طريقة المستثمر العالمي راي داليو في النقد الصريح بين المدراء والموظفين

1 دقيقة
تصميم الصورة: هارفارد بزنس ريفيو، أسامة حرح

راي داليو ليس مجرد مستثمر ناجح؛ بل هو صانع ثقافة مؤسسية مختلفة جذرياً. فبدلاً من ثقافة "الرئيس يعلم والموظف ينفذ"، بنى داليو في بريدج ووتر ما يسمى "الجدارة الفكرية"، وهو نظام إدارة تعتمد فيه المؤسسة على أفضل الأفكار، بغض النظر عمن قدمها. لماذا يؤمن داليو بمبدأ الشفافية …

في كتاب عقلية الصندوق الأسود يذكر الباحث ماثيو سايد قصصاً كثيرة تسبب فيها التردد بتقديم الرأي الصريح للقائد إلى حدوث كوارث، منها سقوط طائرة آسيوية بسبب تردد مساعد القبطان بقول الحقيقة للكابتن بأنه على خطأ بسبب ثقافة احترام المنصب الأعلى في بلاد الشرق ومنها بلادنا، وعلى الرغم من وجود طريقة محسنة لتقديم "الفيدباك" أو الرأي بين الموظف والمدير، تسمى طريقة الساندوتش، التي تقدم الملاحظة بطريقة (مديح ثم نقد ثم مديح)، لكنها أيضاً تفشل كثيراً بسبب ضياع الملاحظة الحقيقية بين المدح والنقد. لكننا اليوم سنعرض الطريقة التي يتبعها من يدير أكبر صندوق استثماري بالعالم في تقديم الملاحظات، ليس من المدير للموظف فقط، بل من الموظف للمدير أيضاً وبطريق صادمة تسمى "الشفافية المطلقة".

يطرح راي داليو السؤال التالي أمام كل من ينتقد طريقته في النقد الصريح: هل تملك الشجاعة لسماع الحقيقة؟

ويروي قصة تعلمه وتمسكه بهذه الطريقة في الإدارة والعلاقة مع الموظفين والمدراء. في عام 1982، كان المستثمر العالمي راي داليو في جلسة أمام الكونغرس الأميركي وعلى شاشات التلفاز في جلسة يتحدث فيها عن مستقبل الاقتصاد الأميركي، فأكد أنه يتجه نحو كارثة محققة في ذلك العام. وبناء على هذا اليقين، خاطر بكل أمواله وأموال عملائه.

لكن الحقيقة كانت صادمة؛ لقد حدث العكس تماماً، وانطلق الاقتصاد في رحلة صعود تاريخية. وكانت النتيجة أن داليو خسر كل شيء، واضطر لتسريح موظفيه الذين اعتبرهم عائلته، حتى أنه اقترض 4000 دولار من والده ليسدد فواتير منزله. هذه اللحظة التي وصف فيها نفسه بـ "الأحمق المتغطرس" كانت نقطة التحول التي ولدت أعظم إمبراطورية استثمارية في التاريخ، عندما اكتشف أنه هو بكل عبقريته يمكن أن يخطئ، وأن عليه أن يمتلك الشجاعة لسماع من ينتقده بكل صراحة، ولذلك قرر من يومها أن الطريقة الوحيدة لإصلاح العالم، هي عبر تطبيق مبدأ واحد: النقد الصريح والشفاف.

في الشركات العربية، كثيراً ما يظل النقد بين الموظفين والمدراء ممنوعاً أو محظوراً، أو ينظر إليه على أنه تصرف "وقح" أو "قلة احترام". لكن ماذا لو أخبرتك أن راي داليو وهو أحد أنجح المستثمرين في العالم بنى ثقافة شركته على حق الموظف في نقد مديره مباشرة بحرية كاملة وصراحة مطلقة؟
جوهر طريقة المستثمر راي داليو، وهو مؤسس صندوق بريدج ووتر الذي يعتبر أكبر صندوق تحوط في العالم، هو أن التحيز التأكيدي الذي يعيشه الإنسان تجاه أفكاره يجعله أعمى عن أخطائه، ولذلك فهو يشجع موظفي المؤسسة جميعهم لتقديم الملاحظات بتلك الشفافية، ويشرح ذلك: "حين أقول إنني أؤمن بالحقيقة المطلقة والشفافية المطلقة فكل ما أعنيه هو أن نتحدث بوضوح عن الأمور التي يخفيها الناس عادة، وخاصة الأخطاء والمشاكل ونقاط الضعف. فنطرح هذه الأمور علانية وندرسها معاً، لا أن نخفيها".

حول الشفافية المطلقة في الشركة، تتفق الأدلة العلمية مع ما يعتقده داليو بشأن ميل البشر إلى تقييم المعلومات بصورة متحيزة. فعلى سبيل المثال، غالباً ما نقع ضحية ما يسميه المختصون النفسيون وباحثو القرارات بـ "التحيز التأكيدي"، ويعني، ببساطة، أننا نميل إلى التركيز على الأدلة التي تؤكد معتقداتنا وافتراضاتنا، بدلاً من البحث عن بيانات تناقضها.

