تابعنا على لينكد إن

تشهد خارطة المنتجات عالية الاستهلاك مرحلة تحول جذرية، فقد رأينا شركة “كوكاكولا” تعيد مؤخراً توزيع مهام فريقها القيادي بهدف التركيز على النمو والابتكار والأنشطة الرقمية. واستحوذت شركة “يونيليفر” (Unilever) على شركة حديثة الإنشاء اسمها “نادي دولار شيف” (Dollar Shave Club) بقيمة 1 مليار دولار أميركي، في خطوة تنتقل بها لتقديم نموذج جديد للبيع باشتراكات العملاء. وقامت شركة “لوريال” باستثمار استراتيجي في شركة تعمل ضمن المجال الرقمي لتحفيز الشركات حديثة الإنشاء، واسمها “فاوندرز فاكتري” (Founders Factory).  وفي “غرايكروفت” (Greycroft) وهي شركة من شركات تمويل المشروعات وضع المستثمر تيدي سيترن (Teddy Citrin) خارطة واقعية للخطوات الإضافية اللازمة للتغيير الجذري لكل صنف من أصناف المنتجات الاستهلاكية.

من وجهة نظرنا وخبراتنا، استخلصنا أنّ ما يدعم نجاح هذه الأفكار والنهج الجديدة هو قدرات القوة العاملة بالشركة ومهاراتها وتوجهاتها. ومن خلال عملنا مع شركات كبرى في مجال تقديم المنتجات الاستهلاكية حول العالم، حددنا الممارسات الواضحة والاستثمارات التي تُعزز فرص النجاح في تنظيم القوة العاملة لتتوافق مع توقعات المستهلك واحتياجاته. وفيما يلي خمس ممارسات لتحقيق ذلك:

الالتزام يبدأ من القمة

يجب أن تبدأ القيادة العليا بالشركة في تطبيق طرق جديدة للعمل في العصر الرقمي قبل المناشدة باستنفار القوة العاملة، ففي شركة “لوريال”، أعلن الرئيس التنفيذي جون بول آغون (Jean-Paul Agon) عن بداية التحول الرقمي للشركة عندما عيّن لوبوميرا روشيه (Lubomira Rochet) رئيساً مسؤولاً عن القسم الرقمي وعضواً في الفريق التنفيذي.

وكانت إحدى المهام الأولى التي تولاها روشيه هي إعداد برنامج لتطوير القيادة من شأنه تزويد التنفيذيين بما تحتاجه الشركة من معارف وتوجهات وطرق عمل، لتحقيق النمو في العصر الرقمي. وشارك أكبر 1000 تنفيذي في “لوريال” في مجموعة من تجارب التعلم، لتمكينهم من بناء خارطة رقمية استرشادية للمناطق والشركات التي يعملون معها، وتقديم نموذج للسلوكيات الذي يودون أن ينتهجها أعضاء فريقهم لتنفيذ هذه الخطط، مثل الاستعداد لخوض تجارب جديدة، والانفتاح على شراكات خارجية، وتعزيز استقلالية هياكل فرق العمل. ويقول روشيه موضحاً ذلك: “توجه القيادات الآن دعوة صريحة على مستوى الشركة لتبني استراتيجية رقمية واضحة يسهل أن يتذكّرها الفريق”.

والطريقة الأخرى للتدليل على التزام القيادة العليا هي المشاركة الفعلية لقادة المنتجات عالية الاستهلاك في الأدوات التي يستخدمها المستهلكون. ومثال على ذلك بيت بلاكشو (Pete Blackshaw) رئيس الإعلام الرقمي والاجتماعي العالمي في شركة “نسلة”، الذي يدعو قيادات المنتجات عالية الاستهلاك أن يتبنوا بصورة شخصية استعمال المنصات والقنوات الرقمية الناشئة ليصبح هذا النموذج الجديد واقعاً مطبّقاً أمام الموظفين والوكالات الشريكة والموردين.

