يعلم العديد منّا المخاطر المترتّبة على ظاهرة “التفكير الجماعي” (وهي عبارة عن ظاهرة نفسية تحصل ضمن مجموعة من الناس الذين تقودُ رغبتُهم في المحافظة على الانسجام والامتثال بين صفوف المجموعة إلى آلية غير عقلانية أو غير فعالة في اتخاذ القرارات). ففي حالة التفكير الجماعي هذه، نجد بأنّ الفريق أو المؤسسة يمضيان قدماً بطريقة تلقائية ويتكوّن لديهما إحساس عام مزيّف بالضعف والهشاشة. فينتهي بهم المطاف وقد حافظوا على مسارهم الحالي دون أي مراعاة مناسبة للمخاطر الناشئة، أو دون مناقشة السيناريوهات البديلة، أو دون استكشاف الطرق الأخرى في العمل.

وينجم هذا النوع من “التفكير الجماعي” عادة بسبب الآليات الأساسية الاجتماعية والشخصية التي تشمل الرغبة في المحافظة على الانسجام ضمن صفوف المجموعة، والشعور بضغوط خارجية للامتثال إلى القواعد المفروضة، وتزايد الالتزام باستراتيجيات ضعيفة أو عفا عليها الزمن، ومعاقبة الخارجين على إجماع المجموعة. فعندما يتوصّل أعضاء الفريق إلى توافق في الآراء، أو عندما يبدو أنهم توصّلوا إلى توافق في الآراء، قد يكون من الصعب جدّاً على أيّ فرد أن يتحدّى نظرة هذه المجموعة إلى الواقع أو أن يشكّك في تكهّنها بالمستقبل – أو أن يقاوم الأشياء التي تقرّر المجموعة فعلها (أو عدم فعلها) – دون المجازفة بأن يتحوّل هو إلى شخص خارج عن الإجماع أو إلى كبش فداء. وهذه الآليات تصعّب على الفريق إدراك التحدّيات الجديدة المُزعزعة المحيطة به أو استيعابها بالكامل، مع العمل في الوقت ذاته على تقديم الابتكارات المُبدعة الضرورية لمواجهة هذه التحدّيات قبل وقوعها.

وكما كتبت إلين لانغير في كتابها “الاهتمام الواعي”، فإنّ الأفراد والفرق والمؤسسات التي تظلّ تنظر إلى عالم اليوم من خلال منظار الأمس، ستظلّ على الأرجح تطبّق استراتيجيات الأمس في وقت لا يعود فيه تطبيق هذه الاستراتيجيات فعالاً. وكما وصف كلايتون كريستنسن في “معضلة المُبتكر”، فقد يكون من الصعب جدّاً على فرق الإدارة والمؤسسات الإقرار بأنّ البيئة المحيطة بهم قد تغيّرت، وعوضاً عن التجاوب والتكيّف مع الأوضاع المحيطة، فإنّ العديد من المؤسسات تضاعف استثماراتها في النماذج التجارية أو التكنولوجيات القديمة.

وفي بعض الحالات النادرة، قد يكون بوسع الأفراد مقاومة حالة الإجماع السائدة بين صفوف الفريق، ومساعدة المؤسسات على إدراك التغييرات الحاصلة في البيئة التنافسية والتجاوب معها بشكل استباقي. فعلى سبيل المثال، أدرك أحد كبار المدراء في مؤسسة تقليدية للخدمات المالية بأن مؤسسته كانت بحاجة إلى تبنّي تكنولوجيات جديدة من أجل استقطاب أبناء الألفية الجديدة (أي الأشخاص الذين ولدوا بعد عام 1980). فقام بدفع فريقه، وكذلك الرئيس التنفيذي، إلى القيام بعدد من عمليات الاستحواذ الاستراتيجية على الرغم من أنّ زملاءه والمدراء الذين يعلونه مرتبة أبدوا التشكيك في اقتراحاته، بناء على قلّة هوامش الأرباح والحصة السوقية غير المعروفة من هذه الفئة الجديدة المستهدفة. وعندما يؤتي هذا النوع من الاستثمار أكله ويحقق النتائج والأرباح الكبيرة، فإن هؤلاء الأفراد المشابهين لهذا المدير التنفيذي المالي يُنظر إليهم على أنهم أشخاص شجعان وأبطال، ويُحتفى بإيمانهم الراسخ وبقدرتهم على الإقناع. غير أنّ الاتكال على شجاعة الأفراد وبطولتهم ليس استراتيجية جيدة لقادة الفرق وأعضائها الذين يجب أن يضمنوا وجود آليات متينة لاتخاذ القرار تقود إلى نتائج قوية.