إذا كنت مهتماً بمتابعة المزيد من أفكار الدكتور حمود المحمود، اشترك في نشرته البريدية الموجهة للمدراء العرب والطامحين للقيادة، سجل على الرابط من هنا لتصلك النشرة عند انطلاقها.

من هو راي داليو؟ ولماذا نتحدث عنه؟

راي داليو ليس مجرد مستثمر ناجح؛ بل هو صانع ثقافة مؤسسية مختلفة جذرياً. فبدلاً من ثقافة "الرئيس يعلم والموظف ينفذ"، بنى داليو في بريدج ووتر ما يسمى "الجدارة الفكرية"، وهو نظام إدارة تعتمد فيه المؤسسة على أفضل الأفكار، بغض النظر عمن قدمها.

في محاضرة له، يشرح داليو أن الشفافية المطلقة وقول الحقيقة، كانا الأساس في ثقافة شركته، حتى أن الموظف يمكنه نقد المدير مباشرة أمام الجميع، بل ويجري تشجيعه على ذلك.

وهذا يعني أن الموظف لا يعبر عن رأيه الصريح فقط، بل يتوقع منه أن يظهر انتقاده بصورة واضحة، حتى لو كان ذلك بحق صاحب القرار الأكبر.

لكن لماذا يؤمن داليو بمبدأ الشفافية المطلقة للنجاح في الحياة والعمل؟

أولاً، يرى أن الشفافية المطلقة هي "الخوارزمية" الأنجح لإدارة البشر، لأن الإنسان بحاجة للأذكياء حوله ليساعدوه على كشف أخطائه التي لا ينتبه إليها. في شركته "بريدج ووتر"، لا يوجد نقد خلف الكواليس، بل يطبق مبدأ الشفافية؛ حيث يجري تسجيل كل الاجتماعات ويسمح للجميع برؤية كل شيء.

القصة الأشهر التي يرويها داليو هي تلقيه رسالة إلكترونية من موظف شاب يخبره فيها بوضوح: "راي، أنت تستحق علامة "ضعيف جداً" على أدائك في اجتماع اليوم، لم تكن مستعداً على الإطلاق وكان أداؤك فوضوياً". وبدلاً من الغضب، قام داليو بمشاركة الرسالة مع الشركة بأكملها باعتبارها درساً في نقد الذات.

ثانياً، جدارة الأفكار بلا ديمقراطية ولا ديكتاتورية؛ يرى داليو أن غالبية الشركات تقع في فخين: إما الاستبداد حيث يتفرد المدير باتخاذ القرار وحده، وإما الديمقراطية حيث تعامل كل الآراء بالتساوي بغض النظر عن الخبرة.

البديل بالنسبة لراي هو مبدأ "جدارة الأفكار"؛ وفي هذا النظام، الأفكار الأفضل هي التي تنتصر. ولكن يجري وزن الآراء بناء على ما يسميه تثقيل المصداقية؛ أي أن رأي الشخص الذي أثبت نجاحه في موضوع معين مراراً، يعطى وزناً أكبر في القرار من رأي غيره.

ثالثاً، من الأفضل أن يواجه القائد نفسه في المرآة؛ حتى داليو نفسه لم يسلم من قسوة نظامه؛ ففي لحظة فارقة، واجهه كبار مدرائه بتقرير مؤلم يصف أسلوبه في الإدارة؛ أخبروه صراحة أن أفعاله وكلماته تجعل الموظفين أحياناً يشعرون بالدونية والإذلال والاضطهاد. كان رد فعله الأول هي الألم، لكنه حول هذا الألم إلى تساؤل مؤسسي: "كيف يجب أن نتعامل بعضنا مع بعض؟". وبدلاً من التخلي عن الصراحة، قرروا معاً تدوين مبادئ الإدارة التي تنظم هذه العلاقة لضمان نجاح الجميع.

مبدأ إداري جديد

من أكثر اللحظات المفصلية التي رواها داليو كانت عندما اجتمع به كبار مدرائه بعد أن أعاد بناء شركته بنجاح، وأخبروه بصراحة مطلقة أنه، على الرغم من عبقريته الاستثمارية، يتسبب أحياناً في شعور الموظفين بـ "الإهانة والاضطراب والضغط والدونية". فقرر أن الحل ليس في كبت الحقيقة، بل في الاتفاق على كيفية تقديم الملاحظات، ثم بدؤوا بوضع مبادئ مكتوبة: كيف نخاطب بعضنا؟ كيف ننتقد بعضنا؟ ما هو المقبول وغير المقبول؟ وتحولت هذه المبادئ إلى أساس ثقافة الشركة.

داليو يعترف بأن هذا النمط من العمل صعب نفسياً وعصبياً، فقد أخبره علماء الأعصاب أن جزءاً من الدماغ (القشرة الجبهية) يريد الحقيقة لأنها منطقية، وجزءاً آخر (اللوزة الدماغية) يفسر النقد بصفته تهديداً كما يقول في كتابه "المبادئ".

