في أوقات الأزمات قد يكون من الصعب على خبراء التسويق معرفة من أين يمكنهم البدء. ففي غضون بضعة أسابيع فقط، أصبح تركيز الأشخاص منصباً على حماية أنفسهم وعائلاتهم وموظفيهم وعملائهم ومجتمعاتهم. وقد عكست وسائل التواصل الاجتماعي ذلك بمناشدة المواطنين اتباع إرشادات السلامة التي أقرتها الحكومة. كما تجاوز الأشخاص اختلافاتهم للتعاون معاً وتوحيد جهودهم في مواجهة هذا العدو غير المرئي.

خلال شهر رمضان المبارك فقط: استفد من خصم 30% على الاشتراكات الرقمية السنوية والنصف سنوية

ومع الالتزام بالتباعد الاجتماعي الذي أجبر الكثيرين على البقاء في منازلهم، أصبحنا نشهد أيضاً تحولات كبيرة في التوجهات السلوكية. فقد عاود المستهلكون استخدام وسائل الإعلام التقليدية مثل البث التلفزيوني العادي والاشتراك في شبكات التلفزيون المدفوعة ومصادر الإعلام المميزة الأخرى للحصول على معلومات موثوق بها. كما أنهم يحاولون الهروب من الواقع والبحث عن المزيد من وسائل الترفيه من خلال تنزيل تطبيقات الألعاب وقضاء المزيد من الوقت على وسائل التواصل الاجتماعي ومشاهدة المزيد من الأفلام والبرامج بالبث التدفقي والاشتراك في القنوات المشفرة. وما بين ترتيبات العمل عن بُعد وحضور الدروس والمحاضرات الجامعية والمناسبات الاجتماعية التي تُبث على الهواء مباشرة، أصبحنا نستخدم النطاق الترددي المتاح في منازلنا في عالم لم يعتمد شبكات الجيل الخامس بشكل كامل حتى الآن.

وفي الوقت ذاته، فإن الحاجة إلى وجود سلع مادية ملموسة تمارس ضغطاً على القنوات الجديدة، وبخاصة مع زيادة الطلب على التجارة الإلكترونية ووصوله إلى مستويات جديدة. بالنسبة إلى هؤلاء الذين يضطرون للخروج، تُعد متاجر البقالة هي المصدر الذي يشترون منه الضروريات إلا أن هناك عدم اتساق في التوريدات. فالشواغل المتعلقة بالصحة والسلامة تدفع الكثير من العملاء إلى استخدام نُظم الدفع التي لا تتطلب احتكاكاً مع الآخرين مثل استخدام الهواتف المحمولة للدفع عند الخروج دون لمس أي سطح أو حتى قلم الكتابة على الشاشة.

قد تكون بعض تلك التغيرات السلوكية مؤقتة ولكن الكثير منها قد يستمر. فمع تجاوز الأشخاص مرحلة البقاء على قيد الحياة التي يعيشونها حالياً، من غير المرجح أن يعود الناس مرة أخرى إلى ممارسات ما قبل الزخم الحالي باعتماد التجربة الرقمية لأن الظروف فرضت على الأشخاص تجربة أشياء جديدة. ولكن مع كل هذه التغيرات التي تحدث بسرعة كبيرة في هذا الوقت العصيب، ما هي الإجراءات التي يمكن للعلامات التجارية اتخاذها لخدمة قاعدة العملاء وتنميتها والتخفيف من المخاطر والاهتمام بالموظفين؟

1. التحلي بالتعاطف والشفافية

يشعر الناس بالضعف والخوف في الوقت الحالي. لذا فإن إبداء التعاطف أمر بالغ الأهمية. على سبيل المثال، ألغت الكثير من البنوك رسوم السحب على المكشوف اعترافاً منها بالصعوبات التي يواجهها عملاؤها. وشركة "إس أيه بي" (SAP) أتاحت منصتها "كوالتريكس ريموت وورك بالس" (Qualtrics Remote Work Pulse) مجاناً للشركات التي تنتقل بشكل سريع إلى تبنّي طرق جديدة للعمل. فمثل هذه الحالات تُظهر التحلي بالتواضع في مواجهة قوة أكبر منّا جميعاً.

أصبحت الفروق الدقيقة في صوت العلامة التجارية أكثر دقة من ذي قبل. فالعلامات التجارية التي تستغل هذا الوقت العصيب تجارياً لن تحقق نتائج جيدة. ويُعد ما فعلته شركة "غينيس" (Guinness) مع اقتراب أحد الأعياد الدينية مثالاً جيداً على ذلك، حيث حوّلت تركيزها بعيداً عن الاحتفالات والتجمعات وبدلاً من ذلك اعتمدت على توصيل رسالة تشجع على الالتزام بإجراءات السلامة لعيش حياة مديدة في صحة وسلامة. لا نمتلك في ظل هذه الأزمة إجابات عن جميع الأسئلة المثارة، ونحن بحاجة إلى الاعتراف بذلك. فإذا قدمت تعهدات، حتى في الأوقات العصيبة، يجب أن تكون قادراً على الوفاء بها.

