لقد خضنا جميعاً تجربة المشاريع ذات التكاليف الوشيكة، وهذه الذكرى غير محببة بالنسبة إلى الكثيرين منا.

ما عدد مبادرات خفض التكاليف التي خاضتها شركاتنا خلال السنوات الأربع عشرة الماضية؟ والأهم من ذلك، هل نستعرض تلك المبادرات على أنها مبادرات محدثة للتغيير ويمكنها مساعدتنا على تحقيق النجاح وقيادتنا إلى تحقيق النمو؟

قد يجيب كبار المدراء التنفيذيين في معظم المؤسسات الكبرى على السؤال الأول بـ "كثيرة جداً"، وعلى السؤال الثاني بـ "لا". نطلق على هذا الوضع مصطلح إدارة التكاليف. عندما أجرينا بحوثاً من أجل كتابنا، توصلنا إلى أنّ الأسباب الرئيسة وراء معاناة معظم الشركات من هذه المتلازمة تتمثل في قيامها بتخفيضات شاملة لا صلة لها باستراتيجيتها، وإخفاقها في جعل التخفيضات مستدامة. تنتظر معظم المؤسسات أن تعترضها مشكلة لكي تتصرف، ولا يتاح لها الوقت عندئذ لتقوم بالمفاضلات الصحيحة على المدى البعيد. 

خلافاً لذلك، تعد الشركات المدارة على أفضل وجه إدارة التكاليف كوسيلة لدعم استراتيجياتها، والتكلفة استثماراً قيماً من شأنه أن يدعم نموها، وتوجه أموالها إلى استراتيجياتها لتخفض باستمرار التكاليف السلبية وتعيد توجيه مواردها إلى التكاليف الإيجابية. في النهاية، ما هي فرصنا لتحقيق النمو إذا لم نوجه النفقات إلى الأماكن الصحيحة ؟ 

تبذل فرق الإدارة في شركات كهذه جهوداً كبيرة في الفصل بين التكاليف التي تدعم مزاياها البارزة وتلك التي لا تدعمها، وتستند في اتخاذ قراراتها حول مواضع تخفيض النفقات والقيام باستثمارات إلى ضرورة دعم أعظم مواطن قوتها المتمثلة في الكفاءات التي تمكنها من إيجاد قيمة فريدة للعملاء. يعد هذا الفارق الهام أسلوب حياة في الشركات الرائدة التي درسناها، مثل أمازون وسيمكس وفريتو-لاي (Frito-Lay) وإيكيا وليغو وستاربكس، حيث تخفض نفقاتها لتزداد قوة. 

يمكنك أن تشهد هذا النهج المختلف المتبع في توزيع التكاليف أثناء العمل في الطريقة التي تتصرف وفقها الشركات الرابحة في أوقات المِحن. عندما تولى روجر إنريكو منصب الرئيس التنفيذي في شركة فريتو-لاي عام 1991، كانت الشركة تستحدث نهجاً مبتكراً ومميزاً للتوصيل المباشر للمتاجر ليتيح لها تسليم المنتجات الصحيحة دوماً إلى المتاجر الصحيحة في الوقت المناسب. في غضون ذلك، كانت إيجل سناكس تحوز على حصة في السوق من خلال المنتجات الجديدة المبتكرة ونظام التوزيع الخاص بها. أدرك إنريكو أنه كان على فريتو-لاي أن تستثمر بشكل رئيس في جودة المنتجات لتواجه التهديد التنافسي، وقرر البدء بخفض التكاليف الإدارية والعامة بمقدار 100 مليون دولار أميركي أي بنسبة 40%. كان الأمر مفجعاً، وتضمن تسريح 1,800 شخصاً من الإداريين والفنيين خلال يوم واحد، إلا أن هذا الحدث أزال طبقات من الإدارة والعديد من الأساليب غير اللازمة في الشركة، ما أدى إلى مستوى استجابة وفعالية أعلى بكثير، وأتاح المال لاستثماره في قدرات فريتو-لاي المميزة – إذ لم يقتصر ذلك على قدرات التوصيل المباشر إلى المتاجر، ولكنه شمل أيضاً الابتكار في التصنيع والمنتجات والتسويق إلى المستهلك. تهيمن فريتو-لاي حالياً على الشوارع في أسواقها، فضلاً عن امتلاكها العديد من العلامات التجارية بقيمة مليار دولار أميركي. 

