يتجنب الكثير من القادة اتخاذ القرارات الصعبة في محاولة منهم لعدم إزعاج الآخرين أو تجنباً لفقدان مكانتهم في أعين مرؤوسيهم، ويختلقون مبررات معقدّة لتأجيل اتخاذ مثل تلك القرارات، وغالباً ما يؤدي ذلك التأجيل إلى أضرار أشد قسوة من أي تبعات كانوا يحاولون تجنبها. في الواقع، تصبح القرارات الصعبة أكثر تعقيداً عندما يتم تعليقها، وكلما كان القائد في منصب أعلى؛ ازدادت الحاجة إلى اتخاذ تلك القرارات. في دراستنا المطولة التي أُجريت على مدى 10 أعوام، والتي ضمّت أكثر من 2,700 قائد، قال 57% من المدراء التنفيذيين المعينين حديثاً أنّ القرارات كانت أكثر تعقيداً وصعوبة مما توقعوا.

في غضون السنوات الثلاثين التي أمضيتها في العمل مع المدراء التنفيذيين، سمعت من القادة أنهم يستخدمون ثلاثة مبررات لتأجيل اتخاذ القرارات الصعبة، ولكن يمكنك العمل على تجنب الوقوع في ذلك الأمر من خلال فهم تداعيات هذه الأعذار.

"أنا أحاول أنْ أراعي مشاعر الآخرين"

بالنسبة إلى بعض القادة، فإنّ فكرة إهمال مشاعر أولئك الذين يرأسونهم بتعريضهم لقرارات قاسية تُحدث شللاً في العمل. لقد سمعت قادة يقولون أشياء مثل: "إنّ الروح المعنوية للموظفين منخفضة بالفعل، وأنا لا أحب أن أزيد من توترهم". لكن تكمن المشكلة الحقيقية هنا في أنّ العديد من القادة لا يريدون خذلان موظفيهم.

في إحدى الشركات التي عملت معها، تم إعطاء أحد المدراء التنفيذيين مدة أربعة أشهر لتهيئة قسمه لعملية إجراء تخفيضات كبيرة في الميزانية والتي ستطبق مع بداية العام المالي التالي في شهر مارس/آذار. وفي شهر نوفمبر/تشرين الثاني، قرر عدم إخبار موظفيه بالأمر؛ لأنّ إفساد متعة الأعياد بالأخبار السيئة سيكون أمراً قاسياً. وعندما جاء شهر يناير/كانون الثاني، شعر أنّ الموظفين كانوا مركزين بالفعل على إغلاق السنة بالتقارير النهائية والعمل الإضافي من أجل التخطيط للسنة المالية الجديدة. وبحلول أوائل شهر شباط/فبراير، كان الموظفون جميعاً قد أتموا عملهم وقاموا بالفعل بإنشاء ميزانيات تجاوزت التخفيضات المستهدفة الآن. وعندما علموا بشأن التخفيضات، شعروا باضطراب شديد من تكرار العمل الضخم الذي يتوجب عليهم القيام به، ناهيك عن شعورهم بخيبة الأمل بسبب فقدانهم التمويل للمشاريع التي كانوا يأملون في الحصول عليه. كما أنهم عندما اكتشفوا أنّ مديرهم كان على علم بالتخفيضات منذ أشهر؛ غضبوا وشعروا بأنه تم خداعهم.

كان الاضطراب العاطفي الذي تسبب به المدير التنفيذي – وهو الموقف الذي أمضى أربعة أشهر في محاولة تجنبه - أشد قسوة الآن بكثير مما لو كان قد أعلمهم بتلك التخفيضات منذ البداية. والأسوأ من ذلك، فقد تدنت جودة القرارات التي اتخذها الفريق في ذلك الوقت القصير والذي مدته بضعة أسابيع فقط، فلو أنّهم استغلوا مدة الأشهر الأربعة في التخطيط، كانوا قادرين على العمل على الرغم من شعورهم بالألم وكان لديهم المزيد من الوقت للتفكير بشكل مبتكر بشأن خياراتهم.

