ينطلق عملائي وطلابي دائماً من فكرة أنّ المنافسين يجب أن يفاجئ بعضهم بعضاً في استراتيجياتهم. فكما يرون، يجب ألا يكون لدى منافسيك أية فكرة عما أنت عازم على القيام به.

وأظن أنّ الكثير منكم سيقول: "إنّ انتهاج خطط غير متوقعة هو أمر تنافسي".

يُعتبر الاحتفاظ بالأسرار ميزة تنافسية مهمة. تصور مثلاً أنّ الحلفاء قد أعلنوا عن تاريخ وموقع اجتياح النورماندي يوم تحريرها (وهي إحدى المناطق الإدارية في شمالي فرنسا). أو اسأل شركة كوكاكولا عن الخلطة السرية لمشروبها. فلو فعلت ذلك لهزئ بك كل من في الشركة.

فاتباعك السرية في أعمالك شيء، وانتهاجك للخطط غير المتوقعة شيء آخر. فالسرية تشكل دافعاً للاستثمار في الأصول والأرصدة وبخاصة الفكرية منها، في حين أنّ انتهاج الخطط غير المتوقعة يعني اللجوء إلى الخداع والتظاهر والمراوغة بغية الحصول على ميزة تفضيلية من خلال الغموض والتضليل. من شأن هذا النهج أن يخرج الطرف الآخر عن توازنه ويربكه ويشوّش أفكاره ويجعله يضيّع جهده ووقته ويدفعه إلى ارتكاب الأخطاء.

بالطبع هناك حالات، على الأقل من الناحية النظرية، قد ترجح فيها كفة الفوائد المحتملة لهذا النهج على كفة كلفته. غير أنّ خبرتي مع الاستراتيجيات التنافسية على أرض الواقع تُظهر أنّ تلك الحالات نادرة وغير شائعة.

يُعتبر سلوك هذا النهج في الاستراتيجيات التنافسية أمراً مكلفاً. فمن غير المنطقي بناء مصنع زائف أو إصدار منتج مزور لمجرد التمويه. وإنك لا تخرج فجأة من سوق ما لتدخل في سوق أخرى (تصوّر ردة فعل شركائك!). فضلاً عن ذلك لا يمكنك تطبيق استراتيجية تنافسية خلف الأبواب الموصدة. بل إنّ الجميع يسمع ويرى الأعمال التي تقوم بها والوعود التي تُطلقها. لذلك فإنّ سلوكك العصي على التوقع من قبل مجموعة ما بين مجموعات العملاء والموظفين والمنافسين والموردين وسواهم، سيعني بالضرورة أنه سيكون عصياً على التوقع من قبل باقي المجموعات أيضاً. وهذا لا يمكن أن يُسهم في بناء الثقة.

قد تؤدي الاستراتيجية التي تتبعها شركة ما إلى نتائج عكسية إذا ما تلقاها الطرف الآخر بوصفها غير متوقعة بدرجة مثيرة للشك. هذا ما اكتشفته مع أحد عملائي كنتيجة في لعبة محاكاة حرب الأعمال التي كنت ميسرها. فقد أرادت الشركة اختبار خطة حيادية فيما يتعلق بالإيرادات لكنها تهدف إلى تبسيط عملية تسعير المنتجات في مجال عملها. ومن حيث المبدأ، فإنّ التأثير التنافسي لتلك الخطة من المفترض أن يكون معدوماً كتأثير تغيير لون شعار الشركة على سبيل المثال. إلا أنّ منافسي الشركة، وبسبب ضبابية استراتيجيتها وموقفهم المشكك، أُصيبوا بالذعر وبدؤوا يشنّون حرب أسعار عليها.

إنّ النهج المعاكس لانتهاج خطط غير متوقعة في مجال الأعمال لا يتمثل في انتهاج خطط متوقعة، بل في كونك رائد أعمال استراتيجي.

لنأخذ أكثر المنافسات ضراوة في لعبة "من الجبان؟" على سبيل المثال التي تختبر مقدرة اللاعب على التحمّل والمجازفة والمسؤول عنها هرمون التستستيرون الغريزي. تلك المنافسة هي السباق وجهاً لوجه، حيث يدخل لاعبان يظنان نفسيهما خارقين السباق بسيارتيهما وينطلق كل منهما نحو الآخر مباشرة بأقصى سرعة ممكنة، ومن ينحرف أولاً يكون الخاسر "الجبان". فما هو طريقك الأمثل للربح؟ إنه في الاتباع الصارم لاستراتيجية واضحة لا رجعة فيها، ألا وهي أن تنزع مقود سيارتك قبل الاصطدام بلحظة واحدة مع ضمان ألا يراك منافسك وأنت ترمي المقود من النافذة.

