ما كانت يان وانغ، المدير المالي السابق لشركة فايتال سمارتس (VitalSmarts)، لتنجو من قبضة الحكومة الصينية في عهد الرئيس ماو تسي تونغ لو جازفت واتّبعت بعض الأساليب الدخيلة على الثقافة الصينية السائدة آنذاك، كمساءلة ذوي السلطة والمناصب الرفيعة. ولقد تميّزت يان، كمدير مالي لشركتنا، بإتقانها التام لعملها واتّباعها أعلى معايير الأخلاق المهنية. غير أنها كانت تجد صعوبة بالغة في تحدي الوضع الراهن، وبخاصة إذا ما عنى ذلك توجيه الانتقاد لأحد مالكي شركتنا.

لقد كانت يان ترتجف بكل ما تعنيه الكلمة من معنى حينما جاءت في أحد الأيام توحي إلى زميلي آل بأنّ بضعة الدولارات التي يأتي بها إلى الشركة من بيع نسخ من كتابنا في الفعاليات العامة بالكاد تستحق الوقت الذي يستغرقه فريق المحاسبة في إدخالها إلى سجلات الشركة. وظلت تتحدث بالموضوع بتوتّر واضح إلى أن قال لها زميلي آل: "ماذا تقترحين عليّ إذاً أن أفعل يا يان؟"، فأجابته بصراحة بعد أن تنفّست الصعداء: "من الأفضل أن تقدم تلك النسخ من دون مقابل". فوافق آل ببساطة، إذ لطالما كانت يان على حق، غير أنّ استيضاح رأيها كان يتطلب بعض الوقت.

وبعد مضيّ عقد كامل من الزمن، ازداد حجم شركتنا عشرة أضعاف، كما ارتقت مكانة يان أيضاً. فقد أصبحت عماداً أساسياً للمحاسبة والمساءلة في الشركة، ولم يجرؤ أحد -بما في ذلك الشركاء الأساسيين- على تجاوز الحدود والقواعد الموضوعة للالتزام بالمعايير وخلق ثقافة للإشراف المالي المسؤول. وفي المقابل، تصدّر فريقها الخطوط الأمامية لإيجاد سبل توسيع هوامش الربح في شركتنا.

قصة يان ليست غريبة علينا. إذ يُظهر بحثنا أنّ 97% من الناس بإمكانهم بسهولة تحديد واحدة من عاداتهم التي تُعيق مسار تقدمهم المهني، مثل غياب المسؤولية أو فقدان حسّ التعاطف أو تجنب المواجهة أو مهابة المجازفة. وبينما نُدرك جميعاً أنّ مكامن ضعفنا تُكلّفنا الكثير على الصعيدين الشخصي والمهني، فإنّ عدداً قليلاً منّا فقط ينجح في تحويلها إلى نقاط قوة. وفي الواقع، وحسب إفادة المدراء، فإنّ أقل من 10% من الموظفين الذين تُوجّه إليهم ملاحظات في عملهم يتغيّر أداؤهم في تقييم السنة المقبلة. ولكن ليس من الضروري أن تجري الأمور دائماً على هذا النحو. إذ أنه بمقدورنا -كما فعلت يان- أن نُحدث تغييراً جوهرياً في وقت قصير نسبياً. ويكمن المفتاح لتحويل أبرز مكامن الضعف لدينا إلى نقاط قوة في الخطوات الآتية:

حدّد لحظاتك الحاسمة

إنّ مكامن الضعف المزمنة لا تنشأ بالضرورة عن وجود فجوات في مقدراتنا الإدراكية أو السلوكية. فعندما تجلس في مكتبك لتحضّر لعرض تقديمي مضن، إلا أنك تنشغل في تفقّد صندوق بريدك الإلكتروني والردّ على المكالمات الهاتفية، لا يعود السبب في ذلك لكونك فاشلاً في تحديد أولوياتك، وإنّما لأنك تمارس ردّ فعل اعتيادي متأصّل في أعماقك حيال مشاعر التوتر والقصور والخوف.

