراً حساساً (حيث وافقت نغمة “ري” العالية على السلم الموسيقي، إذا تحرينا الدقة). سيقول لك مورّدو برامج التحليلات إنّ برامجهم هي “الحل” المثالي. ولكن، حل لماذا؟ المشكلة التي بين أيدينا تتعلق بتحسين عملياتك واسعة النطاق إلى أقصى حد ممكن. والحل يكمن في طريقة جديدة لمزاولة الأعمال تَدْمج التعلم الآلي. وبالتالي، فإنّ أداة التعلم الآلي تخدم فقط جزءاً صغيراً مما يجب أن يكون عملية مؤسسية شاملة.

وبدلاً من السير على خطى المُورّد، قم بتأهيل موظفيك لإدارة عملية دمج التعلم الآلي باعتباره جهداً مؤسسياً، وبعدها اسمح لهم باتخاذ قرار واع ومستنير بخصوص برنامج التحليلات خلال مرحلة لاحقة من مراحل المشروع.

3) لا تتسرع في التعامل مع الأرقام، بل خطّط لعملية تعميم استخدام التعلم الآلي على نحو استراتيجي

إنّ أكثر الأخطاء شيوعاً التي تُخرج مشروعات التحليلات التنبؤية عن مسارها هي التسرع في الانتقال إلى التعلم الآلي قبل تحديد مسار تعميم استخدامه. فالتحليلات التنبؤية ليست بالتقنية التي تشتريها وتستعملها ببساطة هكذا؛ إنها نموذج مؤسسي يجب أن يسد فجوة التحليل الكمي/ثقافة العمل بواسطة عملية تآزرية تسترشد بالأطراف المعنية الاستراتيجية والتشغيلية والتحليلية معاً.

ويتبع كل مشروع للتحليلات التنبؤية سلسلة قياسية راسخة نسبياً من الخطوات التي تبدأ أولاً بتحديد كيفية تعميم شركتك له، ومن ثم يعمل عكسياً كي يرى ما أنت بحاجة إلى التنبؤ به والبيانات التي أنت بحاجة إليها لأغراض التنبؤ على النحو التالي:

حدد الهدف المؤسسي، أي كيف سيُدمج النموذج التنبؤي ليترك أثراً إيجابياً حقيقياً على العمليات الحالية، وذلك مثلاً باستهداف حملات تسويق غايتها الحفاظ على العملاء بقدر أكبر من الفاعلية.

حدد هدفاً تنبؤياً مُعيّياً يخدم الهدف المؤسسي، شريطة أنْ يحظى بتأييد الأطراف المعنية في الشركة، كموظفي التسويق الذين لا بدّ أن يكونوا على أهبة الاستعداد لتغيير هدفهم تبعاً لذلك. إليكم مثالاً: “أي من العملاء الحاليين الذين أخلصوا للشركة لمدة عام واحد على الأقل واشتروا بما يتجاوز قيمته 500 دولار حتى تاريخه سيلغون اشتراكهم خلال ثلاثة أشهر ولن ينضموا مجدداً لمدة ثلاثة أشهر أخرى؟”. من الناحية العملية، فإنّ تكتيكات العمل والقيود البراجماتية تعني غالباً ضرورة أن يكون الهدف التنبؤي أكثر تحديداً من ذلك.

جهّز بيانات التدريب التي سيعتمد عليها التعلم الآلي. يمكن أن تكون هذه الخطوة عائقاً كبيراً أمامك، حيث يُتوقع عموماً أنْ تتطلب 80% من عبء العمل الفعلي في المشروع، فهي مهمة برمجة لقاعدة البيانات يتم فيها تعديل بياناتك الحالية بشكلها الراهن بما يتماشى مع احتياجات برمجيات التعلم الآلي.

طَبّق التعلم الآلي لإنتاج نموذج تنبؤي. هذا هو الجزء “المعقد”، لكنه ليس الأكثر استنفاداً للوقت. وهذه هي المرحلة التي يكتسب فيها اختيار الأداة التحليلية أهمية بالغة. ولكن، بداية، يجوز تجربة خيارات برمجيات التعلم الآلي المتوفرة بتراخيص تقييمية مجانية ومقارنتها ببعضها ثم اتخاذ قرار بشأن الأداة التي يتعين شراؤها (أو تحديد الأداة المجانية مفتوحة المصدر التي يتعين استخدامها).

قم بتعميم النموذج ودمج تنبؤاته في العمليات الحالية داخل مؤسستك. على سبيل المثال، في حملة الحفاظ على العملاء، استهدف شريحة الـ 5% الأبرز من العملاء الذين سيردون على الأرجح بالإيجاب عن السؤال: “هل سيلغي العميل اشتراكه؟” المحدد في الخطوة الثانية. هناك أمران ينبغي أن تلم بهما عن هذه الخطوات قبل أن تنتقي خيارات التدريب لقادة التحليلات التنبؤية التابعين لك. أولاً، تنطوي هذه الخطوات الخمس على تراجع وتكرار مكثفين. على سبيل المثال، بتنفيذ الخطوة الثالثة فقط يمكن أنْ يتضح لك أنه لا توجد بيانات كافية للهدف التنبؤي المحدد في الخطوة الثانية. وفي هذه الحالة، لا بدّ من الرجوع إلى تلك الخطوة وتعديلها.

ثانياً، على الأقل بالنسبة لمشروعاتك التجريبية الأولى ستحتاج إلى استقدام استشاري خارجي في التعلم الآلي للمراحل المحورية من العملية. لا ينبغي عادة أن يبذل موظفوك جهداً مضنياً كي يصبحوا على الفور ممارسين عمليين مستقلين للتعلم الآلي الجوهري، ونعني بذلك الخطوة الرابعة. وعلى الرغم من أنه من المهم أن يتعلم قادة المشروع المبادئ الأساسية وراء آلية عمل التكنولوجيا، كي يستوعبوا متطلبات البيانات الخاصة بها ومعنى الاحتمالات التنبؤية التي تنتجها، فإنه يجب على خبير التحليل الكميّ الذي شارك في مشروعات تحليلات تنبؤية ضمن سجل مشروعاته أن يتدخل في الخطوة الرابعة ويساعد على توجيه الخطوتين الثانية والثالثة أيضاً. قد تكون هذه المشاركة الطفيفة نوعاً ما هي التي تجعل المشروع إجمالاً منخفض التكلفة، طالما أنك ستقوم بتنفيذ الخطوات الأكثر استنفاداً للوقت داخلياً على أي حال.

حظاً وافراً وتنبؤاً سعيداً!

تنويه: إن نسخ المقال أو إعادة نشره بأي شكل وفي أي وسيلة دون الحصول على إذن مسبق يعتبر تعدياً على حقوق الملكية الدولية ويعرض صاحبه للملاحقة القانونية.

ﺟﻣﯾﻊ اﻟﺣﻘوق ﻣﺣﻔوظﺔ ﻟﺷرﻛﺔ ھﺎرﻓﺎرد ﺑزﻧس ﺑﺑﻠﯾﺷﻧﻎ، ﺑوﺳطن، اﻟوﻻﯾﺎت اﻟﻣﺗﺣدة اﻷﻣﯾرﻛﯾﺔ - 2018

اترك تعليق

قم بـ تسجيل الدخول لتستطيع التعليق
avatar
  شارك  
التنبيه لـ
error: المحتوى محمي !!