تابعنا على لينكد إن

لقد أصبحت علاقتنا المريضة بالبريد الإلكتروني الخاص بالعمل طبيعية جداً لدرجة أنني لم أعد واثقة ما إذا كان معظمنا قادراً على رؤية هذه المشكلة بعد الآن.

وأصبح الاقتباس التالي من مقالة نشرت في هارفارد بزنس ريفيو بعنوان: “كيف يقضي الأشخاص الناجحون عطلة نهاية الأسبوع” هو الحالة العامّة السائدة: “يقول سبنسر: أنا لا أذهب إلى المكتب أبداً خلال عطلة نهاية الأسبوع، لكنني أتفقد بريدي الإلكتروني ليلاً. فعطلة نهاية الأسبوع بالنسبة لي هي وقت هام للابتعاد عن العمل، وأخذ قسط من الراحة من مهامي اليومية، ولأمنح نفسي الفرصة لأفكر بعمق أكبر بأحوال شركتي والقطاع الذي أعمل فيه. كما أنّ عطلات نهاية الأسبوع هي فرصة عظيمة للتأمل والتدبر بعمق أكبر بالقضايا الأهم”.

أنا لا أعتقد أنّ سبنسر يحصل على “الاستراحة” التي يعتقد بأنّه يحصل عليه. فلا يستقيم القول: “عطلة نهاية الأسبوع هي بالنسبة لي وقت هام للابتعاد عن العمل وأخذ قسط من الراحة”، ثم الاعتراف بأنه لا زال يتفقد بريده الإلكتروني على الأقل مرتين خلال العطلة.

وحتى الإجازات السنوية لا تحظى بالقداسة المستحقّة. وفي ما يلي نصيحة شائعة من مقالة أخرى نشرت أيضاً في هارفارد بزنس ريفيو: “عندما تكون في إجازتك السنوية، أبعد كل أجهزتك عن متناول يدك. وخصص فترتين محددتين في اليوم، بحيث يعلم فريقك متى ستتفقد عملك للتواصل معك”.

إذاً، وباختصار، أنت تبعد أجهزتك عن متناول يدك أثناء وجودك في إجازتك السنوية، حتى تعود لتخرجها مجدداً عدة مرات في اليوم بحيث يكون بمقدورك أن تعمل، وعلى ما يبدو فإنّ الأنشطة التي ستمارسها خلال إجازتك يجب أن تراعي الأوقات التي يتعيّن عليك أن تتفقد عملك فيها!

وهنا يجب أن يكون واضحاً بالنسبة لكم بأنّ تعليقات مثل هذه تُظهر مدى التجذّر الذي وصلت إليه ثقافات العمل القائمة على أنّ المرء موجود على رأس عمله على الدوام. وبات الباحثون يطلقون على هذه الظاهرة اسماً هو “الضغط عن بعد” (telepressure)، ويعرّفونها على النحو التالي: “هي إحساس ملحّ بالتجاوب السريع مع الرسائل الإلكترونية، والرسائل الهاتفية النصية القصيرة، والرسائل الصوتية – بغضّ النظر عن كل شيء آخر يحصل، وما إذا كان الشخص موجوداً في مكان العمل حتى”. لكن هذه الثقافات القائمة على أنّ المرء موجود على رأس عمله على الدوام تسهم عملياً في تخريب الإنتاجية. وأظهرت الأبحاث بأنّ قضاء وقت أطول من الراحة بعيداً عن العمل هو أمر مرتبط بتحقيق المزيد من المكاسب. فالموظفون المنهكون من العمل، والمصابون بحالة من التوتر والخوف لا يمكن أن يكونوا مصدراً جيداً للأفكار الإبداعية.

