تابعنا على لينكد إن

طوال حملة الانتخابات الرئاسية الأميركية السابقة، كان تعامل دونالد ترامب المكثف مع حسابه على “التويتر”، مثار جدل المعلقين والمتابعين من كافة الاتجاهات السياسية. قام ترامب بتجاهلهم، واستمر بتجاوز وسائل الإعلام الرئيسية، مفضلاً التقانة التي تمنحه إمكانية إيصال رسائل استفزازية بشكل مباشر، ومتكرر، في كل ساعة، بدون رقيب.

ليس من الصعب إثبات أن تغريداته عبر “تويتر” جعلته في قمة هرم الانتخابات، هذه التغريدات جذبت بشكل لا يمكن إنكاره اهتمام العموم (الصحافة ضمناً) واستمرت حتى الآن في ذلك. فيما يلي ما يمكن لقادة الأعمال تعلمه من أسلوب الرئيس الأميركي بالاعتماد على التغريدات، حول كيفية كسب قطاعات كبيرة من المستهلكين عبر وسائل التواصل الاجتماعي.

يقول دانكان واتس الباحث الرئيسي في مركز مايكروسوفت للأبحاث، والذي درس علم اجتماع الشبكات لعقود: “إن تسويق البذور الكبيرة يتفوق على التسويق الفيروسي”. ويقترح واتس في مفهومه (تسويق البذور الكبيرة) أن بإمكان الرسالة الانتشار بشكل أسرع وبطريقة ممنهجة أكثر فيما لو تم “نثر” هذه البذرة بين الكثير من الأشخاص. وهو الأمر الذي يختلف بشدة عن طريقة “التسويق الفيروسي”، حيث يحاول التسويق الفيروسي أن يُوجد “حالة وبائية” سائدة من الاهتمام، عبر استهداف مجموعة محدودة من الأشخاص المؤثرين، الذين سينشرون بدورهم الرسالة للأشخاص المتصلين بهم. وفي حال فشل هؤلاء الأشخاص المتصلين بهم من تمرير الرسالة، فسرعان ما ستتلاشى الرسالة وتختفي. يُعتبر تسويق البذور الكبيرة ذو اعتمادية أعلى من تصميم محتوى يحاكي مواصفات مقاطع فيديو القطط على أمل أن ينتشر فيروسياً. واستخدمت شركات مثل شركة “باز فيد” (BuzzFeed) نموذج البذور الكبيرة لخلق مواقع أخبار ناجحة على شبكة الإنترنت وإعلانات الأعمال.

استخدم ترامب نظرية واتس على نطاق واسع. حيث بدأ مع تربة خصبة كبيرة مجهزة لاستقبال بذوره، فقبل الانتخابات بيوم واحد كان لديه: أكثر من 19 مليون متابع على “التويتر”، و18 مليون معجب على “فيسبوك”، وقرابة خمسة ملايين متابع على “الإنستغرام”. كما قامت الإذاعات وهيئات البث وشبكات التلفزيون بتضخيم حملة ترامب بطريقة غير مقصودة، حيث أنهم في كل مرة قاموا بنشر خبر عن أحد تغريدات أو منشورات ترامب، قاموا فعلياً بنثر بذرة هذه الرسالة بين ملايين المشاهدين، والذين قاموا بدورهم بإعادة نشر هذه الرسائل. وساعد هذا التكامل بين وسائل التواصل عبر الإنترنت ووسائل الإعلام الأُخرى في مضاعفة عدد متابعين ترامب على “التويتر” مرتين خلال الحملة الانتخابية. لقد أدرك ترامب بشكل أفضل من منافسيه كيف تتضافر وتتكامل وسائل التواصل الاجتماعي مع وسائل الإعلام في إيصال الرسائل، ما جعله يوفر مبلغاً يقدر باثنين مليار دولار من البث المجاني خلال شهر مارس/آذار 2016.

إذاً، الدروس المستفادة لقادة الأعمال باتت واضحة: عليكم بدراسة مبادئ تسويق البذور الكبيرة وتطبيقه من خلال نثر رسائلكم عبر أكبر قدر من الأشخاص بشكل مباشر.

لا يمكنك أن تحوز على فوائد الحجم الكبير لهذا الأسلوب إلا في حال كون المحتوى لافتاً للانتباه. فلو لم يكن محتوى تغريدات ترامب مستفزاً جداً، لما قامت بنشره الوسائل الإعلامية التقليدية. قام ترامب في تغريداته بتسمية أشخاص محددين وطالب بالإجابة عن تساؤلاته. اللافت للنظر أنه خاض هذه المواجهات الشخصية أمام حشد كبير من الأشخاص، على سبيل المثال مواجهته مع الممثلة الأميركية ميريل ستريب، والرئيس التنفيذي لشركة “فورد”، ومع زعيم اتحاد العمال المحلي لمعمل شركة “الناقل” (Carrier) في إنديانا بوليس ضمن الولايات المتحدة. الأشخاص على الطرف الآخر (المستهدفين) أدركوا بسرعة أنهم تحولوا إلى مرمى للنيران بشكل متناسب مع ضخامة علامتهم أو سمعتهم، وأنه كلما كانت علامتهم أكبر كان الوقوع مدوياً أكثر، كما أنه من ناحية أُخرى جلب وجودهم على الطرف الآخر منافع عظيمة كما أثبتت مجلة النيويورك تايمز وشركة “نوردستروم”.

