كيف تحول اليقظة الذهنية إلى عادة راسخة؟

5 دقائق
تحول اليظقة الذهنية إلى عادة راسخة
استمع الى المقالة الآن هذه الخدمة تجريبية
Play Audio Pause Audio

ملخص: نعلم كلنا فوائد اليقظة الذهنية، بداية من تقليل الشعور بالتوتر مروراً بصناعة قرارات أكثر رصانة وصولاً إلى تحقيق التوازن العاطفي، وقد جرب الكثيرون منا ممارسة التأمل. لكن من الصعب مراعاة الاتساق في الممارسة العملية. ومن هنا يقدم المؤلف 4 نصائح لتحويل اليقظة الذهنية إلى عادة راسخة أكثر انتظاماً في حياتك، وهي كالتالي: أولاً: حاول التدرب مع مجموعة يمكنها أن تحمّلك مسؤولية الالتزام بممارسة التأمل وتقدم لك الدعم عندما يتراجع مستوى التزامك. ثانياً: حدّد الوقت الذي ستمارس فيه التأمل والتزم به، مهما حدث. ثالثاً: يمكنك العمل مع مدرب يقدم لك النصح حول كيفية التغلب على بعض العوامل المسببة للخروج عن المسار الصحيح والتي يشيع وجودها بين ممارسي التأمل. أخيراً: تخلص من فكرة أن التقدم سيسير دائماً في خط مستقيم. فكر في الأوقات التي مارست فيها التأمل ولكنك لم تشعر بعدها بالرضا أو حتى تلك الأوقات التي ظننت فيها أن ممارساتك التأملية “لا تُجدي نفعاً”، واعتبرها جزءاً لا يتجزأ من عملية التأمل، بل ومؤشراً على أنك تسير على المسار الصحيح.

 

تشكل المواظبة على ممارسة التأمل المستدام مهمة صعبة. إنها مهمة صعبة للغاية في واقع الأمر، حتى إنني عندما أشرع في العمل مع مسؤولين تنفيذيين يخبرني معظمهم بأنهم حاولوا التأمل، لكن قلة قليلة منهم أفادوا بأنهم يمارسونه بانتظام. لا يرجع ذلك إلى أن هؤلاء لا يرون له أي فوائد، إذ يقول الكثيرون منهم أشياء مثل: “ألاحظ اختلافاً واضحاً في حياتي اليومية كلما مارست التأمل، فتزداد قدرتي على التركيز وتقل احتمالات تشتت ذهني” أو “أستطيع التخلص بسهولة من التوتر في الأيام التي أمارس فيها التأمل”.

لكن قلة قليلة من هؤلاء المسؤولين التنفيذيين يواظبون على ممارسته، إما لأنهم يجدون صعوبة في تخصيص ما يكفي من الوقت (حيث يقولون: “لقد مارست التأمل لمدة أسبوعين، ثم أخذتني مشاغل العمل حتى انتكستُ وعدت إلى عاداتي القديمة”) أو لأنهم شعروا بعد فترة من الزمن بأن ممارساتهم التأملية “لم تُجد نفعاً” أو لأنهم يقولون شيئاً مثل: “كان ذهني مشغولاً للغاية، حتى إنني لم أستطع تحقيق الصفاء الذهني”.

وقد قيل الكثير عن أهمية اليقظة الذهنية وكيفية ممارستها في مكان العمل، لكن النصائح لا تتناول دائماً كيفية المواظبة على ممارسة التأمل المستدام بمرور الوقت، لذا حددتُ 4 إجراءات يمكن أن تسهم في تحقيق هذه الغاية.

4 إجراءات للمواظبة على ممارسة اليقظة الذهنية بشكل مستدام

ابحث عن مجتمع

أدى ازدياد شعبية تطبيقات التأمل في العقد الماضي إلى ظهور الفكرة القائلة بضرورة ممارسة التأمل بشكل فردي. وبدأ معظم المسؤولين التنفيذيين الذين أعمل معهم في هذه الأيام ممارسة التأمل بأنفسهم، وغالباً ما يتبعون التعليمات الواردة في أحد التطبيقات الإلكترونية. تتمثل أكبر ميزة لهذا الاتجاه في إمكانية الوصول، إذ يستطيع أي شخص ممارسة التأمل ببضع نقرات على هاتفه في أي وقت يشاء.

لكن التأمل ظل يُمارَس لآلاف السنين في إطار مجموعات كان يُطلق عليها في الثقافة البوذية السانغا. توفر هذه المجموعات ميزتين رئيسيتين. أولاً: هناك عنصر تحمّل المسؤولية لأن أفراد المجموعة يلتقون في موعد محدد باليوم والساعة. ثانياً: هناك الدعم الاجتماعي في صورة الإلهام المعنوي من خلال رؤية الآخرين وهم يتقدمون وإدراك أن التحديات التي تواجهها يتعرض لها الآخرون أيضاً.

