في العام الماضي كتبت سوزان فولر، وهي موظفة سابقة في شركة أوبر، تدوينة أحدثت ضجة هائلة تصِف فيها ما عايشته خلال عملها في الشركة كمهندسة.

وصفت تعرضها لتحرش جنسي حاد، وقسم الموارد البشرية الذي لم يرغب أو لم يتمكن من مساعدتها، وبيئة العمل المسمومة والتي دفعتها في نهاية الأمر إلى ترك العمل في الشركة. وقد تلقى مقالها اهتماماً واسعاً. يمكن تلخيص رد فعل الكثير بـ: "نحن في هذا العصر وما زالنا نعاني مثل هذه الأمور؟".

للأسف نعم ما زلنا كذلك. ومن المهم الإشارة إلى أنّ شركة أوبر لا تعاني وحدها - كما يقال- من مشكلة الحفاظ على مهندساتها الإناث ودعمهن. وفي حين تبدو الكثير من التفاصيل التي وصفتها سوزان مبالغ فيها، إلا أنّ العديد من المهندسات أفدْن بأنه للأسف لا تزال بيئات العمل العدائية منتشرة.

أصدر مركز وورك لايف للقانون في العام 2016 تقريراً بالتعاون مع منظمة مجتمع من أجل النساء المهندسات، سُمّي بـ"التحكم بمناخ العمل: تحيز عنصري وقائم على الجنس في الهندسة؟" بناء على استطلاع رأي شمل أكثر من 3,000 مهندس. ووجدنا أنّ مناخ العمل في مجال الهندسة أصعب على النساء منه على الرجال.

تشعر المهندسات أنّ عليهن إثبات أنفسهن باستمرار، مراراً وتكراراً، وهو ما نسميه بتحيز "أثبت الأمر مرة أخرى". وقد أفادت نسبة 61% من النساء أنّ عليهم إثبات أنفسهم بشكل متكرر للحصول على المستوى نفسه من التقدير كزملائهم الرجال.

قالت إحدى النساء: "على المرأة أن تظهر بشكل احترافي أكثر وتظهر براعة فنية دائماً لتلقى احتراماً كما المهندس الرجل والذي هو مجرد مهندس عادي". جزء من هذا يعود سببه إلى الصور النمطية المتأصّلة فينا، فعندما نفكر بمهندس بارع، أول ما يخطر في بالنا؟ بالنسبة لأغلبنا، رجل. وبذلك تضطر النساء إلى العمل بجهد مضاعف، وإلى إثبات أنفسهن كثيراً ليُنظر إليهن على أنهنّ مؤهلات بالقدر نفسه من الرجال.

قيل لسوزان من قِبل مدرائها أنها لا تملك مساراً وظيفياً تصاعدياً، على الرغم من أنها، وكما قالت لهم، نشرت كتاباً حصل على أفضل المبيعات، وتحدثت في مؤتمرات تقنية، وفعلت كل ما يفترض على مهندس يمتلك المسار الوظيفي التصاعدي فعله، وهذا هو الوصف التقليدي لتحيز "أثبت الأمر مرة أخرى" الذي ذكرناه.

هناك أيضاً نوع آخر من التحيز يسمى الحبل المشدود؛ حيث تكون السلوكيات المقبولة في العمل محدودة، وهذا يؤثر على كل شيء، ابتداء بكيف يراك زملاؤك شخصياً وانتهاء بكيفية توزيع المهام. وقد ذكر تقريرنا إفادة النساء بأنهنّ أقل قدرة على التصرف بحزم من الرجال بنسبة 51% و67% على التوالي، وأنهن أقل قدرة على إظهار الغضب دون الحصول على رد فعل معارض بنسبة 49% و59%. كما أفادت المهندسات أنّ عليهن القيام بـ"الأعمال المنزلية المكتبية"، مثل كتابة الملاحظات وتخطيط المواعيد، أكثر من الرجال، وأنهن أقل قدرة على استلام المهام المرغوبة من الرجال.

في شركة أوبر، وعندما بدأت سوزان بالاستجابة للكم الهائل من السلوكيات المسيئة التي تتعرض لها من خلال الإبلاغ عن كل ما يمكنها قوله لقسم الموارد البشرية، قيل لها من قِبل القسم ذاته أنه كان من غير المناسب أن تقوم بهذه الإبلاغات وأنها قد تكون هي - سوزان- المشكلة.

يشير بحثنا إلى أنّ هذين النوعين من التحيز ما هما إلا جزء صغير من العقبات الموجودة في مجال الهندسة. كما وجد تقريرنا مستوى متزايداً في التحيز ضد المهندسات الأمهات، وتحيز قائم على الجنس (تحيز ضد المرأة) في أنظمة العمل مثل التعويضات المقدّمة للموظفين وتقييم الأداء، وتحيز ضد المهندسين كبار السن وغير ذلك من أنواع التحيز.