معظم عاداتنا السيئة لها طبيعة مشابهة، لكننا لا نرى سوى ظواهر الأمور وهنالك أكثر بكثير مما تراه العين. ولعلّ السبيل إلى إحراز تقدّم في هذا الشأن هو العمل على تحديد طبيعة اللحظات التي تستحثّ مثل هذه الاستجابات وردّات الفعل غير المجدية. عليك أن تولي اهتماماً خاصاً للأوقات والأماكن والظروف الاجتماعية والحالات المزاجية والفيزيولوجية وتصوراتك عن المخاطر وكل ما يحفّزك على التصرف بأسلوب يؤدي إلى عواقب غير محمودة. فتلك هي "لحظاتك الحاسمة". ومن إيجابيات اللحظات الحاسمة أنّها تقلّص حجم مشكلتك. قد يبدو إحداث التغيير مضنياً وشاقاً عندما تفكّر في أنّه يتطلّب يقظة دائمة وعملاً مستمرّاً، إلا أنه في الواقع عادة ما يستدعي التعامل مع دقائق معدودة فقط في اليوم ومعالجتها بأسلوب أفضل من ذاك الذي كنت تتّبعه في الماضي.

أدركت يان أنّ لحظتها الحاسمة كانت عندما شعرت بالحاجة إلى معارضة شخص أعلى منها سلطة وظيفية. لقد كانت فظّة نوعاً ما مع زملائها وصريحة في تقاريرها المباشرة، غير أنّ الإفصاح عن رأيها صراحة أمام مالكي الشركة قد ناقض طبيعتها الكامنة. وتشجّعت حينما أدركت أنها لم تكن تواجه مشكلة مع الصراحة بصورة عامة –بل فقط في ظروف خاصة.

هيّئ الظروف المناسبة لممارسات متعمّدة

لقد أظهر عالم النفس السويدي أندرس إريكسون أنّ منحنى تعلّمنا يكون أشد صعوداً عندما ننخرط بما أسماه "الممارسات المتعمّدة". إنها فترات قصيرة من التركيز المكثّف نتدرّب فيها على مهارة ما في ظروف حقيقية نسبياً. وإذا ما قارنّا فترات الممارسة هذه بالحصول على تقييم مباشر، فإنّ عملية التعلّم تتسارع أكثر فأكثر.

ويُطلق عالم النفس ألبرت باندورا على هذه الممارسة اسم "الإتقان الموجّه"، ويجد أنّ بوسعنا تخطي المعيقات العاطفية المتجذّرة فينا، والتي تقف في طريق نجاحنا، إذا انخرطنا في مثل هذا التدرّب على المهارات في ظروف يتحقّق فيها المزيج المناسب من الأمان والتحدّي.

وبعد أن تحدّد لحظاتك الحاسمة، افعل ما قامت به يان: اختر حالات متوسطة الصعوبة يمكنك فيها التدرّب على المهارة المطلوبة. فقد أدّى وضع تلك الحالات في إطار "التدرّب" بالنسبة إلى يان، إلى خفض عوامل المخاطرة ورفع درجة التحفيز لمواجهتها. وبعد كل محاولة أو تجربة كانت يان تُجري موازنة عقلية وتقدّر درجة فاعليتها وسوية إحساسها بالضغط. ومع مرور الوقت، ازداد التقدير الأول وانخفض الثاني بشكل مطّرد، الأمر الذي كان يمنحها في كل مرة شعوراً أقوى بالمقدرة والثقة بالنفس للدخول في الجولة التالية. لقد حرصت على ألا تقفز في المنطقة العميقة من البركة دفعة واحدة في محاولتها الأولى.

بدأت أولاً بمواجهة مالكي الشركة الذين كانوا يتأخرون في دفع ما يترتب عليهم من نفقات، ومن ثم طرحت مخاوفها حيال ميلهم إلى الإسراف، وهو الأمر الذي كان يُقلقها أكثر.

ومن العناصر المهمة في الممارسة المتعمّدة التركيز على مهارة بعينها. لقد استعرضت يان المهارات اللازمة للمحادثات العصيبة والحاسمة وقررت التركيز على واحدة منها فقط، ألا وهي إشاعة جو من الأمان. وهكذا سعت إلى بدء محادثاتها بالإشارة إلى الأهداف التي تأمل أن تتشارك فيها مع الطرف الآخر. وقد وجدت منذ محاولتها الأولى أنّ تلك الإشارة كانت تمنحها شعوراً بالثقة بالنفس من خلال اقتراح نص محدّد يصلح ليكون بداية آمنة للمحادثة. لكن ثقتها تلك ازدادت عندما وجدت أنّ تلك البداية قد أراحت الطرف الآخر أيضاً وخفّفت من حدّة موقفه الدفاعي.