هناك استراتيجية يمكن أن تساعد الفرق بشكل كبير في تجنّب الوقوع في شباك ظاهرة التفكير الجماعي التي تطرّقنا إليها أعلاه. وهذه الاستراتيجية المقترحة تمكّن الفرق من التجاوب بنجاح مع التهديدات والفرص الناشئة، وهي تتمثّل في إيجاد نقاشات وحوارات منظّمة. ويجري ذلك من خلال تقسيم أعضاء الفريق إلى فئتين أو أكثر بشكل عشوائي بحيث تناقش كل فئة آراء معارضة للآراء التي تناقشها الفئة الأخرى. وهذا النوع من النقاشات المنظمة يمكن أن يشكّل فرصة لمناقشة مختلف التفسيرات المطروحة للتوجهات الحالية وكذلك التوقعات المستقبلية، وخوض سجال صارم ومنطقي بشأنها، وبطريقة آمنة ضمن سياق العمل المؤسسي، بما يمكّن الفرق من استكشاف المخاطر الخارجية دون تعريض أفراد الفريق للمخاطر الداخلية.

ضمن سياق الصيغة الأساسية لهذا النوع من النقاشات المنظمة، والتي يمكن أن تحصل إما خلال اجتماع عادي للفريق أو حتى خارج أروقة المؤسسة، يمكن للفريق تقسيم أعضائه عشوائياً إلى فريقين فرعيين أو أكثر، بحيث توكل إلى كل واحد من هذه الفرق الفرعية مهمة مناقشة الموضوع المطروح من زاوية مختلفة. ويمكن تحديد سيناريوهات هذا النقاش على النحو التالي:

التكنولوجيا التي تستعملها مؤسستنا أو منتجاتها أو استراتيجياتها أو نموذجها التجاري ستصبح متقادمة وغير ذات جدوى بعد عدد معيّن من السنوات. وفيما يلي البدائل التي سنلجأ إليها، وكذلك الأشياء التي يتعيّن علينا القيام بها للبقاء على قيد الحياة والازدهار في العمل.

الطريقة التي صمّم بها فريقنا و/أو هيكلية عمل مؤسستنا باتت متقادمة وعفا عليها الزمن. وحتى لو لم نكن قادرين على الانطلاق من الصفر وإعادة تصميم فريقنا بالكامل أو تغيير هيكلية مؤسستنا بالكامل، ففيما يلي الأشياء التي نستطيع القيام بها الآن لنهيئ أنفسنا لقدر أكبر من النجاح مستقبلاً.

نحن نكافئ ونعاقب الأشياء الخاطئة في مؤسستنا، أو على الأقل نمتنع عن تقديم المكافآت بطريقة مناسبة. فنحن لا نكافئ إلا الأشخاص الذين يزيدون الأرباح على المدى القصير ضمن أقسامنا الحالية، ونحن لا نشجّع الأشخاص الذين يستثمرون الوقت والجهد في استكشاف طرق جديدة قد لا تعطي الثمار المرجوّة إلا على المدى البعيد. وفيما يلي الطريقة التي يجب أن نحدّث بها أنظمة ومعايير تقويم الأداء لدينا من أجل مكافأة الأشخاص الذين يضعون الأسس لنجاحنا في المستقبل.

