تابعنا على لينكد إن

من المعروف أننا نمتلك جهازاً مناعياً يعمل بكفاءة عالية ليحمينا من الأمراض والسموم، وهو قادر على التمييز بين خلايا الجسم السليمة والكائنات الممرضة التي تهاجمنا. وتُعتبر هذه الفكرة جذابة للغاية في عالم الأعمال، فكم ستكون مؤسساتنا محظوظة إذا ما امتلكت مثل هذا الجهاز المناعي! لنختبر معاً في هذا المقال أنواع المناعة المؤسسية وكيفية اكتسابها وتقويتها.

المناعة الطبيعية

توجد المناعة الطبيعية لدى الإنسان منذ الولادة، وهي متوارثة عبر الأجيال وتعمل بطريقة عامة، فهي تستطيع التفريق بين نوعين من المكونات، أعضاء الجسم من جهة، والأجسام الغريبة التي تتعامل معها بطرق دفاعية موحدة. تتقارب هذه المناعة مع السياسات والأنظمة التي ترافق المؤسسات في نشأتها بهدف حمايتها وتعزيز دفاعاتها، وهو ما يعرف بالحوكمة المؤسسية وتتضمن الأنشطة التي تضعها الإدارة وتلتزم بها بشأن ما تتخذه من قرارات، وما تمنحه من صلاحيات، وما تقوم به لإدارة الأداء المؤسسي. وبغض النظر عن ممارسات الحوكمة في المؤسسة، لابد أن تتسم بمجموعة من الصفات التي ترفع من المناعة المؤسسية الطبيعية وتقويها وهذه الصفات هي:

  • المساواة: ومن الأنظمة التي تعنى بضمان المساواة ما بين المعنيين في المؤسسة، أنظمة الموارد البشرية التي تضمن المساواة بين الموظفين الذين ينتمون لدرجات وظيفية واحدة، وكذلك المساواة في جودة الخدمات المقدمة إلى المتعاملين حسب فئاتهم، وينسحب الأمر كذلك إلى المساواة في معاملة الموردين الذين يتم تصنيفهم ضمن خانة واحدة.
  • الشفافية: وترتبط الشفافية المؤسسية بالوضوح والانفتاح، وإتاحة المعلومات المؤسسية دون المبالغة في إجراءات السرية والتحفظ، هذا بالإضافة إلى جعل تلك المعلومات متاحة للتحقق متى دعت الحاجة إلى ذلك.
  • المسؤولية: على المدراء خصوصاً التصرف بمسؤولية أثناء أدائهم مهام عملهم، وهذا يتضمن التحلي بالأخلاق المهنية والضوابط الوظيفية.
  • المساءلة: يخضع الموظفون في نظام الحوكمة الرشيد إلى المساءلة بأكثر من طريقة، لعلّ أكثرها شيوعاً تلك المرتبطة بأنظمة إدارة الأداء في المؤسسات والتقارير الصادرة عنها، وكذلك عمليات التدقيق بمختلف أنواعها التي تجريها المؤسسة. يقول مارك صامويل في كتابه الأخير “إنشاء مؤسسات خاضعة للمساءلة” (Creating the Accountable Organization): “لا يجب للمساءلة في المؤسسات الناجحة أن تقتصر على المدراء والموظفين، ولكن أيضاً يجب أن تشمل فرق العمل والمشاريع والإدارات في علاقاتها مع بعضها البعض”.

المناعة المكتسبة

ليست المناعة الطبيعية النوع الوحيد من المناعة الذي نملكه، فهناك المناعة المكتسبة والتي يتم تشكليها خلال الحياة نتيجة التعرض لمسببات الأمراض من ميكروبات وبكتيريا. وتختلف في مستواها من شخص إلى آخر،. وتتميز هذه المناعة بأنها تعمل بشكل متخصص فهناك خلايا مناعية مختلفة تتعامل مع كل نوع من أنواع المسببات المرضية. إذا كان تأسيس مؤسسات اليوم يأخذ بالاعتبار ممارسات الحوكمة وتطبيقاتها كنظام عام للمناعة الطبيعية كما أسلفنا، فإنّ ما يجعل المؤسسات أكثر صلابة هو قدرتها على تكوين أكبر قدر ممكن من المناعة المكتسبة خلال مسيرتها. ويمكن لذلك أن يتم بطريقتين، الأولى: ترتبط بعمر المؤسسة، فكلما طالت المدة الزمنية التي تُزاول بها المؤسسة نشاطها، كلما كان عدد الصعوبات والتحديات التي تواجهها أكبر، وبالتالي تكتسب المناعة بشكل تدريجي. أما الطريقة الثانية: فهي لا تتعلق بعمر المؤسسة وإنما بسعيها إلى خوض تجارب جديدة والبحث عن طرق مستجدة في النمو والتطوير، وهذا ما يمكّنها خلال فترة قصيرة من اختبار الكثير من التحديات التي تكسبها مناعة كبيرة بوقت قصير. وهذا ما نراه على أرض الواقع، حيث أنه في مقال صدر حديثاً تم حصر أكثر من 17 شركة خاصة كشركة “أبتيك للتكنولوجيا” و”يودا سيتي” للتعلم الإلكتروني. إذ استطاعت كل منها تحقيق قيمة سوقية تتجاوز مليار دولار خلال أقل من خمس سنوات، وحققت هذه المؤسسات نجاحات باهرة وأثبتت قدرة على مجابهة المتغيرات فاقت مؤسسات تقليدية موجودة منذ عقود.