أعرف مسؤولين تنفيذيين رسخوا عادة التأمل ومارسوها بصورة منتظمة، وأعلم أن معظمهم وجدوا مجتمعاً من نوع ما وحافظوا عليه. قد تكون هذه المجتمعات بالنسبة للبعض مجتمعات تقليدية، مثل مركز محلي لممارسة التأمل. بينما وجد آخرون مجتمعات أو أنشأوها داخل مؤسساتهم المهنية، مثل مجموعة “تشيد-مينغ تان” (Chade-Meng Tan) في “جوجل”. وتأسست بعض المجتمعات بالتشارك بين عدد من المؤسسات، مثل مبادرة “اليقظة الذهنية في وول ستريت” (Mindful on Wall Street) التي أسسها عدد من المسؤولين التنفيذيين من مؤسسة “مورغان ستانلي” و”بنك كريدي سويس” و”دي دبليو إس” (DWS) و”غولدمان ساكس” و”مؤسسة فورد”، حيث ينضم عدة مئات من المصرفيين إلى التأملات الأسبوعية للمجموعة من خلال مكالمة مؤتمر عبر الفيديو، وهو ما أوضحته أليس كيم، المديرة التنفيذية في “مورغان ستانلي” وأحد مؤسسي المجموعة، قائلة: “لقد وجدت أن تلاقي مجموعة من الأفراد المتشابهين في التفكير يحقق لهم ميزة فريدة بتوحدهم حول غاية مشتركة تتيح لهم إمكانية العثور على الهدوء والرحابة بسرعة كبيرة”.

خصص وقتاً لممارسة التأمل، ولا تسمح بالمساومة عليه

يوفر الانضمام إلى مجموعة محددة إطاراً صلباً يضمن مواظبتك على ممارسة التأمل بانتظام، وكذلك فإن تخصيص وقت محدد لممارسته بصورة شخصية أمرٌ بالغ الأهمية أيضاً. انظر مثلاً إلى بلال، المدير الإداري في أحد البنوك الاستثمارية العالمية، والذي اتخذ هذه الخطوة مباشرة بعد الدورة التمهيدية للتأمل. فقد أبلغ أعضاء فريقه بأن الوقت المخصص لتأمله اليومي يحين في تمام الساعة 3:00 ظهراً ولا يُسمح لأحد أياً كان بمقاطعته خلال هذه المدة، وسجّل هذه المعلومة في جدول مواعيده. ودأب منذ ذلك الحين على إغلاق باب مكتبه ظهيرة كل يوم وممارسة التأمل لمدة 20 دقيقة. وأخبرني فيما بعد أن وجود نوافذ زجاجية في مكتبه قد قوّى عزيمته من بعض النواحي، لأنه كان بإمكان أفراد فريقه رؤيته وهو يمارس التأمل واعتادوا رؤية رئيسهم جالساً بهدوء بمفرده في وقت محدد من كل يوم.

اعمل مع معلم

يُفضل أن تعمل مع معلم من أجل الوصول إلى مستوى معين من الإتقان كما هو الحال مع معظم المهارات. قد تكون قادراً على تعليم نفسك أساسيات رياضة الغولف أو عزف البيانو، ولكنك ستتحسن بصورة أسرع إذا استعنت بمدرب يراقب أسلوبك في ضرب الكرة أو معلم يشرح كيفية قراءة النوتة الموسيقية ويعطيك ملاحظات محددة خاصة بحالتك. الأمر ذاته ينطبق على التأمل. فقد تتعرض بعد بضعة أسابيع أو أشهر من ممارسة التأمل لمختلف أنواع الأعراض الجانبية المحتملة، كالألم الجسماني الناتج عن الجلوس ساكناً (ربما في وضع خاطئ) أو الأفكار والمشاعر غير المحببة التي تجهل كيفية التعامل معها. وقد تشعر بأنك لا تحرز تقدماً وتحبّذ التوقف، لكن بمقدور مدرّس التأمل المتمرس مساعدتك خلال هذا الوقت الحرج من خلال تقديم الملاحظات والتوجيه.

