في بداية النشاط البيئي للشركات، كان التركيز بشكل رئيسي على الصناعات الكبيرة والثقيلة، وكانت القضايا المتعلقة بالوقود الأحفوري والتعدين من أكثر القضايا البيئية وضوحاً، فضلاً عن التركيز على القوانين الناظمة للمهنة والتي تتيح للشركات التحرك بمختلف اتجاهات الاستثمار. لكن، في هذه الأيام، ركزت المناقشات المتعلقة بالاستدامة في كثير من الأحيان على أعمال المنتجات الاستهلاكية وبيع التجزئة وتكنولوجية العلامات التجارية، ومن الأهمية بمكان مقابلة الشخصيات البارزة ذات التأثير البيئي بشكل دوري لمعرفة توجهاتهم الفكرية في هذه القضايا.

وهكذا، ونتيجة لاهتمامي الكبير، وجدت نفسي مؤخراً في تشيلي بزيارة المؤتمر العالمي للنحاس، حيث تحدثت خلال العشاء بحضور 1,800 مدير تنفيذي، والذي أقامه مركز سيسكو لدراسات النحاس والتعدين (CESCO). هناك، أصبح من الواضح بالنسبة إلي أنّ أجندة الأعمال بما يتعلق بالاستدامة الحديثة – ما بعد الالتزام بالقواعد التنظيمية – أصبحت بالغة الأهمية لهذا القطاع، بوجود كل من المخاطر والفرص الناتجة عن الضغوط البيئية والاجتماعية.

في سياق الحديث، ضع في اعتبارك ضخامة حجم استخراج واستخدامات النحاس، فمع إنتاج أكثر من 25 مليون طن سنوياً، تكون تشيلي هي أكبر مصدر له، حيث تنتج حوالي 25% من الإجمالي العالمي، أما أكبر مشترٍ فهي جمهورية الصين الشعبية، والتي أرسلت وفداً ضخماً إلى المؤتمر، إذ تستخدم الصين ما يقارب من 40 إلى 60% من السلع الأساسية في العالم، بما في ذلك، كما قال لي رئيس مركز سيسكو، حوالي 45% من حجم النحاس العالمي.

إنّ صناعة بهذا الحجم، بمواد ثقيلة تدور حول العالم، تخلق تأثيرات بيئية ملحوظة. ولعدة سنوات، طالبت أجندة الالتزامات التقليدية هذه الشركات العمل بمزيد من الوضوح ومع المجتمعات المحلية طوال دورة حياة المشاريع الكبرى، كان ذلك جزء من مجموعة الأدوات للحفاظ على “رخصة التشغيل”. لكن جدول أعمال الاستدامة في مجال التعدين يتسع (كما هو الحال بالنسبة لجميع القطاعات)، على وجه الخصوص، فإنّ القطاع يمكن أن يخسر الكثير إن لم يفهم ويدير التوجهات الكبرى العالمية، مثل زيادة الضغط على الموارد الطبيعية، وضرورة وجود عامل الشفافية، والجهد العالمي بشأن تغيّر المناخ، والذي يؤثر على جميع الشركات كثيفة الاستهلاك للطاقة. على الجانب الآخر، فإنّ النهوض بالاقتصاد النظيف يخلق “ارتفاعاً هاماً” ونمواً لأعمال تجارة النحاس.

لنبدأ بالمخاطر، إنّ العالم الذي ينمو إلى 9 أو 10 مليارات نسمة، مع ازدياد عدد الأغنياء، يحتاج للمزيد من كل شيء، لكن وفرة الخامات “درجة الرُكاز” في انخفاض طويل الأجل لمعظم العناصر، حيث انخفضت نسبة خام النحاس من 4% في القرن الماضي إلى أقل من 1% الآن (وتستمر النسبة بالهبوط)، واستخراج النحاس لا يتأثر فقط بضغوط الموارد الطبيعية؛ بل إنه “يُجسد” محدودية الموارد الطبيعية أيضاً.

يتطلب هذا التوجه طويل الأجل حفر المزيد في باطن الأرض للحصول على نفس كمية النحاس. من العام 2006 إلى العام 2016، انخفض مستوى خام النحاس بنسبة 25%، ولكن إجمالي الإنتاج ارتفع بنسبة 30%. بالإضافة إلى ذلك، ارتفع إجمالي استخدام الطاقة في القطاع بنسبة 46%، وهو أكثر من مجرد علاقة خطية بين توسع الإنتاج ونمو استخدام الطاقة، وأعتقد أنّ هذا يشكل خطراً كبيراً على القطاع، لأنه يضع العالم في مواجهة مخاوف كبيرة حول انبعاثات الكربون. قد يبدو تغيّر المناخ بعيداً عن أعمال الحفر والتنقيب، لكن الأمر ليس كذلك. على سبيل المثال، يتمثل التزام تشيلي باتفاقية باريس للمناخ في خفض الانبعاثات بنسبة 30% بحلول العام 2030، وهذا لا يمكن أن يتحقق مع بقاء نسبة الانبعاثات مرتفعة.