لن تعود هذه المناخات المسمومة بالفائدة على مجال الهندسة إذا سُمح لها بالاستمرار، فالأشخاص الذين تم تعيينهم لخبرتهم الفنية لا يمكنهم إثبات أنفسهم بحرية، وتراهم عالقون في فعل أشياء مثل تدوين الملاحظات في الاجتماعات. هل يبدو هذا استثماراً جيداً للمواهب المتميزة؟ في بعض الحالات، المناخات العدائية تجاه المهندسات، قد تتسب بخلق مخاطر قضائية عالية أو فضائح علنية محرجة.

تحتاج الشركات إلى معالجة هذا النوع من المشاكل واتخاذ خطوات عملية للقضاء على التحيز ضد النساء وخصوصاً في مجالات العلوم والتقنية والهندسة والرياضيات كالإصلاح المناخي الذي يجب أن يتم في مجال الهندسة. والشركات التي لا تهتم بمعالجة هذه المشاكل ستستمر باستنزاف المواهب. (أفادت سوزان أنه عند انضمامها لشركة أوبر، كانت نسبة النساء في القسم 25%، وعند رحيلها انخفضت النسبة إلى 3%).

لنكن واقعيّين، الحديث عن احتياج مجال التقنية إلى المزيد من النساء وعن ضرر التحرش الجنسي ليس كافياً. ومن الواضح أنّ تدريبات التوعية تجاه التنوع والشفافية اللامتناهية غير مجدية. لتقليل التحيز أو إيقافه فعلياً، تحتاج هذه الشركات إلى إجراء تعديلات قائمة على الأدلة في أنظمة العمل، على أن تكون هذه التعديلات عملية وسهلة التنفيذ. يُطلق على هذه التعديلات "قاطعات التحيز" لأنها تقلّل التحيز أو توقفه من دون الحاجة إلى تغيير معتقدات عميقة شعورية أو لا شعورية  (والتي على الرغم من كونها غاية قيمة، إلا أنها يمكن أن تكون عملية بطيئة جداً). تعتمد هذه القاطعات على مقاييس معينة حتى تتمكن الشركات من قياس نجاحاتها وتوثيق تقدّمها وتحويل أقوالها إلى أفعال.

على سبيل المثال، يمكن تفادي الكارثة التي تصفها سوزان، والتي تتعلق بعملية تقييم أدائها، إلى حد كبير من خلال بضع تعديلات بسيطة. قيل لسوزان أنّ مشاكل الأداء لا تتعلق دائماً بالعمل وأنّ حياتها الشخصية أثرت على هذه المشاكل. وقد تلقّت تعليقات غير  واضحة حول عدم كونها مختصة بما فيه الكفاية وإزعاجات دائمة بسبب عدم امتلاكها "السلم الوظيفي التصاعدي".

ويُظهر البحث أنّ النساء أكثر عرضة للانتقاد من الرجال بسبب الصفات الشخصية، وأنه من المرجح وصفهنّ بأوصاف مثل "من الصعب التعامل معهنّ" بسبب صفات شخصية لديهن تُعدّ مقبولة من الرجال، وأنه من الأقل احتمالاً حصولهن على انتقادات محددة ومهنية والتي يحتاجها جميع الموظفين للنمو في وظائفهم.

كيف يمكن لقاطعات التحيز أن توقف هذا النوع من التناقض في التعليقات الموجهة للنساء؟ سيكون على الشركة أن تطلب ببساطة أن تكون التعليقات المهنية مفصولة عن التعليقات الشخصية. كما يمكن دعم انتقادات الأداء بأدلة محددة من فترة تقييم محددة. على سبيل المثال، يمكن توجيه المدراء الذين تكون انتقاداتهم على نمط "سوزان غير مختصة بما فيه الكفاية" لتكون انتقادهم بناءة ومحددة أكثر. كما يمكن لتقييمات الأداء والإمكانية أن تكون منفصلة بالنظر إلى ميل الرجال لأن يتم الحكم على إمكانياتهم وميل النساء لأن يتم الحكم على أدائهن.

إجراء مثل هذه الإصلاحات الصغيرة ولكن الفعالة، يمكن أن يمنع التحيز لنتمكن من تجاوز مرحلة القول بأننا نحتاج إلى أن نقوم بما هو أفضل، ونقوم بهذا فعلاً.

تنويه: إن نسخ المقال أو إعادة نشره بأي شكل وفي أي وسيلة دون الحصول على إذن مسبق يعتبر تعدياً على حقوق الملكية الدولية ويعرض صاحبه للملاحقة القانونية.

ﺟﻣﯾﻊ اﻟﺣﻘوق ﻣﺣﻔوظﺔ ﻟﺷرﻛﺔ ھﺎرﻓﺎرد ﺑزﻧس ﺑﺑﻠﯾﺷﻧﻎ، ﺑوﺳطن، اﻟوﻻﯾﺎت اﻟﻣﺗﺣدة اﻷﻣﯾرﻛﯾﺔ - 2018

شاركنا رأيك وتجربتك

كن أول من يعلق!

التنبيه لـ

wpDiscuz
error: المحتوى محمي !!