يقول بلاكشو معقباً: “أستعمل المنصات الجديدة وأختبرها بصورة دائمة وشخصية، مثل الفيديو، والرسائل على “الفيسبوك”، والقصص على “إنستغرام”، وغير ذلك. وعندما أستعمل هذه الأدوات بنفسي أكتسب ميزة إضافية تؤهلني أن أطرح أسئلة صعبة على الوكالات والشركات التقنية التي تحاول إقناعي ببيع تلك الحملة الكبيرة، وأفنّد مهاراتها في محاولة بيع منتجها. وهكذا تجعلني التجربة الشخصية مسوّقاً أكثر كفاءة”.

تمكين الموظفين من الوصول المباشر للمستهلكين

تقوم شركات سريعة النمو في بيع المنتجات عالية الاستهلاك، مثل “واربي باركر” (Warby Parker) و”غلوسييه” (Glossier) و”نادي دولار شيف” (Dollar Shave Club)، بقلب النموذج التقليدي لتجارة التجزئة رأساً على عقب، وهو نموذج يعتمد على بيع المصنّع للمنتج إلى تاجر التجزئة الذي يقوم بدوره ببيع المنتج إلى المستهلك. فقد بات الوصول المباشر للمنتجات إلى المستهلكين أسهل من أي وقت مضى، بفضل أدوات التكنولوجيا الجاهزة للاستعمال في التجارة الإلكترونية، مثل أساليب تعظيم نتائج محركات البحث من أعداد الزائرين لمواقع إلكترونية، وغيرها من الحلول الأُخرى للتوزيع. ويساعد هذا التحول شركات المنتجات عالية الاستهلاك في أن تكتسب رؤية ثرية متعمقة في أذواق المستهلكين وعاداتهم التي تدفع بانتعاش المبيعات. غير أنّ اكتساب هذه الرؤية يتطلب أن يلازمه تحول فوري في الهيكل التنظيمي لتقريب الفرق التي تعمل بداخل الشركات من المجال الخارجي للمستهلكين. وهناك أدوات جديدة وأُخرى في سبيلها للظهور من بين الأدوات التمكينية القوية التي توجه عملية التحول الرقمي في المنتجات عالية الاستهلاك، مثل مراقبة ما يرد في وسائط التواصل الاجتماعي، والبحث في سلوك المستهلك واحتياجاته ومدى رضاه، وإعداد خرائط تحديد احتياجات المستهلك.

ومثال على ذلك “كونّكت هوم” (Connected Home)، وهي وحدة أنشأتها شركة مرافق بريطانية اسمها “سنتريكا” (Centrica) لتصنيع أجهزة منزلية “للبيت الذكي”. وجرى تشكيل الفريق ليحاكي عمل الشركات حديثة الإنشاء، مع التركيز على البحوث المعنية بسلوك المستهلك واحتياجاته ومدى رضاه، وعلى آراء المستهلكين، وعلى العمليات التي تعظِّم كفاءة استعمال الموارد. وساعدت هذه المنهجية “كونّكت هوم” على أن يحتل جهاز “هايف” (Hive) أو “الترموستات الذكي” مركز الصدارة في السوق ببضع سنوات فقط. إذ قال لنا “قصير حسين” (Kassir Hussain) وهو المدير السابق لشركة “كونّكت هوم”: “في مجال سرعان ما يشعر المستهلك بالحيرة والإحباط، ساهم تركيزنا على المقابلات المنتظمة مع المستخدمين، واجتماعاتنا، واختباراتنا، في إنشاء منتج بسيط سهل الاستخدام ويلبي الاحتياجات الحقيقية للمستهلكين”.  وهكذا أصبحت وحدة “كونّكت هوم” الآن من الوحدات الرئيسية التي أحدثت فرقاً في سوق الطاقة التنافسي، ودفعت بالأرباح التي جنتها الشركة الأم “سنتريكا”.

