ضمن محاولة النجاة في ظل التصارع للبقاء من أجل المنافسة ما بين الشركات، ينظر معظم الرؤساء والمدراء التنفيذين في الخيارات المطروحة لمستقبل شركاتهم. حيث لا تزال بيئة الأعمال الخارجية تتغير بسبب المنافسة الشرسة في جذب المواهب، وزيادة الربحية واللحاق بمتطلبات العملاء التي أصبحت صعبة التوقعات في هذا العصر. لذلك عادة ما يقوم بعض الرؤساء والمدراء التنفيذين بالإعلان عن "ضرورة تغيير ثقافة الشركة" في بعض الأحيان، وذلك من خلال جعل بيئة الشركة بيئة مبتكرة بدلاً من بيئة ربحية أو جعلها بيئة مبدعة بدلاً من كونها بيئة صارمة وهكذا. وهنا لدينا غاري شورب أحد الرؤساء التنفيذين لإحدى الشركات المتخصصة في مجال الصحة يخاطب المدراء الآخرين لتوضيح أهمية معرفة ثقافة الشركة قائلاً: "كونوا مستعدين وجاهزين للتغيير وإعادة تقييم كيفية إدارة الشركة. إذ يجب أن يكون الرئيس التنفيذي ملتزماً تماماً، فهذا الالتزام يجب أن يكون ما يحافظ حقاً على الجهد، ويحصل لك على النتائج التي تحتاج إليها طوال الرحلة". أما إد كاتمول شريك ومؤسس شركة بيكسار للرسوم المتحركة، يقف أمام موظفيه للإعلان عن الاندماج مع شركة ديزني. حيث أدى هذا الاندماج إلى تخوف الكثيرين من العاملين في بيكسار بسبب التأثير الذي سيكون له على الشركة، وتعهد الرئيس بأنّ ثقافة بيكسار لن تتغير. ففكرة تغيير ثقافة الشركة ومن ثم الحفاظ عليها ليست بالأمر البسيط على الرغم من خبرة ونصائح الآخرين. حيث تُعتبر فلسفة تغيير ثقافة الشركة أحد العوامل التي تؤثر على التغيير الداخلي للوضع الراهن ضمن الشركة. ويعني تغيير ثقافة الشركة إعادة النظر في القيم المشتركة والمعتقدات والسلوكيات الى أعمق المستويات وبالتالي التأثير على سير العمل اليومي للموظفين. فيبقى السؤال هل نستطيع النجاة من خلال تغيير ثقافة الشركة؟

على سبيل المثال: استطاعت شركة فولفو العالمية لنظم المعلومات التي مقرها السويد الإجابة عن هذا السؤال. حيث يتمثل دورها الرئيسي في توفير خدمات تكنولوجيا المعلومات وتوفير فرق الدعم لصناعات فولفو العالمية. إذ عملوا بشكل استباقي مع ثقافتهم ابتداء من عام 2000 وحتى 2011، بقيادة مدير الثقافة. وكان جوهر رحلة تغيير الثقافة في الشركة يعتمد على ما يسمى "سفير الثقافة" الذي بدأ في عام 2001. وعلى مدى السنوات التالية، قامت شركة فولفو لتكنولوجيا المعلومات بتدريب أكثر من 500 من سفراء الثقافة الذين تتمثل مهمتهم في تغيير ثقافة المؤسسة ضمن جميع فروعها في أنحاء العالم. فالهدف الأساسي هو تمكين وتدريب جميع المدراء والقادة الرسمين وغير الرسميين لتطوير قدراتهم على النمو. وكان أحد نتائج تغيير ثقافة المؤسسة هو الحفاظ على مستويات عالية للغاية من رضا الموظفين، حيث ظلّ مؤشر رضا الموظفين في مستوى 90% على مدى خمس سنوات لاحقة.