ولكن هنالك بعض النقاط الإيجابية في الأفق، أولاً، لحسن الحظ بالنسبة للجميع، تصبح الطاقة النظيفة أقل تكلفة بشكل سريع، فقد انخفضت تكاليف الطاقة الشمسية بنسبة 80% خلال العقد الماضي. وكما اتضح، من خلال هبة الغلاف الجوي الذي يحافظ على السماء خالية من السحب، إذ إنّ الجزء الأكبر من تشيلي يتلقى الأشعة الشمسية (لكل متر مربع) أكثر من أي مكان آخر في العالم (ملاحظة هامة: للأسباب نفسها، وضع العلماء العديد من أكبر المراصد الفضائية في تشيلي)، بدأ القطاع بتبني الطاقة المتجددة، لذا يجب على الاقتصاد النظيف أن يساعد في الحفاظ على القطاع على الجانب الصحيح من معركة المناخ.

ثانياً، النهوض بالاقتصاد النظيف يخلق أسواق نمو جديدة وهامة للنحاس. إنّ الانخفاض السريع في كلفة بطاريات تخزين الطاقة يقود إلى بعض التنبؤات الوردية في مجال استخدام السيارات الكهربائية (EVs)، والتي تحتاج إلى الكثير من النحاس، حيث تتطلب السيارة الكهربائية الخالصة حوالي ما يقارب 4 مرات أكثر من النحاس من محرك الاحتراق الداخلي (للسيارات التقليدية).

كل ذلك يُعتبر أخباراً جيدة للقطاع، لكن عندما تجمع بين هذه التوجهات، ستحصل على صورة مختلطة، حيث لا تزال معدلات مواد الخام تتناقص، وسيحتاج العالم إلى المزيد من النحاس أكثر من قبل. لقد حان الوقت، كما أعتقد، للنظر بعدسة الاستدامة للتفكير بطرق غير اعتيادية في ما يخص المعادن وكيفية بناء اقتصاد دائري. ماذا لو أعدنا النظر في المصدر الذي نحصل منه على المعادن – أي لماذا يجب علينا التنقيب على المزيد من المعادن الجديدة أو البكر عوضاً عن إعادة استخدام ما قمنا بالفعل باستخراجه؟

هنالك مساران يبدوان واعدان، أولاً، واحدة من أكبر الالتزامات البيئية لهذا القطاع (أو أي قطاع آخر) هي “برك نفايات الخام”، وهي أحواض كبيرة من مخلفات التعدين تحتوي على معادن بنسبة مئوية صغيرة جداً لا داعي لأن نقلق بشأنها “حالياً”. قمت في العام الماضي بزيارة كازاخستان، وهي مركز رئيسي آخر لاقتصاد التعدين، حيث قابلت مديرين من شركة إي آر جي (ERG)، وهي شركة تعدين في آسيا الوسطى، والتي لديها مشروع رائع في جمهورية الكونغو الديموقراطية (DRC)، حيث وجدت الشركة طريقة اقتصادية لإعادة معالجة المخلفات في واحدة من أكبر الأحواض في العالم لاسترجاع بعض النحاس والكوبالت. ويعد هذا عمل مفيد لجميع الأطراف وذلك للحد من المخاطر البيئية (حيث يتسرب ما تحويه هذه الأحواض إلى المجاري مائية) وتجنب ما يخلفه الإنتاج البكر.

ثانياً، إعادة التدوير، ولكن من مصدر معين غني بالمعادن: الإلكترونيات القديمة، حيث قدرت دراسة أجرتها الأمم المتحدة أنّ المخلفات الإلكترونية تحتوي على ما يعادل 40 إلى 800 ضعف كمية الذهب من خام المعدن نفسه. ليس من السهل فصل عشرات المعادن من البلاستيك والمواد الأخرى وجمعها بكميات صغيرة، لكن هذا يُعتبر فرصة ابتكارية واضحة.

في المجمل، زيارة تشيلي أعطتني الفرصة لاستكشاف كيف أنّ التوجهات الكبرى تشق طريقها عبر الماضي والحاضر والمستقبل لقطاع كبير واحد، من الواضح أكثر فأكثر أنّ كل شركة وصناعة، مهما كانت ثقيلة أو حديثة، لها مصلحة كبيرة في قضايا مثل تغيّر المناخ والتكنولوجيا النظيفة ووجود عامل الشفافية، إنّ المخاطر والفرص حقيقية، ومزايا النظر إلى الأعمال من منظار الاستدامة واضحة.

تنويه: إن نسخ المقال أو إعادة نشره بأي شكل وفي أي وسيلة دون الحصول على إذن مسبق يعتبر تعدياً على حقوق الملكية الدولية ويعرض صاحبه للملاحقة القانونية.

ﺟﻣﯾﻊ اﻟﺣﻘوق ﻣﺣﻔوظﺔ ﻟﺷرﻛﺔ ھﺎرﻓﺎرد ﺑزﻧس ﺑﺑﻠﯾﺷﻧﻎ، ﺑوﺳطن، اﻟوﻻﯾﺎت اﻟﻣﺗﺣدة اﻷﻣﯾرﻛﯾﺔ - 2018

شاركنا رأيك وتجربتك

كن أول من يعلق!

التنبيه لـ

wpDiscuz
error: المحتوى محمي !!