2. استخدام وسائل الإعلام بطرق أكثر مرونة

لكي يتمكن خبراء التسويق من الخروج برسائل مبتكرة بشكل سريع تتناسب مع تغير الظروف، سيحتاجون إلى بناء نماذج تشغيلية للاستجابة السريعة داخلياً ومع الوكالات، حيث ستصبح إمكانية الوصول إلى الإنتاج والقدرات الخلاقة عن بُعد ذات أهمية بالغة مع تطور الأزمة. على سبيل المثال، اعتمدت شركة "نايكي" (Nike) على الفور رسالة جديدة: "تمرَّن في منزلك للحفاظ على العالم". كما قامت شركة "تشيكيتا براندز" (Chiquita Brands)، من أجل تعزيز التباعد الاجتماعي وإبداء التزامها بالحفاظ على السلامة العامة، بحذف صورة ملكة جمال تشيكيتا من شعارها. وذكرت الشركة من خلال التسمية التوضيحية الخاصة بها على إنستغرام "أنا في المنزل بالفعل، من فضلك افعل مثلي واحمِ نفسك".

إلى جانب الأفكار الإبداعية، ونظراً إلى أن مزيج منصات وسائل الإعلام الفعلية التي يستخدمها المستهلكون يتغير بسرعة، ينبغي لخبراء التسويق النظر في تعديل مزيج وسائل الإعلام الذي يستخدمونه. على سبيل المثال، مع زيادة وسائل الترفيه الرقمية، قد يرغب خبراء التسويق في توسيع نطاق استخدامهم للبث المرئي المميز المدعوم بالإعلانات وألعاب الهاتف المحمول. وبالمثل، مع وصول استهلاك الأخبار إلى ذروته بسبب تزاحم المستهلكين للبقاء على اطلاع، لا ينبغي للعلامات التجارية أن تخاف من هذا التقارب، بالنظر إلى مستوى الاندماج والارتباط. فالأخبار يمكن أن تكون ببساطة بيئة تتطلب مراقبة دقيقة لعدد مرات ظهور الإعلانات لتجنب المبالغة في الكشف عن الأفكار الإبداعية، وهو ما يمكن أن يضر بقيمة العلامة التجارية.

3. ربط العلامة التجارية بأعمال الخير

سيتذكر الناس العلامات التجارية بما فعلته من أعمال خير في وقت الأزمة، خاصة إذا قامت بذلك بصدق وسخاء. يمكن أن تكون أعمال الخير هذه في شكل تبرعات لبنوك الطعام أو تقديم منتجات مجانية للأطقم الطبية أو الاستمرار في دفع رواتب الموظفين أثناء فترة إغلاق الشركة. من الأمثلة على ذلك شركة "أدوبي" (Adobe) التي أتاحت على الفور سحابتها الإبداعية لمؤسسات التعليم الأساسي لإيمانها بأن هذا هو وقت العطاء وليس الاستغلال التجاري. كما أنه من المرجح أن يتذكر المستهلكون على الدوام كيف أن شركات "فورد" و"جنرال إلكتريك" و"ثري إم" أقامت شراكة معاً لاستخدام قدراتها التصنيعية وأعادت الموظفين للعمل لتصنيع أقنعة التنفس وأجهزة التنفس الصناعي لمواجهة فيروس كورونا. وكذلك يقدّر المستهلكون للكثير من شركات المشروبات، مثل "دياجو" (Diageo) و"أيه بي إنبيف" (AB InBev)، أنها استخدمت قدراتها على التصنيع في تصنيع معقمات الأيدي بغية الحد من نقص إمدادات تلك المستلزمات الطبية تحت شعار "بأيدينا أن نصنع فرقاً".

المحتوى الذي يرفع المعنويات ويحد من شعور الناس بالقلق ويعزز الرسائل الإيجابية سيقطع شوطاً طويلاً في تعزيز العلامة التجارية. ولكن الشركات بحاجة إلى إظهار أن مساهماتها مادية وأنها ليست من أجل المنفعة التجارية فقط. فالمستهلكون يقدّرون المصداقية والأصالة والغايات الحقيقية.

4. تتبُّع التوجهات ووضع السيناريوهات

التتبع المستمر للتوجهات ذات الصلة بالسلوك البشري سيساعد خبراء التسويق على اكتساب رؤى أفضل بصورة آنية. لذا سيتعين على خبراء التسويق قياس التوجهات ذات الصلة بالمشاعر والاستهلاك بصفة منتظمة لتكييف الرسائل على نحو أفضل، وملاحظة المحادثات عبر منصات وسائل التواصل الاجتماعي والمواقع المجتمعية وصفحات منتجات التجارة الإلكترونية للبحث عن فرص واكتشاف الأزمات الوشيكة بسرعة أكبر. كما ينبغي للشركات النظر في بناء لوحات متابعة بشكل سريع تضم هذا النوع من البيانات للاستنارة بها في اتخاذ قرارات صائبة.