أما على الصعيد العربي، وفي دولة الإمارات بالتحديد، أصبحت ثقافة التميز منتشرة ليس فقط في شركات القطاع الخاص ولكن في القطاع العام كذلك. ويمكن أن نعزو سبب انتشار هذه الثقافة في الشركات الى جوائز التميز المعتمدة، مثل جائزة الشيخ خليفة للتميز الحكومي وجائزة دبي للجودة. ففي دراسة قام بها مجموعة من الباحثين حول العلاقة ما بين ثقافة المؤسسة وتميز الأعمال ضمن دولة الإمارات العربية المتحدة، وجدوا أنّ هنالك علاقة إيجابية ما بين ثقافة التميز الموجودة في الشركة وأداء الشركة ككل. وضمن دراسة أُخرى قام بها عدد من الباحثين حول تقييم وتقرير الثقافة التنظيمية وأثرها على عمليات إدارة المعرفة ضمن إحدى شركات الغاز في أبوظبي، وجدوا أنّ الثقافة التنظيمية في الشركة ككل كان لها أثر إيجابي وهام على إدارة المعرفة. ولذلك نرى أنّ ثقافة الشركة مهمة جداً وعادة ما توفر التركيز الداخلي وتوفر الاستقرار لقوى العمل لديها، ولذلك استطاعت كثير من الشركات سواء في القطاع الخاص أو العام ضمن دولة الإمارات أن تنافس مؤسسات عالمية بسبب ثقافتها التنظيمية. فهنالك ثلاث عناصر جوهرية ساهمت في تغيير ثقافة الشركات في دولة الإمارات:

أولا، استطاعت الشركات من تفهم الثقافة الحالية لديها قبل اتجاهها نحو تغيير ثقافتها.

ثانياً، بعد تفهم ثقافتها، حددت إلى أين تريد الذهاب. وحددت توجهها الاستراتيجي، وما ينبغي أن تبدو عليه الثقافة التنظيمية الجديدة وعرفت كيف يجب أن تتغير الثقافة لدعم تحقيق الرؤية.

ثالثاً، على الرغم من صعوبة تغيير سلوك الأفراد في الشركات، إلا أنه تم خلق ثقافة تنظيمية مبنية على التميز عبر استخدام المبادرات والأدوات والتقنيات لتحقيق النتائج المرجوة.

وبالنظر إلى الأسباب التي تؤدي إلى قيام الشركات بتغيير ثقافتها، أوضحت إحدى الدراسات الحديثة التي بحثت القدرة على فهم التصورات التي تسبب تغيير الثقافة التنظيمية في الشركة، أنّ هنالك ثمانية عوامل لتغيير الثقافة التنظيمية وهي: تعيين مدير تنفيذي جديد، أو تعيين موظفين جدد، أو الانتقال إلى مبنى جديد، أو الانتقال مرة أُخرى على الرغم من الاستقرار، أو المظهر الخارجي للمبنى، أو أسلوب إدارة التغيير وصنع القرار، أو وجود كمية كبيرة من التغييرات، وأخيراً، الناس الذين يغادرون الشركة. وسواء كانت هذه الأسباب أم هنالك أسباب أُخرى، يُعتبر فهم الثقافة التنظيمية جزءاً مهماً من فهم النهج الحديث المتعلق برأس المال البشري في الشركات والذي يؤثر ويتأثر بالقيم والعادات والسلوكيات المحيطة بالبيئة الداخلية والخارجية. فهنالك بعض الدراسات التي أشارت على سبيل المثال إلى أهمية إدارة المعرفة والاتصال والتواصل ودور القيادة في عملية تغيير ثقافة الشركة. إذ أنه في مقالة نشرت ضمن مجلة فوربس بعنوان " لماذا إدارة المعرفة مهمة لنجاح شركتك؟" أوضحت أنّ إدارة المعرفة من شأنها المساهمة في تحفيز ثقافة الشركة والابتكار فيها من خلال تشجيع التدفق الحر للأفكار. فعلى سبيل المثال، تم إنشاء برنامج يشمل عملية "تسريع التغيير" التابع لشركة جنرال إلكتريك ليس فقط "لنقل أحدث المعارف إلى المدراء القادمين" ولكن أيضا "لفتح الحوار، وغرس القيم المؤسسية، وتحفيز التغيير الثقافي". حيث أنه ضمن هذه البيئة التجارية العالمية المعقدة، يمكن لهذه الأنواع من برامج إدارة المعرفة مساعدة المدراء على تبني ثقافة التغيير المؤسسي وتشجيع الأفكار والبصيرة، والتي غالباً ما تؤدي إلى الابتكار.