إنّ توقعات فريقنا للتوجهات والنتائج الرئيسية والأداء خاطئة. وفيما يلي السيناريو الأرجح أن يحصل، وفيما يلي أيضاً الأشياء التي نحتاج إلى مناقشتها، واتخاذ قرار بشأنها، وتنفيذها بطريقة مختلفة بناءً على هذه التقديرات المحدّثة.

نحن لا نأخذ آراء زبائننا، أو الشكاوى التي يطرحها نقادنا، أو الطلبات الواردة من الجهات المعنية بعملنا بعين الاعتبار أو أننا نتجاهلها. وفيما يلي الأشياء التي يجب أن نأخذها على محمل الجد بشكل أكبر، وفيما يلي الطريقة التي يجب أن نتجاوب بها.

لجأ فريق الإدارة العليا في إحدى الشركات المعنية بتصنيع المعدات الصناعية إلى استعمال هذه الطريقة من خلال تطبيق تمرين يهدف إلى مناقشة هيكلية المؤسسة وخوض سجال بشأنها. وقد طلب من نصف أعضاء الفريق بأن يناقشوا الأمر من زاوية أن التصميم الحالي لهيكلية المؤسسة منطقي تماماً، بينما طُلب من النصف الثاني القول بأنّ تصميم هيكلية المؤسسة الحالي كان بحاجة إلى تغيير. ونتيجة لهذا النقاش المفتوح لمختلف البدائل، قرّر فريق الإدارة العليا التخلي عن أحد الفرق الواقعة في المستوى الأوسط من الهيكلية الإدارية والذي لم يعد يؤدي الغرض المطلوب منه، الأمر الذي سمح للمدراء الأعضاء في هذا الفريق بالتركيز على المجالات التي كانوا يعملون بها بشكل أكبر. ولولا هذا التمرين الذي قام على إجراء نقاش صارم بخصوص التغييرات المطلوبة، لكان الوضع الراهن الذي لم يعد يتّصف بالكفاءة قد ظل قائماً في الشركة.

تُعتبرُ الأسئلة المعروضة أعلاه مجرّد أمثلة بطبيعة الحال. وأي مواضيع أخرى مطروحة للنقاش أو الحوار وتمكّن الفريق من دراسة القضايا أو الافتراضات أو الاستراتيجيات الأساسية بشكل نقدي هي لا شك أمر مفيد. وبالتالي فإنّ تنظيم عملية النقاش والحوار بطريقة منهجية يمكن أن يساعد في التغلّب على حالة التردّد الموجودة لدى الأفراد والفرق والتي تمنعهم من طرح الأسئلة الصعبة والإجابة عنها، ولاسيما الأسئلة المتعلقة بالتغيّرات الحاصلة في العالم، وكيف يجب على المؤسسة أن تتطوّر بناءً على تلك التغيّرات الحاصلة من حولها. كما أنّ الإجابات الناجمة عن طرح تلك الأسئلة يمكن أن تساعد الفريق على التكيّف بنجاح مع الحاضر، مع العمل في الوقت ذاته على تهيئة الأسس للابتكار والنجاح مستقبلاً.

تنويه: إن نسخ المقال أو إعادة نشره بأي شكل وفي أي وسيلة دون الحصول على إذن مسبق يعتبر تعدياً على حقوق الملكية الدولية ويعرض صاحبه للملاحقة القانونية.

ﺟﻣﯾﻊ اﻟﺣﻘوق ﻣﺣﻔوظﺔ ﻟﺷرﻛﺔ ھﺎرﻓﺎرد ﺑزﻧس ﺑﺑﻠﯾﺷﻧﻎ، ﺑوﺳطن، اﻟوﻻﯾﺎت اﻟﻣﺗﺣدة اﻷﻣﯾرﻛﯾﺔ - 2018

اترك تعليق

قم بـ تسجيل الدخول لتستطيع التعليق
avatar
  شارك  
التنبيه لـ
error: المحتوى محمي !!