في هذه الأيام، يبدو وكأنّ عليك أن تعلن تحيزك لطرف ما قبل طرح رأيك حول أي موضوع تقريباً. اسمح لي أن أقول بصراحة إنني أحب فيسبوك وأحببته لأكثر من عشرة أعوام. ولم يتذبذب ذلك الحب، حتى عندما زادت كراهية الآخرين للمنصة وقلّت ثقتهم بها بعد سلسلة من عناوين الأخبار السلبية والفضائح.

كان بوسعك أن تلاحظ امتعاض البعض عندما كتب مارك زوكربيرغ مقال رأي في صحيفة واشنطن بوست يحث فيه الحكومات على تنظيم فيسبوك وغيرها من شركات الإنترنت في أربعة مجالات كبيرة. لا شك أنّ فيسبوك شركة تعمل لتحقيق مصالحها الخاصة. ولكن برأيي، كانت تلك خطوة إيجابية.

مرّت سنوات وأنا أشعر بالفزع من كيفية تعامل كبرى الشركات التكنولوجية مع المسائل التنظيمية. حيث تفشل هذه الشركات في رؤية الصورة الكاملة عندما تخوض في غمار المسائل المتعلقة بالسياسات. وكلما كانت الشركة أصغر حجماً، يكون أداؤها أسوأ في هذه الحالة. وترجع الحفرة التي حفرتها شركة فيسبوك لنفسها بالأساس إلى أنّ قيادتها اعتقدت أنّ الالتزام بمقتضيات القانون الحالي لن يعرّض الشركة للتنظيم. هذه رؤية ساذجة وقديمة تماماً. وهي رؤية منعت شركة فيسبوك من الابتكار في فضاء السياسة الخاصة بها. ودون ابتكار في تلك السياسة، لا يتبقى لدينا سوى اقتراحات فارغة بشكل أساسي لتفكيك شركة فيسبوك، وهو ما لن يؤدي إلى حل فعلي للمشاكل التي توجد لدى البعض مع الشركة.

وبدلاً من ذلك، فإن الشركة بحاجة إلى أن تفهم أنها كانت الفائزة في منافسة يحصل فيها المنتصر على كل شيء في سوق وسائل التواصل الاجتماعي. وهي تتمتع الآن بمركز لا يمكن المساس به، وسيتم تنظيمها في نهاية المطاف بناء على ذلك.

مررنا بهذه اللحظات من قبل مع آخر مجموعة من كبرى الشركات التكنولوجية. عندما بدأنا مع حالات الاحتكارات المتكاملة الكبيرة التي يكرهها الجميع مثل إيه تي آند تي (AT&T). وكان رد فعلنا على ذلك هو التنظيم بطريقة تعاملت مع ما كان يدفعها لتكون احتكارية. في عالم الاتصالات، لم يكن بوسعك الاتصال من شبكة إلى أخرى. وقالت الشركات التكنولوجية القديمة أنّ حتى مجرد تصور ذلك سيكون أمراً سيئاً لاعتبارات تتعلق بالجودة والخصوصية. ومع ذلك، تمّ هذا الأمر من خلال متطلبات التوصيل البيني. وهذا ما يعنى أن آثار الشبكة التي أعطت الشركات التكنولوجية القديمة صفة احتكارية حصينة تبدّدت. امتلك المستهلكون الخيار، وانحدرت هذه الشركات إلى أسفل قائمة الشركات المكروهة بشدة. لا شك أنّ لدينا نفس المشكلة مع فيسبوك اليوم.

فيسبوك هي عملياً شركة اتصالات يستطيع الأشخاص من خلالها إرسال الرسائل واستقبالها. والمشكلة هي أنك تستطيع إرسال الرسائل واستقبالها داخل فيسبوك فقط. وإذا أردت المغادرة، يتعذر عليك ذلك دون أن تأخذ جميع جهات اتصالك معك. هذا هو الخندق الاحتكاري للشركة. ويجب أن يعالج التنظيم الناجح هذا الأمر على وجه التحديد، وأن لا يقوم فقط بتفكيك الشركة نظراً لأنها كبيرة جداً.

اقترح زوكربيرغ في مقاله المذكور أعلاه إمكانية حمل البيانات (data portability) للتعامل مع هذه المشكلة. دعك من أنه يمكنك بالفعل إزالة بياناتك من فيسبوك. ودعك من أن توفير ميزة حمل البيانات تمثل مشكلة أصعب بالنسبة للشركات الداخلة حديثاً إلى السوق الجدد مقارنة بالشركات القائمة بالفعل مثل فيسبوك. هذا هو اقتراحهم للتعامل مع احتكارهم. وهو اقتراح ضعيف كما يبدو لأنه لا يتطرق إلى صلب المشكلة: وهي الآثار المنيعة للشبكة التي تُحدثها وسائل التواصل الاجتماعي.