وفي ملخص لمجموعة من الدراسات أجرته غايا غرانت، مؤلفة كتاب “من قتل الإبداع وكيف نستعيده؟”، لصالح شركة استشارات سويدية تدعى “إدارة الابتكار” (Innovation Management)، تقول غايا: “يحتاج التفكير الإبداعي إلى حالة من الاسترخاء، وإلى القدرة على التفكير في الخيارات بوتيرة بطيئة، وإلى الانفتاح من أجل استكشاف البدائل المختلفة من دون خوف”. ووفقاً لجين سبينسر، مؤسسة شركة تحمل اسم “المدير التنفيذي المُبدع” (The Creative Executive)، يُعتبر “اللعب” أحد المكونات الهامة للإبداع، وإذا كان كل ما يفعله الناس هو العمل، فإنّهم بذلك لا يخصصون أوقاتاً للعب، علماً أنّ هذه الأوقات تُعتبر هامة من أجل توليد الأفكار المبتكرة. “عندما نوازن بين العمل واللعب، فإننا بذلك ندرب عقولنا وأرواحنا. واللعب يعني الاستمتاع، والاسترخاء، والترويح عن النفس. وهو يمنح عقولنا القدرة على تعويض ما هدرته من موارد عندما نكون بحاجة إلى التصرف بطريقة استراتيجية، وإلى إقامة روابط جديدة، وإلى الابتكار”. بعبارة أخرى، إنّ “الضغط عن بعد” والابتكار غير قابلين للتعايش.

وإذا ما أراد القادة والموظفون على حد سواء التعامل مع هذه القضية، يتعيّن عليهم الإقرار بهذه الحقيقة، والإدراك بأنّ كل واحد منّا هو صاحب القول الفصل في ما هو مقبول بالنسبة له.

ما الذي يمكن للقادة أن يفعلوه؟

إذا كنت قائداً في مؤسستك، فإنّ تصرفاتك وسلوكياتك تؤثر على الثقافة السائدة فيها. فإذا اخترت الامتناع عن إرسال رسائل ليلية متأخرة، فإنّ موظفيك لن يشعروا أنهم خاضعون للضغوط لكي يتفقدوا أجهزتهم الإلكترونية. وتُعتبر بعض الرسائل المسربة حديثاً من البريد الإلكتروني لهيلاري كلنتون مثالاً واضحاً يبيّن كيف أنّ القائد هو من يحدد الإيقاع للموظفين: إحدى المساعدات بعثت لكلنتون التالي: “بقاؤك في المنزل غداً سيجعل الكثير من الأهالي في المناصب الأعلى يشعرون بأنّه لا بأس من البقاء في المنزل مع أطفالهم. وقد أكون إحداهن”.

وفي رسالة من مساعدة كلينتون هوما آبدين، تقول: “لقد علمت بأنك تفكّرين ربما بأخذ إجازة يوم الحادي والعشرين من ديسمبر/كانون الأول وأنا أنصحك بالإقدام على هذه الخطوة من أجل نفسك. فوتيرة العمل ضاغطة وأنت تستحقين هذه الإجازة. لكن ذلك يعني بأنّ الكثير من الناس الراغبين بأخذ إجازة لقضائها مع عائلاتهم قبل عطلة عيد الميلاد (وأقصد هنا أمّهات مثلي يرغبن في قضاء عطلة الميلاد مع أطفالهن لإدخال البهجة إلى قلوبهم) سيشعرون بقدر أكبر من الحرية في فعل ذلك”.

وإضافة إلى مراقبة القادة لسلوكياتهم الذاتية والتدقيق فيها، هناك طريقة أخرى يمكنهم اتباعها لتصحيح هذه المشكلة. وتتمثّل هذه الطريقة في خوض نقاش صريح حول ما هو متوقع من الموظفين. فإذا قاد هذا النقاش إلى خلاصة مفادها بأنّ الحضور الدائم هو أمر مطلوب لتلبية أهداف المؤسسة، فإنّ هذه قضية تخص آلية العمل في الشركة وينبغي معالجتها. وقد يكون هذا الوضع مقبولاً لفترة قصيرة من الزمن، لكنه ليس مستداماً على المدى البعيد.