كانت تغريدات ترامب استفزازية لأنها تصيب الهدف بشكل مباشر، تتحدث بشجاعة عن مواضيع تشكل معاناة للكثيرين: التنوع العرقي، الوطنية في مواجهة العولمة، انعدام الأمن المالي، حالة عدم المساواة، التمييز القائم على الجنس وغيرها من المواضيع.

هتف معجبوه له من خلال إعادة تغريد رسائله أو إعجابهم بها، بينما تمنى أعداؤه لو يستطيعون النيل منه خلال منشوراتهم وردودهم. استخدم ترامب التغريدات للحصول على صدى ثقافي، وهو الطموح الكبير للعلامات التجارية اليوم، واستطاع الحصول عليه. وأدرك أنه يقوم بتأليف وخلق معنى لعلامته الخاصة، وفهم أنّ إيجاد العلامة هو جهد مشترك، إنتاج متضافر على المستوى الثقافي.

تحث حدود تغريدة التويتر ذات الـ140 حرفاً على إنتاج رسائل قابلة لإعادة الاقتباس بشكل خاطئ. وضمن هذه الحدود، يجد ترامب نفسه غير مضطر لشرح التفاصيل، أو توضيح السياق، ما يجعل النص قابلاً لعدة أوجه من التأويل. ويستدعي هذا الأسلوب الكثير من الجدل، ما يشجع الإعلام على التقاط الرسائل وبالتالي تزايد المتابعين.

يجب على القادة الأخذ بعين الاعتبار كيف يمكنهم أن يجعلوا رسائلهم مستفزة لكي تجلب الانتباه وتشجع الحوار بعيداً عن منصات التواصل الاجتماعي، حيث تم إطلاق الرسالة أصلاً.  فتحديد مستوى الاستفزاز في الرسالة، يعني مقارنة المخاطر بالمكاسب.

يخلق عرض الذات بشكل مباشر صلة شخصية. على عكس أسلوب الرئيس الأسبق باراك أوباما، الذي استخدم وسائل التواصل الاجتماعي لحشد وتحريك المؤيدين بشكل جمعي، فاستخدم ترامب “تويتر” للتعامل مع جمهوره مباشرة كأفراد. إذ تُعتبر تغريدات ترامب غير خاضعة للتصفية، عفوية، يكشف فيها عن مشاعره وعواطفه الشخصية حيال كل شيء بدءاً من الإعلام وانتهاء بشركة التجزئة والتجارة الإلكترونية (L.L. Beans) ، ما يخلق الانطباع بأنّ المتابع على علاقة شخصية مع ترامب،  وسواء أكانت الرسالة محببة أم مكروهة، فقد آمن الأشخاص بأنهم يعرفون ترامب الحقيقي. هذا التواصل الذي يبدو للعيان وكأنه على المكشوف من رجل إلى رجل، حاملاً التفاصيل الدقيقة والجمال بآن معاً، قدم شخصيته بشكل أصيل وموثوق، وهو أمر مرغوب، ما شكل قاعدة قوية للتأثير (وردود أفعال) أكبر مما قدمته وسائل الاتصال الجماهيري في أي وقت مضى.

الدرس الواجب على قادة الأعمال فهمه هو التالي:

الأصالة مطلوبةٌ. إنها المكون السري الذي ينقل رسائل فرد إلى مجموعة، ويخلق علاقة بين الفرد وكل فرد من المتلقين على حدة، مع فوائد ضخمة للعلامة أو السمعة.

قارن المخاطر بالعوائد. التوجه المباشر للجمهور بصوت أصيل، هو أسلوب فعال من حيث التكلفة، حيث تُعتبر طريقة استخدام ترامب للتويتر هي التي أكسبته جاذبية هائلة، وبالمقابل فإنه دفع تكلفة تعادل أجزاء صغيرة مما دفعه منافسوه لكي ينشروا رسائلهم. خلال مسابقات ترشيح الحزب الجمهوري، وتغلب ترامب على 16 منافساً بدون أن ينفق أي مبالغٍ تُذكر على الإعلانات. على سبيل المثال: كانت تكلفة الصوت في الانتخابات التمهيدية لترامب هي 2 دولار أميركي فقط، جزء بسيطٌ من تكلفة الصوت لمنافسه كريس كريستي والبالغة 257 دولار أميركي (الأعلى بين الجمهوريين)، ليندسي غرام 247 دولار للصوت، جب بوش 241 دولار للصوت. أما في الانتخابات العامة فقد فاق إنفاق هيلاري كلينتون إنفاق ترامب بنسبة 1:3 تقريباً، 211.4 مليون مقابل 74 مليون، خلال شهر أكتوبر/ تشرين الأول لعام 2016. وعلى الرغم من أنّ ترامب زاد إنفاقه الإعلاني في الأسابيع الختامية لحملته الانتخابية، فإن الكثير منها ذهب إلى وسائل التواصل الاجتماعي.