يظن البعض أنّ انتهاج خطط غير متوقعة قد يكون صالحاً في الاستراتيجية التنافسية. هذا ما لمسته في تجربتي خلال تطبيق برنامجي "مسابقة أفضل الاستراتيجيات التسعيرية"، وهو عبارة عن برنامج محاكاة أجريته مع أكثر من 1,000 شخص يسمح للمشارك بتجريب استراتيجيات تسعيرية مختلفة في ثلاثة مجالات عمل عامة (وبوسعك أنت أيضاً أن تجرب ذلك). وفي تلك المسابقة تبيّن أنّ الأشخاص الذين اختاروا "انتهاج خطط غير متوقعة" كاستراتيجية تسعيرية، قد دفعوا بأسعارهم إلى التخبط العشوائي صعوداً وهبوطاً وثباتاً في كل ربع سنة من المحاكاة.

ولقد أدى اختيار انتهاج خطط غير متوقعة إلى أسوأ أداء عام بين الاستراتيجيات المطروحة للخيار ذاته. كما بيّنت المحاكاة أيضاً أنّ هذا النهج يؤدي إلى أوسع طيف من النتائج تبعاً لملايين السيناريوهات المحتملة المرتبطة بعوامل أخرى، ففي بعض الأحيان تكون النتيجة إيجابية مفرحة لكنها ربما تكون سلبية محزنة في معظم الأحيان.

إذاً، لماذا يؤدي انتهاج خطط غير متوقعة إلى أداء سيء؟ لأن اتباعه يتطلب منك التخلي عن فرصة كبيرة للنجاح: ألا وهي فرصة القيادة.

لا أعني بمفهوم "القيادة" أن يتبعك الآخرون، وبخاصة لأنني لا أظن أنّ الكثيرين سيتبعون قائداً يبقيهم دائماً في حالة حيرة وتخمين مستمرين ولا يعرفون أين هم. علاوة على ذلك، فإنّ انتهاج خطط غير متوقعة يصعب عليك إبقاء موظفيك تحت السيطرة، فلسان حالهم يقول باستمرار: "كيف لي أن أضمن ألا تفعل بي في المستقبل ما تفعله بالآخرين الآن؟"، و"إذا كنت من مؤيدي انتهاج خطط غير متوقعة، فكيف لي أن أعرف ماذا تفكر وما هي خطتك؟ إنني أقصد بمفهوم "القيادة" أن تؤثر في الأحداث وتطرح المبادرات وتُظهر التزاماً يُبعدك عن أن تكون "الجبان". بمقدورك القيادة من خلال التأثير على الآخرين، وبخاصة أولئك الذين ليسوا بأصدقائك. قد تكون قيادتك جيدة أو سيئة، لكن انتهاج خطط غير متوقعة لا يسمح لك بالقيادة على الإطلاق.

تذكّر لعبة "من الجبان؟" واستراتيجية رمي المقود من نافذة السيارة. إنها استراتيجية جيدة لكنها ليست آمنة دائماً. فماذا لو فعل السائق الآخر الأمر ذاته في نفس اللحظة؟ أراهن أنّ أياً منكما لن يكون بمقدوره توقع ذلك. غير أنّ القائد الاستراتيجي الحقيقي يقوم في هذه الحال بتركيب أفضل وسادة هوائية في الكون، أو مقعد قاذف ينقذه في آخر لحظة، أو آلية سرية للغاية لقيادة السيارة بالأقدام. القادة الحقيقيون قد يتفقون على تعريف النجاح بأنه شيء آخر غير جعل الخصم ينحرف أولاً، بل إنهم ما كانوا سيقبلون الاشتراك بلعبة "من الجبان؟" من الأصل.

تُتيح لك القيادة اختيار اللعبة التي تريد أن تلعبها وطريقة اللعب التي ترغب بها. فإن لم تفعل، سيأتي شخص آخر ويتسلّم زمام الأمور بدلاً منك.

تنويه: إن نسخ المقال أو إعادة نشره بأي شكل وفي أي وسيلة دون الحصول على إذن مسبق يعتبر تعدياً على حقوق الملكية الدولية ويعرض صاحبه للملاحقة القانونية.

ﺟﻣﯾﻊ اﻟﺣﻘوق ﻣﺣﻔوظﺔ ﻟﺷرﻛﺔ ھﺎرﻓﺎرد ﺑزﻧس ﺑﺑﻠﯾﺷﻧﻎ، ﺑوﺳطن، اﻟوﻻﯾﺎت اﻟﻣﺗﺣدة اﻷﻣﯾرﻛﯾﺔ - 2018

شاركنا رأيك وتجربتك

كن أول من يعلق!

التنبيه لـ

wpDiscuz
error: المحتوى محمي !!