تابعنا على لينكد إن

على الرغم من أنّ شبح الرجل النموذجي العظيم لا زال يطارد المعنيين بدراسات القيادة، لكن بات معظمنا الآن يدرك أنّ المؤسسات الناجحة ليست سوى نتاج أسلوب في القيادة يقوم على العمل الجماعي، والتكامل، وتفويض الصلاحيات.

تتمثل الخطوة الأولى لتأليف فريق ناجح في تحديد التركيبة الشخصية وأسلوب القيادة لدى كل عضو في الفريق، بحيث تكون نقاط القوة والكفاءات التي يمتلكها كل شخص متطابقة مع الدور الذي يؤديه والتحديات التي يواجهها. وأي خطأ في تحقيق هذا التطابق يمكن أن يتسبب بالأسى لجميع المعنيين ويُلحق بهم ضرراً هائلاً.

طُلب مني مرة أن أتولى دوراً توجيهياً مؤقتاً لفريق قيادي في شركة شقيقة لإحدى المؤسسات الكيميائية الكبيرة. قبل عام من هذا التاريخ، كانت كيت (وهو اسم مستعار ضماناً للسرية) رئيسة هذه الشركة التابعة، نُقلت من المقر الرئيسي للشركة الأم لتولي منصبها القيادي هذا. ففي المقر الرئيسي، لطالما كان يُنظر إليها على أنها شخص يتمتع ببصيرة ثاقبة عند اتخاذ القرارات المتعلقة بالموظفين. وبما أنها موهوبة جداً في إدارة الأفراد وتوجيههم، فقد اعتُبرت بمثابة مرشحة جيدة لإصلاح المشاكل في تلك الشركة الشقيقة. وكان هذا الأمر قفزة كبيرة من حيث الترقية، لكن كيت مُنحت تلك الفرصة.

لسوء الحظ، أدركت أنا وفوراً أنّ فترة ولايتها كانت كارثة حقيقية. صحيح أنها كانت قادرة على توجيه الناس توجيهاً جيداً، لكنها كانت تفتقر إلى التركيز الاستراتيجي الواضح وإلى تنفيذ ما هو مطلوب لإحداث الانقلاب المنشود في تلك الشركة. وكان مبلغ هائل أنفق على المستشارين وعلى تدريب القوى العاملة التي لم تكن لديها فكرة واضحة بعد مرور 12 شهراً عما كانت تفعله، ولماذا كانت تفعله. وما أبهر المسؤولين في المقر الرئيسي للشركة الأم هو مهارات التواصل والتوجيه التي تمتعت بها كيت. لكن دورها في الشركة الجديدة كان ذا طابع أكثر ارتباطاً بالعمل الميداني والجوانب التشغيلية.

فما الذي يُمكن فعله للحيلولة دون تكرار الوضع الذي وجدت كيت نفسها فيه؟ هناك عدد من استبيانات القيادة الجدية البعيدة كل البعد عن اختبارات الانسجام التي تربك المعنيين بموضوع إدارة الناس. بعض هذه الاستبيانات يحاول تحديد أنماط سلوكية متكررة محددة تُعتبر فعالة إلى حد ما في سياق القيادة. كما أنّ لدينا اختبارات أيضاً لنكتشف ما إذا كان المدراء التنفيذيون أكثر ميلاً إلى الناس أم إلى المهام، وما إذا كانوا استبداديين أم ديمقراطيين، وما إذا كانوا يركّزون على العمليات أم على إدخال تحويلات جذرية، إلى غير ذلك من الصفات. هذا النوع من الاستبيانات ينطوي على شيء من التبسيط الزائد عن اللزوم للأمور، لكن بوسعه أيضاً أن يوجّه شخصاً ما في الاتجاه الصحيح ضمن مساره المهني في المؤسسة.

تستند مقاربتي الشخصية في تقييم أسلوب الإدارة إلى الدراسات القائمة على الملاحظة والتي تتناول القادة الحقيقيين، ومعظمهم في قمة هرم السلطة الاستراتيجي ضمن مؤسساتهم. ويكمن هدفي في مساعدتهم على الرؤية والتفهم بأنّ نظرتهم إلى الأمور وتفاعلاتهم مع الناس هي نتاج تداخل معقد بين ما يعتمل في نفوسهم، وعلاقاتهم مع الشخصيات السلطوية في بداية حياتهم، والتجارب الحياتية الهامة التي خبروها، والمثل العليا التي شهدوها لدى المدراء التنفيذيين الآخرين، والتدريبات الرسمية التي تلقوها في مجال القيادة.

مع مرور الأيام تتبدى هذه التأثيرات في سلوك الشخص، بحيث يمكن للمرء أن يرى عدداً من الأنماط السلوكية المتكررة لديه والتي تؤثر في فعاليته ضمن المؤسسة التي يعمل فيها. وأنا أعتبر هذه الأنماط بمثابة “أنماط نموذجية” للقيادة تعكس الأدوار المختلفة التي يمكن القيام بها من قبل المدراء التنفيذيين ضمن مختلف المؤسسات. إذ يُعتبر عدم التوافق بين النمط النموذجي لشخص قيادي معين والسياق الذي يعمل فيه هو السبب الرئيسي لسوء الأداء لدى الفريق والمؤسسة إضافة إلى فشل ذلك المدير التنفيذي.