مساعدة الموظفين على تبنّي مهارات المرونة

من مفاتيح النجاح الرئيسية التحلي بمهارة المرونة خلال مرحلة التحولات الرقمية. فاليوم تتغير التكنولوجيات واحتياجات المستهلكين تغيراً أسرع مما يمكن أن تواكبه الخرائط الاسترشادية التقليدية للأعمال، وهو ما يستوجب استعداد الموظفين واكتسابهم القدرات التي تمكنهم من التحرك بهذه الوتيرة. وأفضل طريقة لدفع هذا التغيّر هي الإعداد اليومي للأنشطة والسلوكيات الملموسة التي تمكّن الموظفين من التحرك بسرعة.

وقدمت ديب هينرييتا (Deb Henretta) مثل هذا النشاط حينما كانت تدير شركة “بروكتر أند غامبل آسيا” (P&G Asia)، حيث دفعت فرقها للتحرك نحو متابعة كل الأصول الرقمية 24 ساعة على مدار الأسبوع، وهي المواقع المملوكة للشركة، ومواقع العملاء، وقنوات التواصل الاجتماعي. وقدمت مجموعة من لوحات القياس المباشر لمؤشرات الأداء الرئيسية وتقارير عن تردد العملاء، ما ساعد الفريق على المتابعة المستمرة لسلوك المستهلكين ونشاطهم. وكانت هذه الوتيرة أسرع من وتيرة الاستعراضات الربع سنوية والسنوية التي كانت تستخدمها الشركة عندما كانت المنتجات في بيئة مادية. وتعلّم الفريق أن يتابع عن كثب كل شيء، بدءاً بعدد مرات تحميل الصفحة على الإنترنت، ومروراً بتقييم المستهلكين وآرائهم، وانتهاء بالشعور العام على وسائط التواصل الاجتماعي.

الاستثمار في “تصميم خبرة الموظفين في العمل”

تستخدم بعض الشركات الكبرى أسلوب “تصميم خبرة الموظفين في العمل” بهدف إعادة التفكير في خبرتهم، بمحاولة لجذب المواهب الحيوية والحفاظ عليها بصورة أكثر فعالية، ولتبنّي طرق عمل أكثر انفتاحاً وسلاسة. فهي تريد أن تحسّن فهمها لما يحفّزهم، حيث يقوم الكثير منهم بأدوار جديدة ومتطورة، أو يندرجون تحت جيل يختلف اختلافاً كبيراً في دوافعه وتوقعاته عن الأجيال السابقة.  وباستخدام أدوات مثل خرائط تحديد احتياجات الموظف، وتطور شخصيته، والبحوث المعنية بالمستهلكين، أصبحت هذه الشركات قادرة على تحويل الطرق التي يقضي بها الموظفون وقتهم في الشركة خلال كل مرحلة من المراحل الرئيسية.

ومن الشركات التي تتبنى هذه النهج “مجموعة الأزياء العصرية” (LVMH Fashion Group) التابعة للمجموعة الكبرى للمنتجات الفرنسية الفاخرة. وتقول “ناتلي شيفو” (Nathalie Cheveau) مديرة تطوير المواهب العالمية في مجموعة (LVMH) : “اقتبسنا من مجالات، مثل أداة تصميم المنتج بناء على احتياج العميل، فكان بإمكاننا إعادة النظر لجوانب أساسية في التعيين، ودمج الموظفين الجدد، والتطوير، والحفاظ على الموظفين القائمين، وذلك لإعداد خرائط تحديد احتياجات الموظفين لتعزيز تجربتهم”. وفي شركة تابعة للمجموعة، من شركات الماركات الفرنسية الفاخرة، أدت خارطة تحديد احتياجات الموظفين إلى إعداد أربع مبادرات للتخفيف من المؤشرات العالية والمنخفضة بين العاملين الرئيسيين في القسم التجاري بباريس. وإحدى هذه المبادرات عبارة عن برنامج جديد يتبادل فيه الزملاء مصاحبة بعضهم بعضاً في أثناء تأدية وظيفتهم، ما يساعدهم على فهم أفضل للأدوار الأُخرى في الشركة، ويحقق قدرة أعلى لحركتهم، وهي نقطة قوة أساسية في بيئة تشهد التحول، حيث تتغير الأدوار والهياكل التنظيمية بوتيرة أعلى.

