تابعنا على لينكد إن

إنَّ النمو المتصاعد للتعلم الآلي والذكاء الاصطناعي، كأغلب التقنيات التحويلية، مثير ومخيف في الوقت ذاته. فمن المثير أن نفكر في جميع الوسائل التي ربما تتحسن بها حياتنا، بداية من إدارة روزناماتنا وحتى إجراء التشخيصات الطبية، لكن من المرعب أن ننظر في التداعيات الاجتماعية والشخصية المترتبة على ذلك – ولا سيما التداعيات المتعلقة بمسيراتنا المهنية. ومع استمرار التعلم الآلي في النمو، أمسينا جميعاً بحاجة إلى اكتساب مهارات جديدة كي نُميز أنفسنا بها عن الآخرين. ولكن، ما المهارات التي يتعين علينا اكتسابها؟

لطالما عرفنا أنّ الذكاء الاصطناعي والأتمتة – ستحدث الروبوتات تغييراً في الأسواق والقوة العاملة. ولسوف تُجبر السيارات ذاتية القيادة أكثر من 3,000 سائق شاحنة على البحث عن أشكال جديدة من التوظيف، وستستمر خطوط الإنتاج الآلية، كخط تيسلا، في إطاحة الوظائف بمجال التصنيع والمقدر عددها بـ12 مليون وظيفة، وهو العدد الذي يشهد تناقصاً مستمراً. لكنّ هذه بداية عملية الزعزعة لا أكثر. فبينما يتطور الذكاء الاصطناعي، وهو  ما يحدث بسرعة، سوف يتأثر نطاق أوسع بكثير من الوظائف التي تقتضي “التفكير” لا الوظائف التي تقتضي “المجهود العضليّ”. إننا نتحدث هنا عن المهن التي لم نكن لنتخيل، حتى السنوات القليلة الماضية، أن تُنجز مهامها من دون مشاركة إنسان مُدرّب؛ وهي مهن كالمعلم والطبيب والمستشار المالي وسمسار الأوراق المالية، والخبير التسويقي واستشاريّ الأعمال.

هناك الكثير من الأمور التي يمكن للآلات إنجازها على نحو أفضل من البشر، ولا ينبغي أن نتفاخر بالإقرار بذلك. فكثير من المهن تتبع سير العمل العام نفسه:

  1. جمع البيانات.
  2. تحليل البيانات.
  3. تفسير النتائج.
  4. تحديد مسار العمل الموصى به.
  5. تنفيذ مسار العمل.

ويمكننا النظر إلى أيّ عدد من المهن كي نتأكد مما إذا كان ذلك صحيحاً. فالأطباء يُجرون الفحوص الطبية ويحللون النتائج ويفسرونها ليخلصوا إلى التشخيص ويخططوا لبرنامج علاجيّ، ومن ثم يتعاونون مع المريض بغية تحويل هذا البرنامج العلاجيّ إلى واقع ملموس.

ويجمع المستشارون الماليون بيانات حول عملائهم ووسائل الاستثمار المحتملة ويحللونها ويفسرون تداعياتها وفقاً لمجموعة متنوعة من العوامل، مثل القدرة على تحمل المخاطر، ويوصون باستراتيجية استثمار ويساعدون عملاءهم على تنفيذ تلك الاستراتيجية بمرور الوقت.

ويقوم استشاريو الأعمال بغالبية الأعمال نفسها، غير أنهم يشخّصون مشاكل الأعمال ويجدون حلولاً لها.

إنّ تلك العمالة العالية المهارة يمكن أن تُطالب برواتب عالية نظراً لثلاث إمكانات تتمتع بها؛ ألا وهي قدرتهم على الاضطلاع بالمهام الروتينية الأولية بسرعة وبدقة، وخبراتهم وحكمهم على الأمور في ما يتعلق بتحديد مسار العمل، وبراعتهم في مساعدة العملاء على اتباع ذاك المسار. وسرعان ما سيتفوق الذكاء الاصطناعي والتعلم الآلي على قدراتنا المتعلقة بالإمكانيتين الأولى والثانية — وسيغير ذلك مجموعة المهارات اللازمة لأي عامل يتمنى أن يحتفظ بوظيفته في تلك المهن، وهي تشهد تحولاً بفعل الذكاء الاصطناعي.

من السهل أن نلمس دور الأنظمة المؤتمتة في جمع البيانات وتحليلها. ولقد قبلنا فكرة أنّ الآلات يمكنها أن تقوم بتلك الأنواع من المهام بفعالية وكفاءة. لكن إمكاناتها تتجاوز هذا الحد. فالبشر قدراتهم محدودة وغالباً ما يسيطر عليهم التحيز. على سبيل المثال، لن يتمكن الأطباء قطّ من مواكبة كل منشور جديد في مجالات خبراتهم، وسيتعين عليهم بدلاً من ذلك الاعتماد على عدد قليل من التجارب الشخصية عوضاً عن المعرفة الكاملة في مجال عملهم. ويمكن أيضاً أن يشهد الاستشاريون الكثير جداً من التحولات في شركاتهم على مدار مشوارهم المهنيّ. فمن مجموعة ضيقة الأفق من التجارب يُشكّلون تفضيلاتهم وتوقعاتهم وآراءهم. وليس بوسعنا نحن البشر الاتصال بالمزيد من الخوادم وحسب عندما نصل إلى حدودنا من حيث معالجة معلومات جديدة، بل يتعين علينا الاعتماد على تفضيلاتنا وعاداتنا وقواعدنا العامة التي غالباً ما تكون متحيزة.

