يعد التدريب على اليقظة الذهنية من أحدث التوجهات الشائعة في مجال تطوير المهارات القيادية. فهنالك تشكيلة واسعة من التطبيقات وكتب التطوير الذاتي وعمليات التدخل والتدريب داخل الشركات، والتي تهدف إلى أن يحقق المدراء مستوى أعلى من اليقظة الذهنية كي يساعدهم ذلك على تعزيز مرونتهم ورفع مستوى التركيز في عملهم، وهذه سمات يعتقد الكثير من المدراء التنفيذيين بقدرتها على جعلهم أكثر فعالية في أداورهم.

ما نقصده باليقظة الذهنية هنا: هي توجيه الاهتمام بعناية وتركيز على ذاتك والآخرين والعالم من حولك، وهي قضية نالت نصيباً وافراً من البحث والدراسة. لكن ومع أنّ الأدلة في السياقات الطبية تشير إلى أنّ اليقظة الذهنية ترتبط بالعديد من المنافع، إلا أنّ الدراسات التي أجريت على قادة الأعمال ما تزال قليلة. وهذا يعني أنّ ثمة أسئلة أساسية ما تزال تبحث عن إجابة لها. على سبيل المثال، هل التدريب على اليقظة الذهنية يعزز القدرات القيادية فعلاً؟ وإن كان هذا صحيحاً، فكيف يحدث ذلك؟ وما مقدار الجهد المطلوب لتحقيق النتائج المطلوبة؟

ولمحاولة الإجابة عن هذه الأسئلة وغيرها أجرينا دراسة هي الأولى من نوعها في برنامج لتنمية اليقظة الذهنية للقادة على جلسات متعددة، واشتمل البرنامج على مجموعة مراقبة على قائمة الانتظار. النصف الأول من المشاركين تلقوا التدريب فوراً، أما النصف الآخر منهم فقد خضعوا للتدريب في وقت لاحق، ولكنّا قمنا بقياس السمات الأساسية لدى أفراد المجموعتين في وقت واحد. وتمكنا من خلال المقارنة بين النتائج التي حصلنا عليها لكلا المجموعتين من اكتشاف الأثر الذي كان قد ترتب فعلاً على برنامج التدريب.

لقد كانت هذه البيانات خاصة بـ57 من قادة أعمال شاركوا في ثلاث ورشات عمل تستغرق نصف يوم وتجري كل أسبوعين، بالإضافة إلى ورشة عمل تستغرق يوماً كاملاً ثم كان ختام البرنامج بمؤتمر هاتفي تمّ تنسيقه مع هؤلاء المدراء. لقد قدمنا لهم بعض التمرينات التي تعزز اليقظة الذهنية وناقشنا الأبعاد المتعلقة بالقيادة اليوم، كما كلّفناهم بمهام لممارسة بعض تدريبات اليقظة الذهنية كالتأمل وبعض التدريبات الأخرى. وحددنا بعض الصعوبات التي واجهها المشاركون أثناء محاولة الحفاظ على حضورهم الذهني خلال البرنامج.

ونعتقد أنّ النتائج التي خلصنا إليها تشكل دليلاً قيماً ومتماسكاً وواقعياً يمكن أن يستفيد منه قادة الأعمال الذين يسعون لتعزيز اليقظة الذهنية في حياتهم.

إذ تظهر دراستنا هذه أنّ التدريب على اليقظة الذهنية وممارسة ذلك بشكل متواصل أفضى إلى تحسّن ملموس إحصائياً في ثلاثة جوانب مهمة للقيادة الناجعة في القرن الحادي والعشرين وهي: المرونة، والقدرة على التعاون، والقدرة على القيادة في الظروف المعقدة.

وهذا شيء مبشر، أليس كذلك؟ ما أسهل هذا الأمر! ما عليك سوى أن تشارك في برنامج تدريبي للحضور الذهني وستصبح قائداً أفضل! ولكن تذكّر أنّ هذا الشيء لا يأتي دون مقابل. والمقابل المطلوب هنا هو تخصيص وقت معين لممارسة اليقظة الذهنية.

وطلبنا من قادة الأعمال المشاركين أن يجروا بعض التمرينات المعتمدة المختلفة، مع الاستعانة بملفات صوتية إرشادية، وذلك بشكل يومي. كما شجعناهم على ممارسة بعض التمرينات الشائعة غير الرسمية لتعزيز اليقظة الذهنية (كتلك التي وضعها رازموس هوغارد وجاكلين كارتر في مقال لهما). وتشير أبحاثنا إلى أنّ قادة الأعمال الذين التزموا بالتدريبات الرسمية لأكثر من 10 دقائق كل يوم حققوا نتائج أفضل بكثير في قياساتنا الأساسية مقارنة بأولئك الذين لم يتقيدوا بها أو اعتمدوا على التدريبات غير الرسمية وحسب.

والرسالة هنا واضحة: إن كنت تريد الفوائد، عليك أن تخصص وقتاً لجنيها.

لكن الأمر هنا ينطوي على مأزق معقد. فالوقت هو أكثر الأشياء التي لا يمتلك كبار قادة الأعمال فائضاً منه وهو عادة آخر ما يمكن لهم التنازل عنه.

دعونا إذاً نحلل قضية الوقت بوضوح. نحن نعرف أنّ كبار المدراء التنفيذيين يقضون بالمعدل حوالي 1,060 دقيقة متيقظين في اليوم. ومع ذلك فإنّ تخصيص 10 دقائق وحسب، أي أقل من 1 في المئة من ساعات اليقظة في يومهم، لممارسة تمرينات اليقظة الذهنية يبدو صعباً للغاية لبعضهم ومستحيلاً لآخرين.