الاستثمار في التعلم مدى الحياة

في الوقت الذي تُصارع الشركات الكبيرة من أجل المنتجات عالية الاستهلاك لمواكبة وتيرة التغيير في صناعاتها، بات مستحيلاً الفصل بين التعلم والعمل. إذ يتعين عليها أن تستثمر في مبادرات منتظمة ومتكررة لتطوير المهارات، على أن تقدمها في صيغ تتماشى مع زيادة الضغوط المفروضة على وقت الموظفين.

خلال السنة الماضية، تقدم أكثر من 14,000 موظف من موظفي “لوريال” للاشتراك في برنامج مخصص لتطوير المهارات وإتمامه، وهو يتضمن مجموعة من الدروس على الإنترنت وورش عمل محددة الهدف، حيث كانت تركز على المهارات العملية التي يوجهها كل سوق على حدة، وأعدتها مؤسسة “جينرال أسمبلي” (General Assembly) مع الإدارات الداخلية في “لوريال”. (يعمل أحدنا لدى “جينرال أسمبلي” والآخر يقدم الاستشارات لها). وتتضمن هذه المهارات تعظيم نتائج محركات البحث من أعداد الزائرين لموقع الشركة، وتخصيص الإعلام الرقمي، والتحاليل الرقمية.

وتقود هذه الجهود كاميل كرولي (Camille Kroely) مديرة تعلم التحول الرقمي في “لوريال”، حيث تقول: “نعمل جاهدين لتصميم قاعدة أساسية للمعرفة الرقمية التي نتوقع أن يتمكن كل موظف من الوصول إليها. ونزود البلدان بمجموعة متنوعة من الأساليب، بما فيها استعمال تطبيقات الألعاب في سياق العمل، والحوافز، والتواصل مع المديرين التنفيذيين، وما إلى ذلك، من أجل تحقيق نسبة عالية لإكمال البرنامج على مستوى العالم، تبلغ 90% مقارنة بالمستوى الذي نرغب بتحقيقه من برنامج تطوير المهارات”.

وهذه النتائج الجديدة هي نتائج تنفيذ الوعود، إذ تنفق “لوريال” الآن 32% من صافي ميزانيتها المخصصة للإعلام على القنوات الرقمية، وشهدت قفزة في المبيعات عبر التجارة الإلكترونية بنسبة 33% في عام 2016 فقط. وتستمر الشركة في تحقيق عوائد ضخمة ونمو هائل في الأرباح، وتقود مسيرة الابتكار في عالم الجمال على مستوى العالم.

ولا يتعلق التحول الرقمي بالتكنولوجيا فقط، وإنما الطريقة التي تتواصل الشركة مع موظفيها، وتنظمهم، وتعيد تشكيل مهاراتهم، ستلعب دوراً رئيسياً في قدرتها على الاستفادة من النموذج الجديد لخارطة المنتجات الاستهلاكية.

تنويه: إن نسخ المقال أو إعادة نشره بأي شكل وفي أي وسيلة دون الحصول على إذن مسبق يعتبر تعدياً على حقوق الملكية الدولية ويعرض صاحبه للملاحقة القانونية. جميع الحقوق محفوظة لشركة هارفارد بزنس ببليشينغ، بوسطن، الولايات المتحدة الأميركية – 2018.

هذه المقالة عن تكنولوجيا

شاركنا رأيك وتجربتك

كن أول من يعلق!

التنبيه لـ

wpDiscuz