ثانياً، أعد النظر بالتكاليف فيما يخص القدرات. تختفي الاستثمارات في القدرات ضمن مجموعة من الميزانيات الوظيفية في العديد من الشركات. اكشف هذه الميزانيات ونظم الآثار الاستراتيجية المترتبة على أنماط إنفاقك الحالية. ليس من السهل القيام بذلك، إذ لا تخصص معظم أنظمة متابعة النفقات تكاليف للقدرات، ومن المرجح أن تتسبب باضطراب في النواحي الثقافية والتشغيلية، ولكن يمكن أن تؤدي إلى نجاح باهر لأنها توجد نقاشات مثمرة بين المدراء التنفيذيين حول ما يلزمك فعلاً كي تربح في السوق. 

ثالثاً، اعرض جميع النفقات المتعلقة بأنشطة المؤسسة، وانقلها مجازياً إلى "مكان انتظار"، ومن ثم قرر ما إذا كنت ستعيدها أم لا واحدة تلو الأخرى. ستحصل القدرات المميزة على الموارد التي تحتاج إليها لتحقق كامل إمكاناتها، وستدفع تكاليفها من خلال تخفيض كل شيء آخر. ندعو ذلك "الموازنة من الصفر"، وهذه الموازنة تتيح لك التخلص من الممارسات السابقة المتعلقة بالميزانية، والتي تصبح في العديد من الشركات بمثابة اختلافات حول موضوع "فائض السنة الماضية X النسبة المئوية". 

رابعاً، اجعل خطتك لإدارة التكاليف مستدامة. أسس أنظمة مالية تخلق المزيد من الشفافية حول التكاليف "الإيجابية"، المقترنة بتمييز القدرات، والتكاليف "السلبية" التي يمكن الاستغناء عنها، مستغلاً ثقافتك لرفع مستوى الوعي بالفروق الحاصلة. اربط عملية وضع ميزانيتك بشكل وثيق بعملية التخطيط الاستراتيجي التي تقوم بها لتضمن استمرار حصول القدرات المختلفة على استثمارات متفاوتة، بينما تدار النفقات الأخرى بحزم. في ثقافة "ملكية حقيقية"، يصبح الوعي بالتكاليف قدرة تنظيمية وطريقة تفكير مشتركة، بدلاً من حفنة من القوانين المكروهة والمثيرة للاستياء. يتعامل الموظفون مع جميع قرارات الإنفاق وكأن الأموال تأتي من جيوبهم، حتى عندما لا يراقبهم أحد. 

أخيراً، كن سباقاً، وأصلح المشكلات قبل تفاقمها،  فقد لا تحظى بترف اتخاذ القرارات الصحيحة حالما تقع في مشكلة. إن إيجاد عقلية إدارة تكاليف مستمرة تربط التكاليف بالاستراتيجية هي أفضل طريقة لضمان ألا تصاب شركتك بالإرهاق. 

ستتيح إدارة التكاليف بهذه الطريقة المجال لمؤسستك لتتخذ القرارات الصحيحة على المدى الطويل، أي القرارات اللازمة لرأب الهوة بين الاستراتيجية والتنفيذ – وستكون العوائد مجزية للغاية.

تنويه: يمكنكم مشاركة أي مقال من هارفارد بزنس ريفيو من خلال نشر رابط المقال أو الفيديو على أي من شبكات التواصل أو إعادة نشر تغريداتنا، لكن لا يمكن نسخ نص المقال نفسه ونشر النص في مكان آخر نظراً لأنه محمي بحقوق الملكية الدولية. إن نسخ نص المقال بدون إذن مسبق يعرض صاحبه للملاحقة القانونية دولياً.

ﺟﻣﯾﻊ اﻟﺣﻘوق ﻣﺣﻔوظﺔ ﻟﺷرﻛﺔ ھﺎرﻓﺎرد ﺑزﻧس ﺑﺑﻠﯾﺷﻧﻎ، ﺑوﺳطن، اﻟوﻻﯾﺎت اﻟﻣﺗﺣدة اﻷﻣﯾرﻛﯾﺔ - 2019

اترك تعليق

قم بـ تسجيل الدخول لتستطيع التعليق
avatar
  شارك  
التنبيه لـ
error: المحتوى محمي !!