ولكن إذا قاد النقاش إلى خلاصة مفادها بأنّ الكرة في ملعب الموظفين والأمر يعود إليهم ليقرروا حدودهم ويفرضوها، فعلى القيادة عندئذ أن تضمن تمتّع الموظفين بالمهارات وامتلاكهم للأدوات ليقوموا بذلك بنجاح. فإدارة كل تفاصيل الحياة والعمل بفعالية هي ليست من المهارات التي يتعلّمها الإنسان في المدارس، ومع الانتشار الواسع للتكنولوجيا وقنوات التواصل، فإنّ الأمر يصبح أكثر صعوبة حتّى. كما أنّ التدريبات التقليدية الخاصة بإدارة الوقت لا تنفع، لذلك، يتعين على واضعي الخطط الخاصة بتطوير الموظفين أخذ هذه الاحتياجات بعين الاعتبار.

ما الذي يمكن للموظفين أن يفعلوه؟

لست بحاجة إلى أن تكون قائداً في مؤسستك حتى يكون لك تأثير على ما تفعله في وقت استراحتك وتوقفك عن العمل. وليس القطاع الذي تعمل فيه هو من يفرض عليك ساعات عملك، وإنما أهدافك هي ما يحدد لك ساعات عملك. وليس كل إنسان يطمح إلى أن يكون رئيس الولايات المتحدة الأميركية أو حتى رئيس شركة.

ولكن إذا كان هذا النوع من المسار المهني هو النوع الذي تختاره، فمن المهم أن تلقي نظرة صريحة وصادقة لتعرف حجم التضحيات التي قد تكون مطلوبة منك، وأن تضمن عدم وجود تعارض بين أهدافك الشخصية وأهدافك المهنية. وقد يكون من المفيد بالنسبة لك أن تعلم كيف تعرّف النجاح: فإذا كنت تعمل بشكل متواصل وتحقق أهدافك المهنية، لكنك تفعل ذلك على حساب حياتك الشخصية، أو عائلتك، أو صحتك العقلية أو الجسدية، فهل هذا هو نوع “النجاح” الذي تطمح إليه؟

ربما يكون صحيحاً أنك لن تستطيع الوصول إلى المنصب الذي وصلت إليه هيلاري كلنتون من دون العمل على مدار الساعة. ولكن ليس صحيحاً بأنه يتعين عليك أن تضحّي بحياتك الشخصية، وبصحتك، وسلامة عقلك لتكون ناجحاً في شركة استشارات تكنولوجية، أو شركة لتصنيع الرقاقات الإلكترونية، أو في متجر لبيع الأزياء، أو في معظم القطاعات الأخرى، على الرغم من الوتيرة التي قد “يبدو” أنّ العمل يتطلبها.

ثمة رواد أعمال ناجحون يثبتون أنّ التوازن يظل ممكناً حتى لو كان المرء في طور النمو، كما أثبت آخرون أنّه على الرغم من أنّ العمل على مدار الساعة قد يبدو أمراَ ضرورياً في بعض القطاعات والصناعات، لكن حتى هناك يكون وهم العمل على مدار الساعة فقط هو المهم عملياً.

حاول التشكيك في افتراضاتك القائلة بأنك مضطر إلى أن تكون حاضراً على الدوام. بطبيعة الحالة تقتضي الطبيعة البشرية أن يتصرف الإنسان بناء على الافتراضات – بما في ذلك بعض الافتراضات التي لا ننتبه أحياناً إلى أنها موجودة لدينا حتى. على سبيل المثال، إذا بدا أنّ جميع الموظفين في مؤسستك يعملون لساعات طويلة، فقد تجد نفسك تفعل الشيء ذاته، بناء على الاعتقاد الغامض أنه إذا كان الجميع يفعلون ذلك، فإنّه “يتعيّن عليك” فعل الشيء ذاته. ولكن ليس هناك أي أدلة وبراهين علمية مثبتة تدعم الفكرة القائلة بأنّ الأشخاص الأكثر حضوراً في مكان العمل أو الذين يعملون لأطول الساعات هم الأكثر نجاحاً. فهل طُرد أي إنسان من عمله لأنّه لم يرد على رسائل البريد الإلكتروني عند الثانية فجراً؟ وحتى في بيئة قد يكون ذلك فيها ضرورياً، يظل لديك الخيار.