لا توجد حالياً شهادات معتمدة عالمياً لمعلمي اليقظة الذهنية (على الرغم من بعض المحاولات لإصدار شهادات معتمدة). أما بعض الأشخاص الذين نصبوا أنفسهم معلمين لليقظة الذهنية فلا يملكون في جعبتهم سوى بضعة أشهر من التدريب، ولكن هذا لن يسعفنا على المدى البعيد. فابحث عن الجمعيات المتخصصة التي تهتم بذلك منذ فترة، حيث يعمل معظم هذه الجمعيات كمؤسسات غير ربحية، وقد خضع معلموها لتدريبات مكثفة لعقود من الزمن في أغلب الأحوال. أما إذا كنت تفضل الابتعاد عن الجمعيات التقليدية، فهناك مؤسسات مثل “سيرش إنسايد يور سلف” (ابحث داخل نفسك) التي بدأت في “جوجل” وبرنامج “تقليل الضغط القائم على العقلانية” (MBSR) التابع لجامعة ماساتشوستس التي تقدم التدريب والاعتماد للمعلمين على مستوى العالم. إلا أن مدة الخبرة ومستوى تدريب المعلمين يختلف من مؤسسة لأخرى، لذا اسأل من حولك وتأكد من إجراء البحث اللازم.

تخلص من التوقعات غير المنطقية بأنك ستواصل التقدم في خط مستقيم

لدى كل منا توقعاته الخاصة فيما يتعلق بممارسة التأمل، وإلا فلماذا نخصص وقتاً للجلوس أرضاً في الأساس؟ نريد أن نشعر بالانتعاش بعد ممارسته، وأن نكون أقل توتراً وأكثر تركيزاً وأقل عصبية. لكن للأسف، وكما أخبرني كل المسؤولين التنفيذيين المواظبين على ممارسة التأمل بانتظام، فلن تشعر بهذه الأحاسيس إثر كل جلسة تأمل، حيث تجد عقولنا أحياناً صعوبة في الوصول إلى حالة الصفاء الذهني، بل إن منحها مساحة من الحرية قد يؤدي في بعض الأحيان إلى استثارة الذكريات أو الأفكار المزعجة وإيقاظها من سباتها. ويكمن سر النجاح في فهم أن التقدم قد لا يسير دائماً في خط مستقيم، أو حتى في خفض توقعاتنا لمسار التقدم. فقد تشعر بالألم والإرهاق بعد ممارسة تمارين اللياقة البدنية، لكنك تعلم أنها ستقوي عضلاتك على المدى البعيد، وقد لا تشعر في بعض الأحيان بالرضا عن تمارين التأمل الذهني أو تظن أنها “فاشلة”. ولكن انظر بدلاً من ذلك إلى تلك الأوقات كعلامات تدل على أنك على المسار الصحيح، حيث يتعلم عقلك كيفية تحقيق الصفاء الذهني، لكن ممارستك “للتمارين” تسبب بعض الألم العقلي، وإذا واصلت التمرن فسوف تقوي عضلاتك العقلية على المدى البعيد.

ولا بد من مراعاة الاتساق في الممارسة، بمعنى أنه عليك أن تمارس التأمل، وعليك أن تمارسه بانتظام، حتى عندما لا تشعر بالرغبة في ذلك، بحيث يتعلم عقلك الذي يسهل تشتيت انتباهه أن يستقر في مرحلة الوعي المفتوح بمرور الوقت، دون التعلق باستمرار بالفكرة التالية التي تطرأ عليه.

لقد وجدت أن هذه العوامل الأربعة تشكل ركائز أساسية تشد من أزري خلال ممارستي للتأمل. فكان علمي بأنني سأراجع معلمي يزيد من مستوى تحفيزي ويقوي عزيمتي كلما حدثتني نفسي بالتخلي عن تمارين التأمل اليومية بحجة مشاغلي الكثيرة أو إحساسي بالتعب. وعندما التصقت في ذهني فكرة أن التقدم سيسير دائماً في خط مستقيم، ساعدتني فكرة مشاركة كفاحي مع زملائي في أحد مراكز التأمل المحلية على الضحك. لا شك أنك ستمر بأوقات تختل فيها إحدى هذه الركائز، ولكن إذا نجحت في ترسيخ كافة الركائز الأربع، فستتمكن باقي الركائز من مواصلة دعم ممارسات اليقظة الذهنية التأملية والمواظبة عليها.

تنويه: يمكنكم مشاركة أي مقال من هارفارد بزنس ريفيو من خلال نشر رابط المقال أو الفيديو على أي من شبكات التواصل أو إعادة نشر تغريداتنا، لكن لا يمكن نسخ نص المقال نفسه ونشر النص في مكان آخر نظراً لأنه محمي بحقوق الملكية الدولية. إن نسخ نص المقال بدون إذن مسبق يعرض صاحبه للملاحقة القانونية دولياً.

جميع الحقوق محفوظة لشركة هارفارد بزنس ببليشنغ، بوسطن، الولايات المتحدة الأميركية 2024 .

Content is protected !!