الغذاء المؤسسي كمحفز للمناعة

يعتمد جهاز المناعة مثله مثل معظم أعضاء الجسم على التغذية السليمة، وكذلك المؤسسات فلو أوجزنا أنواع الغذاء المؤسسي الصحي يمكن ذكر التالي:

  • الموظفون المحفزون: كلما زاد مستوى الرضا والتحفيز الوظيفي، كلما زادت إنتاجية الموظفين وبالتالي نجاح وصحة المؤسسة، وأثبتت الكثير من الدراسات والأبحاث هذه العلاقة ففي بحث نشر حديثاً في أوروبا، أظهر أنّ أولويات تحفيز الموظفين تختلف باختلاف فئتهم العمرية، فالموظفون الأكبر سناً يتم تحفيزهم بشكل أفضل من خلال المرونة في مكان العمل والأتمتة والاعتماد على الأنظمة الإلكترونية والعلاقات الإيجابية فيما بينهم.
  • الشركاء الملتزمون: تزداد الحاجة إلى الشراكات المؤسسية بشكل مضطرد، ونتيجة التوجه الواضح نحو التخصصات الدقيقة في شتى المجالات، أصبح التكامل والتعاون بين عدد من المؤسسات أمراً حاسماً في إنتاج سلع ناجحة أو تقديم خدمات متميزة. ولا شك أنّ المؤسسة القادرة على توطيد علاقات مثمرة مع شركاء مناسبين هي مؤسسة مرتفعة المناعة وقادرة على مواجهة الأزمات.
  • الموارد الملائمة: إذا كنّا أفردنا مكاناً هاماً لتحفيز الموظفين، فإنّ الأنواع الأُخرى من الموارد المؤسسية ضرورية لبناء مناعة المؤسسة، وتكون هذه الموارد موارد مادية تتعلق بتوفير السيولة والتمويل اللازم للقيام بالأعمال الأساسية، وتمويل المشاريع والمبادرات التطويرية، وكذلك الموارد المعرفية وهي المعلومات الدقيقة والوقتية التي يمكن للمؤسسة الاعتماد عليها لاتخاذ قرارات مناسبة.

اللقاح المؤسسي

منذ أن قام إدوارد جينر باكتشاف أول لقاح لمرض الجدري في أواخر القرن الثامن عشر، توالت الإنجازات في استحداث لقاحات لأمراض كانت مستعصية، مثل ما قام به لويس باستور وجوناس سولك. والمفارقة في آلية عمل اللقاح تعتمد على اكتساب المناعة حيال مرض محدد بعد حقن الجسم بمستخلص من الجرثوم المسبب للمرض، ويُصنّع هذا المستخلص بعدة طرق كإضافة الجرثوم بعد إضعافه أو قتله، أو استخدام أحد سمومه أو بروتيناته. وهذا يقود إلى البحث عن طريقة تصنيع اللقاح المؤسسي، فتُعتبر الخطوة الأولى لتطوير لقاح مؤسسي فعّال هي تحديد المرض الذي تعاني منه المؤسسة، ولابد للمرض أن يكون ناتجاً عن مجموعة أعراض مزمنة تفشل المؤسسة بالتعامل معها بنجاح ، يناقش كتاب “الحالة الصحية لمؤسستك؟ دليل القادة لعلاج الأمراض المؤسسية وتعزيز ثقافة السعادة” (How Healthy Is Your Organization?: The Leader’s Guide to Curing Corporate Diseases and Promoting Joyful Cultures) هذه الفكرة من حيث أنّ لكل مرض مؤسسي مجموعة من الأعراض، وهذه الأعراض يجب أن تظهر معاً، ويجب أن يتم تجميع ما يكفي من المعلومات حول هذه الأعراض لنتمكن من الوصول إلى تشخيص صحيح عن المرض الذي تعاني منه المؤسسة. على سبيل المثال، لو عانت المؤسسة من ازدياد عدد الموظفين وقلة الأعمال المنتجة، ربما بالتحليل يكون ذلك نتيجة سببين رئيسين هما قيام المدراء بتوظيف عدد إضافي من الموظفين مع حرصهم على أن يكونوا أصحاب مهارات متواضعة لكي لا يشكّلوا تهديداً لهم، وقيام بعض الإدارات بأداء مهام بعضها البعض. وإذا أردنا إعمال مفهوم اللقاح هنا، يمكن للمؤسسة صنع مركب إداري للتعامل مع المرض، ويحتوي على إجراءات لضبط عملية التوظيف على ألا يكون ضمنها مهارات الموظفين الجدد، أو أن يتم حصر وتنظيم المهارات المطلوبة لشغل الوظائف الجديدة والتأكد من توافرها في الموظفين الجدد دون تحديد عدد الموظفين الممكن توظيفهم، وهنا تقوم المؤسسة باكتساب مناعة تدريجية تمكنّها من التعامل مع التحدي القائم على الرغم من إبقاء أحد مكونات المرض موجودة.

وأخيراً، ولو اختلفت المناعة الذاتية عن المناعة المكتسبة في كيفية تكوينها وطريقة علمها، تقوم المؤسسة الحكيمة بالاعتماد على هذين النوعين وربطهما ببعضهما البعص، ليعملان بتعاون وتنسيق، ويكمّل كل منهما الآخر.

تنويه: إن نسخ المقال أو إعادة نشره بأي شكل وفي أي وسيلة دون الحصول على إذن مسبق يعتبر تعدياً على حقوق الملكية الدولية ويعرض صاحبه للملاحقة القانونية. جميع الحقوق محفوظة لشركة هارفارد بزنس ببليشينغ، بوسطن، الولايات المتحدة الأميركية – 2018.

هذه المقالة عن إدارة الأزمات

شاركنا رأيك وتجربتك

كن أول من يعلق!

التنبيه لـ

wpDiscuz