إن ترسيخ الثقافة الصحيحة، في عصر تتسارع فيه وتيرة أداء فرق العمل، حيث يعمل الناس في مجموعة مختلفة من المشاريع مع مجموعة مختلفة من الزبائن، قد يبدو أمراً صعباً، إن لم يكن مستحيلاً. لكن تجربتي تقول بأن العمل الجماعي هو الثقافة السائدة في أكثر الشركات ابتكاراً في العالم.

يقوم العمل الجماعي على تحديد الأشخاص المتعاونين والتعرّف بسرعة على مهاراتهم ومعارفهم بحيث يمكنهم العمل معاً من أجل إنجاز ما هو مطلوب منهم. هذا الأسلوب الأكثر مرونة في العمل الجماعي آخذ بالتزايد في العديد من الصناعات والقطاعات الاقتصادية، لأن أي عمل، مهما كان، وسواء تعلق بالعناية الطبية بالمرضى، أو بتطوير أحد المنتجات، أو باتخاذ قرارات استراتيجية، ينطوي على عمليات معقدة من الاتكال المتبادل بين الأشخاص المعنيين على بعضهم البعض، ويتعيّن التعامُل مع هذه العمليات المعقدة بصورة فورية. كما أننا نشهد تقلّصاً متزايداً في الزمن الفاصل بين ظهور قضية ما والمدة التي يجب حلّها خلالها. لذلك فإن التمهّل قليلاً لتكوين الفريق المثالي وتهيئته لإنجاز المهمّة والتصدّي للقضايا المتحرّكة بسرعة ليس بالأمر العملي دائماً، بينما العمل الجماعي بروح الفريق هو المخرج الدائم والصالح أبداً.

يتعيّن على قادة اليوم إرساء ثقافة تقوم على توقع الجميع لأداء عملهم بصورة جماعية وشعورهم بأن ذلك هو الوضع الطبيعي، وهذا الأمر يبدأ مع تشجيع كل الأشخاص على التمتع بالفضول، والشغف، والقدرة على التعاطف مع الآخرين.

فالفضول هو ما يدفع المرء إلى محاولة استكشاف ما يعرفه الآخرون وما الذي بوسعهم تقديمه للعمل. أمّا الشغف فإنه يلهب الحماسة ويشكّل الدافع لبذل أقصى جهد ممكن. بينما تعتبر القدرة على التعاطف مع الآخرين، ملكة تقوم على تفهّم شعور الآخرين والإحساس بهم، وهذا أمر في غاية الحساسية من أجل التعاون الفعّال أثناء العمل تحت الضغوط.

تكمن مهمّة القائد الحقيقي في تجسيد نموذج يحتذى لهذه السلوكيات. فعندما يطرح هؤلاء القائدة أسئلة صادقة ويصغون بإمعان إلى الإجابات عنها، ويبدون حماسة عميقة لإنجاز أهداف الفريق، ويُظهرون مدى انسجامهم مع الآراء المتنوّعة لكل شخص، مهما كانت مرتبته الوظيفية، فإن الفضول، والشغف، والقدرة على التعاطف مع الآخرين تبدأ في التجذّر في ثقافة المؤسسة. فعندما تنضم إلى فريق غير مألوف بالنسبة لك أو تبدأ في تحدّي مشروع جديد، فإن حماية الذات هي غريزة طبيعية. ومن غير الممكن أن تبدو شخصاً جيّداً أو أن تكون على حق دائماً عند التعاون لإنجاز مشروع محصلاته غير معلومة بدقة. ولكن عندما تكون مهتمّاً بنفسك فقط، فإنك تميل عادة إلى إبداء قدر أقل من الاهتمام بالآخرين، وإلى إظهار شغف أقل بالقضية المشتركة، ولن تكون قادراً على فهم مختلف وجهات النظر. لذلك يحتاج تغيير هذه الثقافة إلى عمل قائم على الوعي.لنأخذ على سبيل المثال حالة جولي موراث، وهي الرائدة في إطلاق مبادرة للعناية بسلامة المرضى في مستشفى الأطفال في مينيسوتا، قبل فترة طويلة من انتشار هذا الأمر على نطاق واسع في القطاع الطبي. فلكي تلفت جولي انتباه الموظفين، لجأت إلى إلقاء الخطابات حول سلامة المرضى، واجتمعت شخصياً مع أصحاب الرأي في المؤسسة. ومع ذلك فقد أبدى الموظفون مقاومة للجهود الرامية إلى التغيير، وكانوا واثقين تمام الثقة أن لا مشكلة فعلياً في المستشفى. وعوضاً عن أن تستغل جولي منصبها لمجادلة الآخرين بقناعاتها بقوّة أكبر، عمدت دوماً إلى الرد على الموظفين من خلال طرح أسئلة من قبيل: “ما هي أهم تجربة مرّرتم بها مع المرضى هذا الأسبوع؟ هل كانت الأمور على درجة الأمان التي كنتم ترغبون بها؟”

هذه الاستفسارات البسيطة أدّت إلى تحوّل في العلاقة، وبدأت تتغيّر ثقافة المؤسسة نحو ثقافة تقوم على العمل الجماعي من أجل تحسين درجة الأمان. فالأسئلة التي طرحتها موراث جعلت الموظفين يدركون أن معظمهم كانوا في قلب نظام للرعاية الصحية يواجه مشكلة في مكان ما، وأن المستشفى قادر على تحسين أدائه بكل تأكيد. وقد تابعت موراث عملها لتقود 18 مجموعة عمل سمحت لهؤلاء الناس بالتعبير عن مخاوفهم وطرح أفكارهم. وبعد أن ناقش الجميع كل الحوادث التي واجهوها، بات من الواضح تماماً أن تجربتهم لم تكن فريدة؛ فالعديد منهم كانوا قد مرّوا بقصص مشابهة.

إظهار موراث للفضول كان قد ساعد الآخرين على اكتساب فهم شخصي أعمق لطريقة عمل المؤسسة. كما أنها أبدت شغفاً بسلامة المرضى، وهذا الشغف تحوّل إلى مشاعر مُعديِة مسّت الجميع. أخيراً، هذا الإحساس بشعور الآخرين، والذي كانت لا تخطئه عين المرء، لم يمتد ليشمل المرضى الذين كانت الرعاية الأفضل ستنقذ حياتهم فحسب، وإنما دفع الموظفين إلى العمل الجماعي المبدع رغم ظروف العمل اليومي الضاغط.

تنويه: إن نسخ المقال أو إعادة نشره بأي شكل وفي أي وسيلة دون الحصول على إذن مسبق يعتبر تعدياً على حقوق الملكية الدولية ويعرض صاحبه للملاحقة القانونية.

ﺟﻣﯾﻊ اﻟﺣﻘوق ﻣﺣﻔوظﺔ ﻟﺷرﻛﺔ ھﺎرﻓﺎرد ﺑزﻧس ﺑﺑﻠﯾﺷﻧﻎ، ﺑوﺳطن، اﻟوﻻﯾﺎت اﻟﻣﺗﺣدة اﻷﻣﯾرﻛﯾﺔ - 2018

اترك تعليق

قم بـ تسجيل الدخول لتستطيع التعليق
avatar
  شارك  
التنبيه لـ
error: المحتوى محمي !!