قليلةٌ هي الموضوعات التي نالت اهتماماً في مجال إدارة المواهب أكثر مما حظي به التحفيز. ويُعرف التحفيز بأنه المحاولة المقصودة للتأثير في سلوكيات الموظفين بغية تحسين أدائهم، ومن ثم الارتقاء بفعاليتهم المؤسسية. والواقع أن التحفيز هو، إضافةً إلى الموهبة، الدافع الأساسي لأداء العمل؛ ذلك أنه يُحدد مستوى الجهد والمثابرة اللذين سيبذلهما الموظف. ومن الواضح أيضاً أن الموظفين الأعلى أداءً يميلون إلى الظهور والتألق بسبب حوافزهم بقدر ما يتألقون بسبب مواهبهم.

ولكن، رغم أن علم التحفيز قويٌ وراسخٌ، فمن النادر تطبيقه على ممارسات الإدارة الواقعية التي تنزع إلى الاعتماد على حدس المديرين وتجاربهم الشخصية. ولعل هذا هو ما دفع بيتر دراكر للإعراب عن أسفه إذ قال: "إننا لا نعلم شيئاً عن حقيقة التحفيز، وجلُّ ما يمكن أن نفعله هو مجرد تأليف كتبٍ تتحدث عنه".

أثبت استطلاعٌ عالمي شارك به أكثر من 50 شخصاً، من بين 1.2 مليون موظف من 1000 شركةٍ مدرجةٍ ضمن قوائم مجلة فورتشن، أن حافز الموظفين في 85% من المؤسسات — لا تنسَ أن هذه من أفضل الشركات على مستوى العالم — يتراجع بحدةٍ بعد مرور ستة أشهرٍ لهم تحت إمرة مديريهم. وبتعبيرٍ آخر، إن أغلب الموظفين يتحمسون ويبدون اهتمامهم بالعمل عندما يتقلدون مهام منصبٍ جديدٍ، غير أن المديرين يحطمون روحهم المعنوية في غضون أشهرٍ قليلةٍ لا غير. ويتسق ذلك مع الدراسات التي تشير إلى أن المديرين يؤدون دوراً محورياً في تحديد مدى اهتمام الموظف بالعمل من عدمه.

ومع ذلك، فإن الحل بسيطٌ بدرجةٍ مُذهلةٍ: إذا أردت أن تُحفز الموظفين، فعليك أن تكفَّ عن اتباع حدسك، وأن تتبنى منهجاً يرتكز على البيانات. وبتعبيرٍ آخر، تعامل مع التحفيز كعلمٍ لا كفن، إن لم يكن لشيءٍ فلأن قليلاً جداً من الناس، بمن فيهم المديرون، بارعون بالفطرة في تحفيز الآخرين. وتبدأ هذه العملية بالإقرار بعيوب الممارسات التحفيزية التقليدية، والطعن بالدليل الدامغ في الخرافات التي تكمن وراءها.

لماذا تبوء أغلب الممارسات التحفيزية بالفشل؟ هناك أربعة أسبابٍ أساسيةٍ في رأينا، تتمثل في الآتي:

اتباع منهجٍ مُبسطٍ لوضع الأهداف. رغم أنَّ وضع الأهداف أسلوبٌ قُتل بحثاً لدفع عجلة التحفيز والأداء، فإنه ليس بالبساطة التي يفترضها الممارسون. على سبيل المثال، أثبتت الأبحاث أنَّ الأهداف البعيدة المُنال (الأهداف الطموحة) تُؤتي ثمارها إذا كان العمل يعتمد على المُعامَلات، مع إمكانية تعيين المُدخلات والمُخرجات بدقةٍ وعنايةٍ. وفي المقابل، عند تحفيز شخصٍ ما يضطلع بمهمةٍ مُعقدةٍ أو فكريةٍ أو إبداعيةٍ، فإنَّ مُطالبته بأن "يبذل قصارى جهده" ستُحقق نتائج أفضل. علاوةً على ذلك، فإنَّ الأهداف عادةً ما ترتبط بمُحفزاتٍ خارجيةٍ، ولكن ثبت أنَّ تلك المُحفزات تُضعِف الحافز والأداء إذا كان الموظفون متحفزون فطرياً لإنجاز المهمة.

تقييمات الأداء المُتحيزة. يبدو أنَّ أغلب المديرين لديهم نزعة ٌطبيعيةٌ لمكافأة الموظفين الذين يشبهونهم، ربما كطريقةٍ مشروعةٍ وغير مباشرة للإعجاب بأنفسهم (ضربٌ من النرجسية بالنيابة). ويفضي هذا إلى تقييمات أداءٍ مُشوهةٍ، ويُضر بالتنوع، ويخلق مناخاً مُجحفاً ومدفوعاً بالسياسة بدرجةٍ كبيرةٍ. وحتى عندما يكون الموظفون المُفضلون لدى المديرين من بين أولئك الأعلى أداءً أو الأعلى إمكاناتٍ، فإنَّ الموظفين الذين لم يحالفهم الحظ بالقدر الكافي لمواءمة "طرازهم المفضل" ستخيب آمالهم وسيتراجع أداؤهم. إذا أصبح المديرون على درايةٍ بهذا التحيز داخل المجموعة، فستجدهم متحفزين أكثر للبحث عن بياناتٍ موضوعيةٍ لتقييم إمكانات وأداء موظفيهم. وما سيدركونه على الأرجح إذن هو أنَّ حيز الاختلاط بين الموظفين الأكثر فعاليةً والموظفين المحبوبين أصغر بكثيرٍ مما كانوا يظنون. وحقيقة الأمر أنَّ هناك غالباً علاقةً سلبيةً بين موهبة المرء وبين جدارته بالحب، وخاصةً لأنَّ عديمي الموهبة غالباً ما يكونون بارعين في التظاهر بالكفاءة.