يجب على خبراء التسويق أيضاً النظر في بناء علاقات أعمق مع زملائهم في المناصب التنفيذية العليا لتقديم رؤى متعمقة للمسؤولين التنفيذيين الذين سيشاركون على نحو متزايد في اتخاذ خيارات التسويق. ويجب أن يعمل فريق التسويق على نحو وثيق مع الفريق المالي وفريق العمليات للتنبؤ بالسيناريوهات المختلفة والنتائج المحتملة، بناء على مدة استمرار الأزمة.

5. التكيف مع الطرق الجديدة للعمل للاستمرار في تقديم أداء جيد

من المشجِّع أن الكثير من الشركات تمكنت من الانتقال سريعاً إلى ترتيبات العمل عن بُعد، حيث إن تقنيات التعاون المنتشرة يمكنها بسلاسة إتاحة الدردشة ومشاركة الملفات وعقد الاجتماعات والاتصالات، ما يمكّن الفِرق من أن تبقى على اتصال وأن تحافظ على إنتاجيتها. وبالفعل بدأ ظهور الساعات السعيدة الافتراضية تكيفاً مع الوضع الجديد لرفع معنويات الفريق. كما أصبح الشركاء "يقدمون العروض الترويجية" عن بُعد، تسليماً بأنه من غير المرجح إجراء اجتماعات المبيعات وجهاً لوجه لأسابيع قادمة. يجب أن يبذل القادة قصارى جهدهم ليصبح كل عنصر من عناصر نموذج التشغيل، من التسويق إلى المبيعات والخدمات، متكيفاً مع الوضع الجديد. ستنبثق مصادر جديدة للابتكار، بل وسيتمخض تحسن هامشي من قلب الأزمة التي نعيشها الآن.

كيف يمكننا التخطيط للمرحلة التالية وما بعدها؟

نحن الآن في مرحلة الاعتراف بالأزمة التي سبّبها فيروس "كوفيد-19" والتكيف معها. ولكن أيضاً علينا التخطيط لحياة ما بعد الأزمة. بينما نتصرف فيما نعرفه، يجب على القادة في مجال التسويق العمل خارجياً للحفاظ على علاماتهم التجارية ورحلات الزبائن قدر الإمكان، مع العمل داخلياً في الوقت نفسه على 3 أشياء:

  1. فهم تأثير تعطُّل الأعمال والاستمرار في الاستجابة لما هو غير متوقع.
  2. الاعتماد على الطرق الرقمية في العمل والتواصل مع العملاء، مع العلم أن هذا قد يكون له آثار دائمة.
  3. الحد من المخاطر التي تهدد تجربة العملاء من خلال التفكير بشكل واقعي من الخارج إلى الداخل.

لا شك أن هناك تسارعاً اضطرارياً في خطط التحول الرقمي نظراً إلى السرعة التي تقبَّل بها العملاء والموظفون الرحلات والتجارب المتاحة رقمياً.

يجب على جميع العلامات التجارية التفكير والعمل والقيادة بطرق جديدة أثناء هذه الظروف العصيبة غير المسبوقة، وسيتعين علينا جميعاً أن نتعاون معاً متحلين بالثقة والتواضع.

الآراء التي تعبر عنها هذه المقالة هي آراء المؤلفة ولا تعكس بالضرورة آراء مؤسسة "إرنست آند يونغ" (Ernst & Young LLP) العالمية أو أي من الشركات الأعضاء فيها.

تنويه: يمكنكم مشاركة أي مقال من هارفارد بزنس ريفيو من خلال نشر رابط المقال أو الفيديو على أي من شبكات التواصل أو إعادة نشر تغريداتنا، لكن لا يمكن نسخ نص المقال نفسه ونشر النص في مكان آخر نظراً لأنه محمي بحقوق الملكية الدولية. إن نسخ نص المقال بدون إذن مسبق يعرض صاحبه للملاحقة القانونية دولياً.

ﺟﻣﯾﻊ اﻟﺣﻘوق ﻣﺣﻔوظﺔ ﻟﺷرﻛﺔ ھﺎرﻓﺎرد ﺑزﻧس ﺑﺑﻠﯾﺷﻧﻎ، ﺑوﺳطن، اﻟوﻻﯾﺎت اﻟﻣﺗﺣدة اﻷﻣﯾرﻛﯾﺔ - 2020

اترك تعليق

قم بـ تسجيل الدخول لتستطيع التعليق
avatar
  شارك  
التنبيه لـ
error: المحتوى محمي !!