وكانت العاقبة الأكثر ضرراً هي أنّ المدير قد أضاع فرصة مساعدة فريقه على بناء القدرة على الصمود في مواجهة التحديات الصعبة، وعوضاً عن تعلّم التعاون في سبيل العثور على حلول خلاقة، شعروا بأنهم محبطون ومشتتون بسبب خداع قائدهم. لقد علّمهم أنه لا ينبغي عليهم التحدث بصراحة عن الأخبار السيئة.

"أنا ملتزم بمعايير الجودة والدقة"

بالنسبة للقادة الذين يصارعون غموض النتائج الذي يأتي غالباً مترافقاً مع قرارات لها انعكاسات طويلة المدى، فإنّ القلق من أن يكونوا على خطأ يمكن أن يكون مدمراً. إنهم يحاولون فرض اليقين من خلال تحليل المزيد من البيانات وطلب المزيد من الآراء، لكن المشكلة الحقيقية تكمن في خوفهم من أن يبدوا مغفلين.

إنّ عملية اتخاذ إجراءات على الرغم من شح البيانات هي مهمة المدير التنفيذي، فأنت أحياناً لا تعرف ما إذا كان القرار "صحيحاً" إلا بعد مضي زمن على اتخاذه.

وإنّ سبب هذا التبرير الشائع هو أنك تعلّم الموظفين أنه ينبغي عليهم تجنب الأخطاء مهما كان الثمن، "وأنّ الظهور بأنهم على صواب" أكثر أهمية من "التصرف بشكل صحيح". وعلاوة على ذلك، إذا انتهى بك المطاف في موقف حيث تمتلك خيارات أقل ويتوجب عليك اتخاذ قرار دون المستوى المطلوب، فإنك ستبدو غير كفؤ بشكل أكبر إذا ما تمت مقارنة ذلك باتخاذك أفضل قرار ممكن ببيانات محدودة.

بصفتك مديراً تنفيذياً، يجب أن تكون قدوة في خوضك للمخاطر المحسوبة والتعلم من الأخطاء، وفي حين أنّ عواقب أي خيار قد تبدو جسيمة، فمن المحتمل أن يشوه قلقك الواقع. من بين آلاف القرارات التي تتخذها أنت وزملاؤك القادة في أي أسبوع كان، فإنّ بعضها لن يتم كما هو متصور، من الأفضل أن تقدم خدمة لموظفيك من خلال أن تكون قدوة لهم في كيفية تعاملك مع ذلك الواقع عوضاً عن محاولة إقناعهم بأنه يمكن تجنبه.

"أريد أن يُنظر إلي على أنني منصف"

في عالم تغزوه أخبار عن قادة يسيئون معاملة الموظفين بتوقعات قاسية وغير منصفة، وعلاوات تُحتسب على مدى مشاركة الموظف؛ يخشى العديد من القادة أن يُنظر إليهم على أنهم مهملين أو يطبقون سياسة المحاباة. وقد أصبح هذا صحيحاً لا سيما في عالم يحصل فيه الجميع على "تقدير المساهمة" لأنّ القادة يعتقدون خطأً أنّ الإقرار بتباينات الأداء شأنه شأن إظهار مستويات مختلفة من الاحترام. وتحت ستار الإنصاف، يتجنب القادة غالباً القرارات الصعبة التي تفرّق بين الأداء القوي والأداء المتوسط، بل والأكثر إيلاماً، يفشلون في استبعاد الأداء الضعيف. على سبيل المثال، عوضاً عن اختيارك لأفضل شخصين قاما بتقديم المشاريع من فريقك ليأخذا الحصة الأكبر من المشاركة خلال الاجتماع التالي الذي يحضره الجميع في شركتك، قد يبدو الأمر لك "أكثر إنصافاً" أن تشارك هذه المهمة البارزة بين كامل أعضاء فريقك، حيث يكون تجنب القرار الصعب هو الأمر الذي قمت بفعله. أو قد تعتقد أنه "من الإنصاف فقط" إعطاء الشخص الذي لا يستطيع القيام بعمله بشكل واضح فرصة أخرى، ولكن هذا لا يخلق سوى إحساساً زائفاً بأنك تطبق مبدأ المساواة بين أعضاء فريقك، ما يؤدي إلى تقويض الأداء.