طبيعة العمل المملة. رغم أن وضع أهداف وعناصر مُساءلة مميزة ساعد المؤسسات على تقسيم العمل إلى مكوناتٍ محددةٍ وقابلةٍ للقياس ومتوقعةٍ، فإنَّ هذا الشكل من أشكال الإدارة العلمية قد جعل الوظائف أيضاً أكثر تكراراً وبعثاً على الضجر. وهذه مسألةٌ إشكاليةٌ لأنَّ التحفيز يُذكيه في المقام الأول القيمةُ الفطريةُ التي يجدها الموظفون في العمل نفسه. والواقع أنَّ الأبحاث تُعلِمنا بأنَّ المُكافآت الخارجية (كالمال) لا تساعد كثيراً في تشكيل عازلٍ ضد خيبة الأمل أو المهام المملة، وأثبت علماء النفس أنه رغم أنَّ العمل الذي ينطوي على تحدٍ يمكن أن يكون مثيراً ومُحفزاً، فإنَّ العمل المُرهق أو الممل يستنزف القوى أيّاً كان وضعها. وعليه، فرغم أنَّ عدداً كبيراً من المديرين يرون أنَّ دورهم ينحصر في تحفيز الآخرين بخطاباتهم الحماسية أو كلماتهم المُلهمة أو حفلات البيتزا التي يُقيمونها، نجد في الواقع أنَّ الطريقة المثلى، التي يستطيع القائد من خلالها أن يدفع عجلة التحفيز، تتمثل في تصميم الوظائف تصميماً جيداً، ووضع الناس في الأدوار المناسبة لهم. وهذا يعني الاهتمام الشديد بخصائص العمل الوظيفية والنفسية، مع ضمان أنها تُلبي المحفزات الأساسية لكل موظفٍ وتساعد كل شخصٍ على تحقيق شيءٍ يراه ذا مغزى. إنَّ تحفيز الفريق، شأنه شأن أي شيءٍ آخر، يتعاطى بطريقةٍ ما مع أسلوب إدارة الشخصيات.

الملاحظات العقيمة. هناك فجوةٌ مُذهلة بين الأدلة الأكاديمية الغزيرة التي تدعم أهمية الملاحظات الدقيقة البنَّاءة باعتبارها دافعاً مهماً للتحفيز والأداء وبين الجودة المتدنية للملاحظات التي يتلقاها أغلب الموظفين في العمل. والواقع أن الكثير من الملاحظات تصيب الموظفين فعلياً بخيبة الأمل، حتى عندما تكون الركيزة على الجوانب الإيجابية للأداء. على سبيل المثال، رغم أنه من المغري تشجيع الناس على التركيز على نقاط قوتهم، هناك فوائد جمةٌ من تحديد عيوب المرء وفجوات أدائه — فكيف يمكن أن نتحسن بخلاف هذه الطريقة؟ وعلى الجانب الآخر، نجد أن رب العمل الذي يُغالي في النقد، أو الذي يُنهك مرؤوسيه بالطلبات، يمسي مُرهقاً، وما من مكاسب ماليةٍ مهما بلغت يمكن أن تعوض ذلك.

وأخيراً، رغم أن التقنية وتحليلات البيانات تُحدث ثورةً في العديد من مهام العمل، تميل ممارسات قسم الموارد البشرية إلى التخلف عن الركب. إن نزوع المديرين لتحكيم حدسهم، بدلاً من البيانات والعلم، أمرٌ شائع في كل مكانٍ، ويحدُّ من التقدم الحقيقي في تحسين الأداء الإداري. ربما ستكون التقنية في المستقبل أداة إدارة أكثر فعاليةً من المديرين البشر. وحتى ذلك الحين، سيكون تحفيز الناس وإشراكهم في العمل، بغية حل المشكلات المُعقدة بأفكارٍ إبداعيةٍ، عاملاً فارقاً مُهمَّاً بين الموظفين البشر ومنافسيهم من غير البشر.

تنويه: إن نسخ المقال أو إعادة نشره بأي شكل وفي أي وسيلة دون الحصول على إذن مسبق يعتبر تعدياً على حقوق الملكية الدولية ويعرض صاحبه للملاحقة القانونية.

ﺟﻣﯾﻊ اﻟﺣﻘوق ﻣﺣﻔوظﺔ ﻟﺷرﻛﺔ ھﺎرﻓﺎرد ﺑزﻧس ﺑﺑﻠﯾﺷﻧﻎ، ﺑوﺳطن، اﻟوﻻﯾﺎت اﻟﻣﺗﺣدة اﻷﻣﯾرﻛﯾﺔ - 2018

شاركنا رأيك وتجربتك

كن أول من يعلق!

التنبيه لـ

wpDiscuz
error: المحتوى محمي !!