لكن، تفشل هذه الحسابات في تقييم المخاطر الكبرى التي تحملها هذه الاستراتيجية. فالرسائل التي تجذب الانتباه هي تلك الرسائل التي تعمل على استفزاز الآخرين، فهي تستقطب، تنفّر، تحيّد وتلهب. إنها تتجاوز الحدود وتدفعها بعيداً، وتجعل الأشخاص في حالة اضطراب، إنها تأتي من أشخاص لا يخشون أن يكونوا على خطأ. يبقى السؤال أمام قادة الأعمال الذين يرغبون بتبني هذه الاستراتيجية هو: إلى أي درجة أنت مستعد لكي تكون مستفزاً؟

لم يسبق لأحد أن استثمر استراتيجية البذور الكبيرة ومزايا وسائل التواصل الاجتماعي جنباً إلى جنب مع وسائل الإعلام في سبيل أن يكون رئيساً. ولكن هناك قصص نجاح ملحوظة أُخرى:

لدى ريتشارد برانسون مؤسس مجموعة “فيرجن غروب”  9.2 مليون متابع على التويتر، أما رجل الأعمال مارك كوبان الذي باع موقع ويب غير رابح لشركة “ياهو” في عام 1999 بمبلغ 5.7 مليار دولار، واشترى نادي “دالاس مافريكس” والبطل في سلسلة عروض (Shark Tank) فلديه على التويتر 6.1 مليون متابعٍ. أما الشخص الأنجح فقد تكون كيم كارداشيان التي حولت متابعيها والبالغ عددهم تقريبا 49.5 مليوناً (بنتيجة برنامج تلفزيوني شهير) إلى عالم من الأعمال تبلغ قيمته 300 مليون دولار أميركي.

كل واحد من هؤلاء كان استفزازياً على طريقته الخاصة، لكن لم يقم أي أحد من قبل بفعل ما فعله ترامب. لعل أكثر شخص مشابه لترامب في عالم الأعمال هو جون ليجيرو، الرئيس التنفيذي لشركة “تي موبايل” (T-Mobile)، والذي قام من موقعه الأضعف تجاه بقية المنافسين بإشعال نار المنافسة باستمرار، بل ذهب أبعد من ذلك عندما قام بمواجهة ترامب شخصياً ليبني علامته وسمعته.

في المقابل، يميل المدراء التنفيذيون في الغالب إلى تفضيل الطريقة الآمنة نسبياً لتطوير علاقاتهم من خلال الكشف عن شخصياتهم، بدلاً من الاستفزاز في سبيل بناء الجمهور المتابع لهم. يجعل المدير التنفيذي الذي يستطيع التواصل بصوت أصيل الآخرين يشعرون بصدقهم وبشخصيتهم الحقيقية عبره، من المرجح أنهم سيبنون تواصلاً جيداً مع الجمهور. انظر إلى حالة المدير التنفيذي لشركة بوكس (Box) آرون ليفي، الذي قام بنشر تعليقات على تغريدات ترامب، نشر ريتشارد برانسون أشعاره التي كتبها لحبيبته الأولى، قيام تيم كوك الرئيس التنفيذي لشركة “آبل” (Apple) بنصيحة متابعيه بالاستماع إلى ألبوم فرقة (One Republic ) الجديد، اعتراف أوبرا وينفري بحبها لنادي بيسبول (Chicago Cubs) أثناء بطولة العالم. لكل هذا يحصل الحساب الشخصي للمدراء التنفيذيين عبر وسائل التواصل الاجتماعي على متابعين واهتمام أكبر مقارنة بحساب الشركة على وسائل التواصل الاجتماعي نفسها.

ربما يُنصح باستخدام الاستفزاز الكبير فقط في حالة واحدة، عندما لا يكون للمدير التنفيذي أي شيء يخسره، والذي كان صحيحاً في حالة ترامب، حيث أنه كان من المستبعد له أن يفوز بالرئاسة، وليجيري الرئيس التنفيذي لشركة “تي موبايل”. وفي سياق رئاسة ترامب حالياً، فلا تزال الآثار المترتبة على استخدام استراتيجيته غير واضحة، كما أنه لم يتم قياس نجاحها بشكل كبير في سياق عالم الأعمال. ولكن العام 2016 أُثبت لنا أننا حقاً في عالم جديد من بناء العلامات التجارية والسمعة.

تنويه: إن نسخ المقال أو إعادة نشره بأي شكل وفي أي وسيلة دون الحصول على إذن مسبق يعتبر تعدياً على حقوق الملكية الدولية ويعرض صاحبه للملاحقة القانونية. جميع الحقوق محفوظة لشركة هارفارد بزنس ببليشينغ، بوسطن، الولايات المتحدة الأميركية – 2017.

هذه المقالة عن استراتيجية

شاركنا رأيك وتجربتك

كن أول من يعلق!

التنبيه لـ

wpDiscuz