يعلم معظم القادة بأنّ العمل يفرض متطلبات كثيرة، لكنهم يعتمدون على الموظفين ليكونوا قادرين على فرض توازنهم بأنفسهم. وقد أخبرني زبائني من الرؤساء التنفيذيين أنهم يتوقعون من موظفيهم بأن يفهموا بأنه بغض النظر عن عدد الساعات التي يعملون خلالها، سيظل هناك دائماً المزيد من العمل الذي يحتاج إلى إنجاز، والموظف هو الشخص الوحيد الذي يستطيع فرض حدوده التي يريدها.

الإنتاجية والكفاءة الأعلى تعنيان أنك تستخدم الموارد المتاحة لك أفضل استخدام. وفي سعيك إلى زيادة الإنتاجية، سواء على المستوى الشخصي أو على مستوى الشركة، لا تهمل مواردك الأهم، وهنا لا أقصد لا الوقت ولا المال، وإنما جسدك وعقلك. فإذا كان عملك يمنعك من المحافظة على سلامتك الجسدية والعاطفية، فإنّ سعيك إلى زيادة إنتاجيتك سيفشل. وإذا كانت الحكمة التقليدية تقول بأنّ العمل الدائم ضروري للنجاح المهني، فلا أجد وقتاً أهم من الآن لمعاندة الأعراف والتقاليد.

كيف تعرف أنك تعمل بشكل متضاعف؟

يختلف التوازن المناسب بين العمل والحياة الشخصية من شخص إلى آخر. ولكن في ما يلي بعض الطرق لتعلم متى يكون هذا التوازن مختلاً لديك:

إذا كنت لا تأخذ إجازة سنوية أبداً، أو إذا كنت تعمل خلال الإجازة السنوية.

إذا كنت لا تبتعد عن بريدك الإلكتروني لأكثر من 6 أو 8 ساعات في المرة الواحدة.

إذا كنت مستعداً لخدمة أي شخص بغض النظر عن اليوم أو الوقت.

إذا كنت لا تغلق هاتفك أبداً، أو لا تضعه في وضعية “عدم الإزعاج”.

إذا لم تكن لديك هوايات، أو إذا كنت غير قادر على تذكّر المرة الأخيرة التي مارست فيها هوايتك المفضلة.

إذا كنت تشعر بالإنهاك من دون وجود سبب محدد.

إذا كنت دائماً ترغب ممارسة التمارين الرياضية، لكنك لا تبدو قادراً على إدخال هذا النشاط ضمن جدول أعمالك.

إذا كنت تذهب إلى العمل وأنت مريض.

إذا كنت لا تملك الكثير من العلاقات الوثيقة خارج إطار عائلتك المباشرة.

إذا كان شريك حياتك أو أطفالك ينزعجون من علاقتك مع أجهزتك الإلكترونية.

تنويه: إن نسخ المقال أو إعادة نشره بأي شكل وفي أي وسيلة دون الحصول على إذن مسبق يعتبر تعدياً على حقوق الملكية الدولية ويعرض صاحبه للملاحقة القانونية. جميع الحقوق محفوظة لشركة هارفارد بزنس ببليشينغ، بوسطن، الولايات المتحدة الأميركية – 2018.

هذه المقالة عن إدارة الذات

شاركنا رأيك وتجربتك

كن أول من يعلق!

التنبيه لـ

wpDiscuz