ويعتبر الاتصال والتواصل عامودياً وأفقياً أحد أهم الأدوات الضرورية في عملية جعل ثقافة الشركة مستدامة. حيث يؤدي هذا الاتصال والتواصل مع العاملين إلى الرضا الوظيفي وزيادة الالتزام بأهداف الشركة. ليس هذا فقط بل إنّ الاتصال والتواصل يخلق الزخم الذي يمكن أن يُنتج مناخاً من الإبداع والذي في نهاية المطاف سوف يؤدي إلى ثقافة يجعل الشركة مثالاً تعليمياً للآخرين. ولذلك بينت إحدى الدراسات حول تغيير الثقافة التنظيمية في الشركة والتي قام بها إيمانويل، إلى أهمية تحسين الاتصال والتواصل مع أعضاء الشركة لتحفيز السلوكيات الجديدة والتي تساعد على تغيير الثقافة التنظيمية.

أما بالنسبة لدور القيادة، فالقادة لهم الدور الأكبر في التأثير على ثقافة الشركة وعلى سلوك العاملين. ولقيادة هذا الجيل من الشركات، ينبغي أن يكون القادة واضحين من خلال استخدام وسائل التواصل المتنوعة في اكتشاف كيفية التواصل مع الأجيال المختلفة ودمج التغيير في ثقافة الشركة. حيث أشار جاي برمستن في دراسته حول "استدامة التغيير للحفاظ على مبادرات التغيير من الأسفل إلى الأعلى في مؤسسة تدريب عسكري"، إلى أنه يتطلب من القادة فهم المنظور الذي يتوقع منهم اتباعه، ويتطلب منهم فهم تأثير الثقافة التنظيمية ومقاومة التغيير على أي جهد لتنفيذ التغيير التنظيمي والحفاظ عليه. لذلك يلعب القائد دور مهم في عملية التقليل من مقاومة تغيير الثقافة التنظيمية.

لكن على الرغم من هذه التوصيات، يُعتبر تغيير ثقافة الشركة من الناحية العملية ليس بأمر بسيط، فتغيرها يُعتبر واحداً من أصعب التحديات التي تواجه القادة. وذلك لأن ثقافة الشركة تضم مجموعة متشابكة من الأهداف والأدوار والعمليات والقيم والممارسات والمواقف والافتراضات التي شكلت عمل الشركة الداخلية بمرور الزمن. ولذلك فتغيرها يتطلب قيادة استثنائية والتزام كبير تجاه الرؤية العليا التي من أجلها أُنشأت الشركة، مع أهمية معرفة كيفية الاستفادة من الفرص المتاحة وكيفية استخدام الأدوات المناسبة للتغيير.

تنويه: إن نسخ المقال أو إعادة نشره بأي شكل وفي أي وسيلة دون الحصول على إذن مسبق يعتبر تعدياً على حقوق الملكية الدولية ويعرض صاحبه للملاحقة القانونية.

ﺟﻣﯾﻊ اﻟﺣﻘوق ﻣﺣﻔوظﺔ ﻟﺷرﻛﺔ ھﺎرﻓﺎرد ﺑزﻧس ﺑﺑﻠﯾﺷﻧﻎ، ﺑوﺳطن، اﻟوﻻﯾﺎت اﻟﻣﺗﺣدة اﻷﻣﯾرﻛﯾﺔ - 2018

شاركنا رأيك وتجربتك

كن أول من يعلق!

التنبيه لـ

wpDiscuz
error: المحتوى محمي !!