ربما يقول البعض إنهم لن يثقوا قطّ بالآلات في صنع القرارات المهمة، كإدارة صحتنا وأموالنا، لكنّ هذا الضرب من التفكير ينتمي للقرن العشرين. وثمة جيل جديد يتعامل مع أجهزة ذكية يثق بها وغالباً ما يفضلها. علاوة على ذلك، من الصعب على أي شخص أن يُشكك في النتائج. فنظام الحاسوب واطسون من شركة آي بي إم (IBM) يُشخص الحالات الطبية التي تُحير الأطباء، وترى المستثمرين يفرون من الصناديق المدارة إدارة قوية ويرتمون في أحضان الصناديق المدارة إدارة سلبية التي تكون أفضل أداء. إنّ قيمة بعض أفضل مساراتنا الوظيفية تتراجع بالفعل.

إنَّ الذين لا يريدون أن يفقدوا صلتهم بمهنهم سيكونون بحاجة إلى التركيز على المهارات والقدرات التي يصعب على الذكاء الاصطناعي محاكاتها — كفهم البشر وتحفيزهم والتفاعل معهم. فقد تكون الآلة الذكية قادرة على تشخيص مرض ما، بل والتوصية حتى بعلاج أفضل مما يوصي به الطبيب. لكنّ الأمر يتطلب إنساناً كي يجلس مع المريض ويفهم موقفه الحياتي (بما يشتمل عليه من أمور مالية وعائلية وجودة حياة وما إلى ذلك)، ويساعد على تحديد الخطة العلاجية المثالية له.

وبالمثل، قد تكون الآلة الذكية قادرة على تشخيص مشاكل أعمال معقّدة والتوصية بإجراءات لتحسين مستوى مؤسسة ما. لكنّ الإنسان ما برح أن يكون الخيار الأمثل لوظائف كتلك التي تقتضي حث فريق القيادة على العمل وتجنب المسائل السياسية الحساسة، وتحديد الأفراد البارعين المناسبين لقيادة التغيير.

إنّ هذه القدرات البشرية هي التي ستصبح ذات قيمة أكبر تدريجياً على مدار العقد التالي. فمهارات مثل الإقناع والتفاهم الاجتماعي والتعاطف ستمسي هي العوامل الفارقة في الوقت الذي سيضطلع فيه الذكاء الاصطناعي والتعلم الآلي بمهامنا الأخرى. ومن سوء الطالع أنّ هذه المهارات البشرية النزعة عُدّت عموماً أولوية ثانوية في سياق التدريب والتعليم. ولقد شهدنا جميعاً الطبيب أو المخطط المالي أو الاستشاري الذي ينصب تركيزه على تقاريره وبياناته بقدر أكبر مما ينصب على أحوالنا ورغباتنا.

ومهما كانت النتيجة، ستصبح هذه المهارات محورية لكل من يودّ أن يحتفظ بمكانته في مجال عمله حين تنتشر الأنظمة المؤتمتة. ولدينا ثلاث توصيات في هذا الصدد:

  • لا تُقاوم التقدم التقني. إنّ للتعلم الآلي والذكاء الاصطناعي القدرة على تحسين النتائج وخفض التكلفة — وعليه فلا تقاوم الروبوتات. رحّب بالتغيّر في الصناعة التي تعمل بها، واعمل على أن تجعله تغيراً مثمراً ومكمّلاً.
  • تفقّد قدراتك المتعلقة بالتواصل مع الآخرين وتحفيزهم وتقييمهم. واعترف بمواطن قوتك وضعفك متى تعلق الأمر بالذكاء العاطفي.
  • استثمر في تطوير ذكائك العاطفي. وإنّ أبسط طريقة لذلك تتمثل في تغيير نموذجك الفكري حيال الجوانب المهمة في دورك. ابدأ في التركيز على كيفية إدارتك للآخرين والتأثير فيهم والتعاطف معهم على نحو أفضل، أو اخط خطوة إضافية للأمام وابحث عن فرص التدريب وفرص توسيع آفاقك.

إنّ ما يتعين عليك تقديمه — وأعني ما يمكنك أن تتفوق في أدائه على الآلات الذكية — يتلخص في التعاطف مع من هم حولك. ابدأ بتعزيز تلك القدرات والاستثمار فيها على النحو نفسه الذي عززت به الجوانب الأكثر فنيّة من سيرتك المهنية واستثمرت فيها. إذا كان باستطاعتك أن تصبح محفّزاً أو مديراً أو مستمعاً بارعاً، سيكون لديك، رغم كل شيء، دور تستطيع أن تؤديه حين تغير التقنية صناعتك.

تنويه: إن نسخ المقال أو إعادة نشره بأي شكل وفي أي وسيلة دون الحصول على إذن مسبق يعتبر تعدياً على حقوق الملكية الدولية ويعرض صاحبه للملاحقة القانونية. جميع الحقوق محفوظة لشركة هارفارد بزنس ببليشينغ، بوسطن، الولايات المتحدة الأميركية – 2018.

هذه المقالة عن تكنولوجيا

شاركنا رأيك وتجربتك

كن أول من يعلق!

التنبيه لـ

wpDiscuz