الأنماط النموذجية الثمانية الأبرز التي وجدتها هي:

1. “الاستراتيجيون”: هم الذين ينظرون إلى القيادة على أنها لعبة شطرنج. فهم بارعون في التعامل مع التطورات الحاصلة في بيئة المؤسسة. وهم من يحدد الرؤية، والتوجه الاستراتيجي، ويفكرون بطريقة مبتكرة تخالف المألوف والتي تسمى مجازاً بطريقة “التفكير خارج الصندوق” من أجل إيجاد أشكال مؤسسية جديدة وتحفيز النمو المستقبلي.

2. “التغييريون”: هم الذين ينظرون إلى القيادة على أنها فعل نهوض. وهم يحبّون الأوضاع المشوبة بالإرباك، إذ أنهم يبرعون تماماً في إعادة هندسة العمليات وإيجاد “أدلة عمل” جديدة في المؤسسة.

3. “العملياتيون”: هم الذين ينظرون إلى القيادة على أنها إبرام لصفقة. وهم ماهرون في تحديد الفرص الجديدة واغتنامها، ويعشقون التفاوض والمفاوضات عشقاً جماً.

4. “البناؤون”: هم الذين يقاربون القيادة وكأنها نشاط ريادة أعمال. فهؤلاء المدراء يحلمون بخلق شيء ويتمتعون بالموهبة والعزيمة لتجسيد أحلامهم واقعياً.

5. “المبتكرون”: هم الذين ينظرون إلى القيادة على أنها فرصة لتوليد أفكار إبداعية. فهم يركّزون على كل ما هو جديد، ويمتلكون قدرة عظيمة على حل المشاكل البالغة الصعوبة.

6. “المعالجون”: هم الذين يرون القيادة أنها تمرين في الكفاءة. فهؤلاء المدراء يحبّون أن يروا المؤسسات على أنها آلات “جيدة التشحيم” تعمل بسلاسة. وهم فعالون جداً في إنشاء البنى والأنظمة المطلوبة لدعم أهداف المؤسسة.

7. “الموجهون”: هم الذين يتخذون مقاربة للقيادة ترى فيها شكلاً من أشكال تطوير البشر وتنميه قدراتهم. هؤلاء المدراء التنفيذيين يعرفون كيف يجعلون الناس يقدمون أفضل ما لديهم، مما يولد ثقافة تتسم بالأداء الرفيع.

8. “البارعون في التواصل”: هم الذين ينظرون إلى القيادة على أنها إدارة منصة أو مسرح. ويمتلك هؤلاء المدراء قدرات فذة في التأثير بالآخرين وفي كل ما يحيط بهم.

إذا تمكّنتم من تحديد الأنماط النموذجية للقياديين الموجودين في فريقكم فإنكم ستصنعون العجائب كمجموعة فعالة. لأن ذلك يساعدكم على معرفة كيف يمكنكم وزملاؤكم أن تقدموا للفريق أفضل ما لديكم كأفراد. هذا الأمر بدوره سيخلق ثقافة من الدعم والثقة المتبادلين، ويقلل حجم التوترات والنزاعات بين أعضاء الفريق، ويفسح المجال أمام حل المشاكل. كما يساعدكم في البحث عن أشخاص إضافيين تضمونهم إلى الفريق، بعد أن تكونوا حددتم نوعية الشخصيات والمهارات المفقودة في صفوف الفريق.

لم تخل قصة المديرة كيت من النهاية السعيدة، حيث أوضحت الجلسة التوجيهية للمجموعة وبكل جلاء أنّ المشكلة لم تكمن في عدم قدرة كيت، وإنما في غياب بعض الصفات القيادية المحددة عن الفريق. فلو كان الفريق يضم بين صفوفه مديراً تنفيذياً لديه نظرة استراتيجية ومهارات وخبرة في النهوض بالشركة، ستكون مهارات كيت في التواصل والتوجيه أكثر فعالية لحل أزمة هذه الشركة الشقيقة. أخيراً، بعد الحديث مع مدير الموارد البشرية وإدارة المواهب في المقر الرئيسي للشركة الأم، تمكنا من تحديد الشخص المطلوب لأداء هذه المهمة، ما جعلنا أمام فريق أكثر اكتمالاً وتنوعاً وساعد كيت في تحقيق المطلوب منها.

تنويه: إن نسخ المقال أو إعادة نشره بأي شكل وفي أي وسيلة دون الحصول على إذن مسبق يعتبر تعدياً على حقوق الملكية الدولية ويعرض صاحبه للملاحقة القانونية. جميع الحقوق محفوظة لشركة هارفارد بزنس ببليشينغ، بوسطن، الولايات المتحدة الأميركية – 2018.

هذه المقالة عن قيادة

شاركنا رأيك وتجربتك

كن أول من يعلق!

التنبيه لـ

wpDiscuz