ويتطرق البحث إلى بعض التحديات التي تعترض هذا الطريق. فقادة الأعمال يحاولون بادئ الأمر تعزيز قدرات اليقظة الذهنية لديهم باعتبارها وسيلة للتعامل مع ضغوط العمل الهائلة التي يتعرضون لها، وجداول أعمالهم الممتلئة، وقوائم المهام التي لا تنتهي، ولكنهم يجدون أنّ هذه الأمور هي التي تحول دون قيامهم بتمارين اليقظة الذهنية. وقد تبيّن في بحثنا هذا أنّ “المشغولية” والتركيز على ما يجب فعله على المدى القصير هو أحد أكثر الأسباب شيوعاً في ما يتعلّق بتدني القدرة على أداء تلك التمارين. أما المدراء الذين أحرزوا التغييرات الحقيقية فقد كان عليهم أن يكسروا تلك الحلقة المفرغة من الضغط المدمر للذات.

ولكنّا لاحظنا كذلك أنّ القادة كثيراً ما يجلدون ذواتهم لتقصيرهم في أداء التمارين، إذ كانوا يشعرون بالذنب بل والارتباك أحياناً. وأذكر تماماً ما قاله أحدهم في حالة من السخط: “هذه اليقظة الذهنية تصيبني بالتوتر!”. فالذي حدث هنا هو أنّ تراكم الضغط يجعل بعض قادة الأعمال هؤلاء يمقتون التدريب ولم يقاوم ذلك في النهاية إلا القليل منهم.

نادراً ما ينجح قادة الأعمال في اكتساب عادة جديدة، كالتمرين على اليقظة الذهنية، دون الحصول على المساعدة والدعم من الآخرين. وتلقى بعض المدراء المشاركين في الدراسة التي أجريناها الكثير من التشجيع من شركائهم وزملائهم في العمل. وقد ساعدهم هذا الدعم في بعض لحظات الضعف والاستسلام على متابعة التمارين والإصرار عليها. بينما كان آخرون يجدون تشكيكاً في قدراتهم من الآخرين أو حتى السخرية في بعض الحالات.

وساعدنا هذا البحث لحسن الحظ لتحصيل فهم أكبر بخصوص الأمور التي تساعد القادة على أداء تمرينات اليقظة الذهنية، وهي بطبيعة الحال مرتبطة بالتحديات التي أسلفنا الحديث عنها.

تقترح الدراسة أنّ الالتزام بتدريب اليقظة الذهنية المعتمد يتطلب ما يلي:

  • فكّر جيداً بالوقت الأنسب لأداء التمرين، ثم خصص 10 دقائق في برنامجك اليومي كي يصبح ذلك بعد فترة عادة لا تنقطع. الكثيرون يفضلون أن يكون ذلك أول شيء في الصباح. البعض يستمع إلى تمرين صوتي أثناء ذهابه للعمل وهذه أيضاً ممارسة شائعة بين البعض ويظهر أنّها تساعد على ترتيب يوم العمل بشكل جيد. ويرى آخرون أنّ الوقت الأفضل لذلك هو قبل النوم، وهذا ممكن، ولكنه عادة ينتهي بالشخص نائماً قبل أن ينتهي التمرين!
  • ضع أهدافاً واقعية للتمرين، وتقبّل حقيقة أنّ تجربتك في تطوير عادة جديدة قد تكون متقلبة. اليقظة الذهنية لا تعني التخلص من جميع الأفكار، وإنما ملاحظة الأفكار الأخرى المحيطة بك. لا تجزع إن وجدت في بعض الأيام أنّ ذهنك مشغول وقلق أو تصعب السيطرة عليه، وفي حال حصل ذلك حاول ممارسة الفضول وفن التخلي.
  • لاحظ الأوقات التي تجد ذهنك فيها بات أكثر حضوراً وحاول تحديد الأثر الذي يترتب على ذلك في نفسك وفي من حولك. إنّ رؤية الفوائد الناجمة عن التمرين دافع أساسي للاستمرار.
  • إن شعرت بالراحة في أداء التمارين فأخبر المقربين إليك في البيت والعمل بأنك تحاول الالتزام بتمرين اليقظة الذهنية، وأخبرهم كيف بإمكانهم دعمك ومساعدتك.
  • تواصل مع الآخرين الذين لديهم الاهتمام في تنمية حضورهم الذهني، إذ يمكن أن تجد صديقاً لتشجيعهم على الاستمرار في التمارين وإجراء تحديات بينكم في ذلك.

ما ينطبق على تخفيف الوزن وبناء اللياقة ينطبق أيضاً على تنمية اليقظة الذهنيّة، فكلا الأمرين يتطلبان التدريب، وهذا يعني أنّ عليك ممارسة ذلك والتدرب عليه. وتذكّر أنّ تخصيص 1 في المئة من وقتك هو مقابل بسيط تضحي به من أجل تحقيق التطور الممكن.

تنويه: إن نسخ المقال أو إعادة نشره بأي شكل وفي أي وسيلة دون الحصول على إذن مسبق يعتبر تعدياً على حقوق الملكية الدولية ويعرض صاحبه للملاحقة القانونية.

ﺟﻣﯾﻊ اﻟﺣﻘوق ﻣﺣﻔوظﺔ ﻟﺷرﻛﺔ ھﺎرﻓﺎرد ﺑزﻧس ﺑﺑﻠﯾﺷﻧﻎ، ﺑوﺳطن، اﻟوﻻﯾﺎت اﻟﻣﺗﺣدة اﻷﻣﯾرﻛﯾﺔ - 2018

اترك تعليق

قم بـ تسجيل الدخول لتستطيع التعليق
avatar
  شارك  
التنبيه لـ
error: المحتوى محمي !!