طوّر كفاءاتك ومهاراتك العاطفية

يتوجب عليك التأكّد من أنّ خطتك تتضمن تنمية المهارات اللازمة لمعالجة المشاعر الحتميّة المترافقة مع أيّة مواجهة لمكامن ضعفك. إنّ مجرّد إجبار نفسك على القيام بأمر مزعج لا يُعدّ نجاحاً بحدّ ذاته، لأن استثارة تلك المشاعر المزعجة تُعزّز توجّهك إلى تفادي ذلك الأمر. لذلك، عليك إيجاد تكتيكات تمكّنك من تحويل هذه المشاعر المزعجة إلى مشاعر مريحة، أو على الأقل تخفيض حدّة إزعاجها. وهكذا تُعوِّد ذهنك تدريجياً على تعديل صيغته القديمة التي يُطبّقها لتنبّؤ المشاعر التي ستنشأ لديك في اللحظات الحاسمة.

وجدت يان أنّ أجيج مشاعرها يخمد عندما تتريث قليلاً وتأخذ وقتها لاستيضاح دوافعها وبلورتها قبل الدخول في نقاش حساس أو محادثة حاسمة مع شخص أعلى منها سلطة. ولذلك، عمدت قبل بدء المحادثة إلى الهدوء قليلاً وأخذ نفس عميق والتساؤل: "ما الذي أريده حقاً؟". لقد كانت رغبتها الأساسية في الماضي أن تتفادى الصدام مع من هم أعلى منها سلطة، غير أنّ هذه الرغبة كانت تتعارض مع قيمها العميقة المتأصّلة في داخلها. وعندما فكّرت مليّاً في ما ترغب فيه حقاً توصلت إلى ربط رغبتها في عدم الصدام مع رغبتها في أن تكون شخصاً يتمتّع بالاستقامة والقوة. لقد ساعدها هذا الوعي على إعادة ترتيب أولوياتها وإخضاع مخاوفها لأمر أكثر أهمية ونجحت في التخفيف من مخاوفها إلى حدّ بعيد. وقد منحها ذلك شعوراً عظيماً بالتصميم والإرادة.

إنّ واحدة من أغلى ذكرياتي مع يان كانت يوم أخبرتني بأنني أخطأت بحقّها. لقد اتّهمتني أنني كنت مُجحفاً في تقدير قيمة التعويض الذي حصلت عليه نسبة لزملائها في الشركة. ولقد عبّرت عن استيائها بلباقة شديدة، وعرضت حُججها الموجبة لحساب مقدار تعويضها بشكل مختلف. وفي المحصلة اقتنعتُ بحججها. غير أنّ الأهم من ذلك أنني ذُهلت لحقيقة أنّ الشخص الذي عاتبني بهذه الطريقة اللطيفة هو ذاته ذلك الشخص الذي ارتجف وهو يقدّم مقترحه لزميلي آل قبل بضع سنوات فقط.

بوسعك تغيير عاداتك المعيقة لتطوّر مسارك المهني إذا ما حدّدت لحظاتك الحاسمة، وبحثت بحرص عن فرص للممارسة المتعمّدة بغية تنمية مهاراتك في تجاوز المعيقات العاطفية التي تقف في طريق تطوّرك المهني. وابعدت الخوف والكسل من طريق اندفاعك.

تنويه: إن نسخ المقال أو إعادة نشره بأي شكل وفي أي وسيلة دون الحصول على إذن مسبق يعتبر تعدياً على حقوق الملكية الدولية ويعرض صاحبه للملاحقة القانونية.

ﺟﻣﯾﻊ اﻟﺣﻘوق ﻣﺣﻔوظﺔ ﻟﺷرﻛﺔ ھﺎرﻓﺎرد ﺑزﻧس ﺑﺑﻠﯾﺷﻧﻎ، ﺑوﺳطن، اﻟوﻻﯾﺎت اﻟﻣﺗﺣدة اﻷﻣﯾرﻛﯾﺔ - 2018

شاركنا رأيك وتجربتك

كن أول من يعلق!

التنبيه لـ

wpDiscuz
error: المحتوى محمي !!