إنّ الفشل في معالجة قصور الأداء أو الإقرار بالعمل الرائع لذوي الأداء العالي فعل فيه الكثير من الظلم أو قلة الاحترام للموظفين. إنّ تمييز مستويات الأداء هي من مهام القائد، فعندما تتفادى القرارات التي تُحدد ذلك، فإنك تقلل من شأن الجدارة وتعيد تعريف المساهمة على أنها مجرد جهود مبذولة، بغض النظر عن النتيجة. إنه أمر غير منصف بالنسبة لذوي الأداء المميز الذين يُرجح بأن يكون عملهم يُمثّل نسبة مئوية أكبر من غيرهم، والتي تشكل أحد أسباب نجاح الفريق، وهو قاس بالنسبة لأصحاب الأداء المتدني الذين يُتركون يتخبطون في أدوار غير مهيئين لها. إنّ المستوى الذي نبني على أساسه الاحترام والذي نُدين به للآخرين كزملاء عمل وأخوة في الإنسانية لا يُمس عندما نكون صادقين إذا ما تعلق الأمر بفروقات المهارات والمساهمات، بل إنّ ذلك يُعد من الأمور المعززة للأداء.

إنّ السمعة التي تُشترى ليست أكثر من عقد غير معلن للتلاعب المتبادل، وكل ما تفعله هو تدريب الموظفين على الاعتقاد بأنهم يستطيعون الحصول على ما يريدونه ببساطة عن طريق جعلك خائفاً من فقدان تقييم قبولهم العلني لك. والعواقب المستترة، هي أنك حددت كيف تتم مقايضة الاحترام بين موظفيك، وأنه يُمكن شراء احترام السمعة عوضاً عن كسبها من خلال التعاون والمساهمة.

تكون القرارات الصعبة أحياناً غير منصفة للبعض ولكن الموظفين بحاجة إلى معرفة أنك عادل في كيفية اتخاذها، إذا كانت العجلة الصدئة دائماً ما تشق طريقها، فإنك سوف تكتسب سمعة بأنك غير منصف وضعيف.

بصفتك مديراً تنفيذياً، فإنّ كيفية اتخاذك للقرارات الصعبة سوف تشكل ثقافة صنع القرار في مؤسستك مع مرور الوقت، وتلك الأعذار تُعلّم الموظفين أنّ حماية الذات والمصلحة الشخصية هي دوافع مشروعة أثناء اتخاذ خيارات صعبة. إذاً، مهما كانت شدة الألم المؤقت الذي قد تُسببه جرّاء اتخاذك قرارات صعبة، يجب أن يتضاءل مقارنة بالأولوية التي حددتها؛ وهي أهمية وضع نجاح المؤسسة نصب عينيك.

تنويه: إن نسخ المقال أو إعادة نشره بأي شكل وفي أي وسيلة دون الحصول على إذن مسبق يعتبر تعدياً على حقوق الملكية الدولية ويعرض صاحبه للملاحقة القانونية.

ﺟﻣﯾﻊ اﻟﺣﻘوق ﻣﺣﻔوظﺔ ﻟﺷرﻛﺔ ھﺎرﻓﺎرد ﺑزﻧس ﺑﺑﻠﯾﺷﻧﻎ، ﺑوﺳطن، اﻟوﻻﯾﺎت اﻟﻣﺗﺣدة اﻷﻣﯾرﻛﯾﺔ - 2018

شاركنا رأيك وتجربتك

كن أول من يعلق!

التنبيه لـ

wpDiscuz
error: المحتوى محمي !!