أعتقد أنّ التنظيم الذي يتعين أن يكون وشيكاً بالنسبة لشركة فيسبوك هو تحويل مشهد ذلك القطاع إلى قطاع منظم يسهم في تطوير مجال الاتصالات. في مايو/أيار 2018، عرضت هذا في تقرير لمشروع هاملتون (The Hamilton Project) في معهد بروكنجز. تناول التقرير فكرة إمكانية نقل البيانات التي يقترحها زوكربيرغ الآن، ووجد أنها ضعيفة. وأشار التقرير بدلاً من ذلك إلى أنّ ما نحتاجه هو إمكانية حمل الهويةحتى يستطيع الأشخاص مغادرة شبكة اجتماعية مع امتلاك القدرة على إرسال الرسائل واستقبالها في شبكات أخرى. بعبارة أخرى، يجب ألا يضطر الأشخاص إلى أخذ جهات اتصالهم معهم إذا أرادوا تغيير الشبكة.

وثمة حجة قوية مفادها أنّ هذه النتيجة التنظيمية هي أيضاً في مصلحة فيسبوك على المدى البعيد. إذا أرادت شركة فيسبوك أن تأخذ العظة من التاريخ، فعليها أن تأخذ شركة مايكروسوفت بعين الاعتبار. قالت عضو مجلس الشيوخ الأميركي إليزابيث وارين إن مايكروسوفت كانت الشركة الاحتكارية الكبيرة والسيئة في التسعينات، وتعامل قانون مكافحة الاحتكار مع ممارساتها. ولكن كيف تيسّرت أمور الشركة؟ تعتبر مايكروسوفت اليوم أعلى الشركات قيمة في العالم، تماماً كما كانت عندما أحالتها وزارة العدل الأميركية إلى المحكمة. وعلى الرغم من أنّ مركز فيسبوك يبدو من جوانب مختلفة احتكارياً كما كان في السابق، إلا أنّ الشركة حققت ذلك في إطار بيئة يمتلك فيها المستهلكون الخيار. لكن بالتأكيد ما زالت هناك آثار ارتهان بفيسبوك وهناك احتكاكات أخرى مختلفة قد تجعل التغيير مكلفاً، ولكن تتوفر خيارات أنظمة التشغيل وباقات البرامج المكتبية وجوانب أخرى يمكن للشركة المنافسة فيها. يتعين على مايكروسوفت أن تبتكر أكثر مما فعلت سابقاً حتى تحافظ على مركزها، ولكن الأمر نجح معهم.

وهذا هو الدرس الذي يجب على بقية الشركات التكنولوجية الكبرى أن تفهمه. على هذه الشركات أن تقوم بالمشاركة وأن تبدأ بالابتكار فيما يتعلق بالسياسة. أشعر بالسعادة لأن زوكربيرغ يبدأ في مناقشة التنظيم. ولكن إذا أراد المشاركة حقاً، فعليه أن يتقدم بلوائح تنظيمية تلامس جوهر الاحتكار لدى شركته. التنظيم قادم سواء رغبت منصة فيسبوك بذلك أم لا. ولكن القواعد الصحيحة قد تجعل فيسبوك أكثر ابتكاراً، وحتى أفضل في الاستخدام مما هي عليه الآن.

تنويه: يمكنكم مشاركة أي مقال من هارفارد بزنس ريفيو من خلال نشر رابط المقال أو الفيديو على أي من شبكات التواصل أو إعادة نشر تغريداتنا، لكن لا يمكن نسخ نص المقال نفسه ونشر النص في مكان آخر نظراً لأنه محمي بحقوق الملكية الدولية. إن نسخ نص المقال بدون إذن مسبق يعرض صاحبه للملاحقة القانونية دولياً.

ﺟﻣﯾﻊ اﻟﺣﻘوق ﻣﺣﻔوظﺔ ﻟﺷرﻛﺔ ھﺎرﻓﺎرد ﺑزﻧس ﺑﺑﻠﯾﺷﻧﻎ، ﺑوﺳطن، اﻟوﻻﯾﺎت اﻟﻣﺗﺣدة اﻷﻣﯾرﻛﯾﺔ - 2019

اترك تعليق

قم بـ تسجيل الدخول لتستطيع التعليق
avatar
  شارك  
التنبيه لـ
error: المحتوى محمي !!