في بريدج ووتر يستخدمون أدوات تقنية مثل جهاز يسمى "جامع النقاط"، وهو أداة تسمح لكل شخص في الاجتماع بتقييم آراء الآخرين في الوقت الآني، حتى لو كانت موجهة إلى رئيس الشركة نفسه. النتائج تظهر على الشاشة، ويستطيع كل شخص أن يرى تقييم الآخرين، وبهذا يصبح النقد أمراً مؤسسياً ومنهجياً وليس أمراً شخصياً أو عاطفياً.

يؤيد العلم الصراحة عبر الكثير من الأبحاث؛ فالمفكر الإداري الشهير بيتر سينغي يدعو إلى استخدام قاعدة "الأسوأ قبل الأفضل"، إذ يعتقد أن المؤسسات التي تأخذ نموها على محمل الجد يجب أن تشجع موظفيها على التحدث بصراحة عن المشكلات الحالية التي تعترض سبيلهم. والإحجام عن اتباع هذه الخطوة سيجعل النجاح مستحيلاً. وفي مقال نشرته هارفارد بزنس ريفيو، تذكر أستاذة القيادة والإدارة في كلية هارفارد للأعمال، إيمي إدموندسن، أن الصراحة في التحدث عن الأخطاء والأمور السيئة هي الخطوة الأولى التي تقودك إلى تحقيق النجاح، سواء انطوت هذه الأخبار على الإبلاغ عن معدل الجرائم في مدينة ما، أم عن أخطاء طبية في أحد المستشفيات. كما أن نشر معلومات دقيقة يتيح للأشخاص صب تركيزهم ومهاراتهم على التحديات التي تنطوي على تطوير حلول جديدة للمشكلات البارزة. وبدلاً من الاعتقاد الزائف أن الأمور تسير على نحو جيد، يمكن للقادة والخبراء المتخصصين التركيز على حل هذه المشكلات".

الشفافية المطلقة والنقد البناء

من المهم التمييز بين ما يطرحه داليو وبين ما تقوله الباحثة كيم سكوت في كتابها "الصراحة القاسية"؛ فالشفافية الجذرية كما يراها داليو تجعل المعلومات والآراء كلها متاحة للجميع، وتضع كل شيء على الطاولة، بينما تطرح سكوت مبدأ النقد البناء الصريح، وهي تشجع على النقد البناء الذي يجمع بين الصراحة والاحترام، أي أن تقول الحقيقة لكن "بلطف واهتمام بالإنسان".

وقد أجرى عالم النفس آدم غرانت مقابلة مع أحد المدراء في بريدج ووتر، كيران راو. يروي كيران كيف جرى إعلان اسمه على أنه "أسوأ مدير في الشركة" أمام 200 زميل. وعلى الرغم من الصدمة، يقول إنه شعر بنوع من الطاقة. لم يعترض على التقييم، بل تبناه، وقال إنه يريد أن يتحسن أو يرحل إذا لم يكن مناسباً. هذا التقبل لا يأتي صدفة، بل نتيجة فهم عميق بأن النقد "معلومة" لا إدانة، وأن "البيانات"، حتى إن كانت سلبية، أفضل من الجهل.

التحوّل الذهني الذي يحدث هنا هو ما يجعل الشخص يفرق بين صوته الداخلي المنفعل (الأنا المجروحة)، وصوته التحليلي الهادئ الذي يفكر في الحقائق. مع الوقت، يبدأ هذا الصوت الثاني بالتصاعد، ويصبح رد الفعل الطبيعي أمام النقد هو الفضول، لا الدفاع. هذه "العادة العقلية" لا تكتسب إلا بممارسة واعية طويلة.

وإذا أردنا أن تتحول مؤسساتنا من بيئات تقليدية إلى بيئات أفضل في الابتكار والإنتاجية واتخاذ القرار، فلا بد أن نعترف بأن الأفكار الأفضل يجب أن تنتصر بغض النظر عمن قالها، وأن النقد الصريح ليس عيباً، بل قوة لخلق بيئة تعلم مستمرة، والشفافية والحقيقة يجب أن تكونا جزءاً من ثقافة المؤسسة.

يقول داليو: تخيل أن تعرف ماذا يفكر زملاؤك حقاً فيك، وأن يعرفوا ماذا تفكر أنت فيهم؟ هذا وحده يجعل العمل والعلاقات أكثر فعالية.

تنويه: يمكنكم مشاركة أي مقال من هارفارد بزنس ريفيو من خلال نشر رابط المقال أو الفيديو على أي من شبكات التواصل أو إعادة نشر تغريداتنا، لكن لا يمكن نسخ نص المقال نفسه ونشر النص في مكان آخر نظراً لأنه محمي بحقوق الملكية الدولية. إن نسخ نص المقال بدون إذن مسبق يعرض صاحبه للملاحقة القانونية دولياً.

جميع الحقوق محفوظة لشركة هارفارد بزنس ببليشنغ، بوسطن، الولايات المتحدة الأميركية 2025.

المحتوى محمي