بعد الخطابات الساخنة للانتخابات الرئاسية الأميركية في نوفمبر/تشرين الثاني الماضي، عقدت “إنتربوبليك” (IPG)، الشركة الأم لشركتي، دعوتها المفتوحة الأولى للموظفين من أجل الحديث عن المسائل المتعلقة بالاحترام في مكان العمل. أرادت (IPG) تعزيز التزامها بالاحتواء. وتمت دعوة الأشخاص بشكل مجهول من القارات الخمس.

أكثر ما أدهشني هو عدد الأشخاص الذين تحدثوا عن شعورهم بعدم الأمان نتيجة الجو السياسي. وصفت إحدى الموظفات في أوماها التابعة لولاية نيبراسكا، ذهابها اليومي للعمل على متن الحافلة، بينما الخلافات السياسية تنهال عليها. كل ما كانت تفكر فيه هو: “لا أستطيع الانتظار حتى أصل لعملي”.

تمتلك الشركات اليوم القدرة على أن تكون ملاذاً آمناً من سوء الأخلاق التي يواجهها الأفراد يومياً على الطريق وعلى شبكة الإنترنت، وفي وسائل الإعلام، والحياة السياسية. في هذه الشركات يمكن للموظفين أصحاب الخلفيات المتنوعة والآراء المختلفة، العمل معاً لتحقيق أهداف مشتركة، متحررين من أعباء الانقسامات والتوترات الموجودة في أماكن أُخرى. وبالنسبة للمجتمع والديمقراطية بشكل عام، ربما يكون مكان العمل هو المؤسسة الوحيدة التي تحتضن أكثر الطرق البنّاءة لجمع الناس معاً.

وجدت دراسة حديثة حول تخفيف التوترات العرقية في العمل أجراها “مركز ابتكار المواهب” (Center for Talent Innovation)  أنّ “مكان العمل هو أحد البيئات القليلة، حيث نستطيع التفاعل فيها عادة عبر الخطوط العنصرية والعرقية”.

وعلى الرغم من أنّ مكان العمل ليس مكاناً مثالياً، إذ استقال ربع الموظفين المشاركين في الدراسة والبالغ عددهم 1,126 بسبب بيئة وظائفهم غير المتحضرة، إلا أنّ 86% من المشاركين الموظفين وصفوا أماكن عملهم بأنها بيئات متحضرة ومحترمة، وذلك في آخر دراسة أجريناها عن الأخلاق الحسنة في أميركا. كما أفاد 63% كذلك أنّ الناس أكثر تحضراً داخل العمل من خارجه.

منذ 2010 قامت شركة “ويبر شاندويك” (Weber Shandwick) و”باول تيت” (Powell Tate)، في شراكة مع مركز بحث (KRC)، بتتبع  تصورات الأميركيين عن الأخلاق الحسنة في مختلف جوانب الحياة، بما في ذلك بيئات العمل. أظهرت النتائج عجزاً شديداً ومتنامياً في الأخلاق الحسنة. ويعتقد ثلاثة أرباع المشاركين في دراستنا الاستقصائية الآن أنّ سوء الأخلاق في أميركا ارتفع  إلى مستوى الأزمة.  وأفاد جميعهم تقريباً إلى أنّ أعظم التداعيات لسوء الأخلاق هي التهديد والتحرش (بنسبة 89% لكل واحد) والعنف والتمييز (88% لكل واحد). ومثل سوء الأخلاق هذا يهدد أصول الديمقراطية ذاتها.

وتُعتبر الشركات الآن في وضع مناسب تماماً للترويج لنفسها كمعاقل آمنة للاحترام والأخلاق الحسنة. ومع ذلك، على الشركات إدراك أنّ الأخلاق الحسنة في أوسع معنى ممكن لها هي: احتضان التنوع والاحتواء والاحترام بدلاً من تأجيج الاختلافات. إلى جانب ذلك، تشير الكثير من الأدلة إلى أنّ الموظفين يريدون ذلك. وكشفت دراسة أُخرى أجريناها أنّ قرابة نصف الموظفين من جيل الألفية المشاركين في دراستنا يُقيّمون أرباب العمل المحتملين وفقا لسمعتهم في التنوع والاحتواء.

كيف تتمكن الشركات من إنشاء بيئة عمل تجعل الموظفين يشعرون بالأمان من الحواف غير المتحضرة لجزء كبير جداً من حياتنا المعاصرة؟، إليك هذه بعض الاقتراحات:

القيادة بالقدوة

لا تتجنب الشركة التي تمثل ملاذاً آمناً الخلافات. بدلاً من ذلك، تتخذ موقفاً حتى في القضايا الخلافية إذا كانت متوافقة مع مبادئ الشركة. ولا يسعى موظفو اليوم للعمل من أجل كسب قوتهم فقط بل يسعون كذلك لتحقيق أهداف اجتماعية ذات مغزى. وهناك عدد متزايد من المدراء التنفيذيين وأصحاب الكراسي يتخذون موقفاً محدداً بشأن القضايا السياسية والاجتماعية. وأفضلهم، مثل تيم كوك من “آبل” وهوارد شولتز من “ستاربكس”، لم يفعلوا ذلك كمستقلين سياسيين، بل اتخذوا مواقفهم بطريقة تتفق والقيم الأساسية لشركاتهم. ونتيجة لذلك استطاع الموظفون استيعاب هذه القيم بشكل أعمق.

بالإضافة إلى ذلك، أطلق ما يقرب من 175 من المدراء التنفيذيين “حركة المدير التنفيذي للتنوع والاحتواء”، وهي أول التزام يقوده المدراء التنفيذيون، والأكبر إطلاقاً، لزرع بيئة آمنة وموثوقة، حيث يُرحّب فيها بكل الأفكار والحوارات، ويناقش فيها الموظفون بكل أريحية مواضيع العرق والاحتواء وسط فيضان من التوترات المتصاعدة.

جعل بيئة العمل آمنة للنقاش والنزاع

يعرف قادة الشركات الجيدة أهمية تبني وجهات النظر المختلفة وجعل مكان العمل آمناً وقابلاً لإثارة المخاوف بل وحتى الخلافات. قالت شركة الأدوية “ليلي” (Lilly): “العديد من الأحداث العالمية المأساوية هزت موظفينا، وجعلت من الصعب عليهم أن يهتموا بكل كيانهم في العمل، نريد أن يشعر الناس بالأمان في الحديث عن هذه الحوادث ضمن العمل، مع التركيز على كيف نستطيع دعم وفهم بعضنا البعض”.

وتعقد الشركة الآن جلسات “هل لنا أن نتحدث؟” وذلك بسبب بالحادث المأساوي لإطلاق النار على الشرطة عام 2015 في فيرغسون، ضمن ولاية ميسوري، وغيرها من المدن، وهي مناقشات يستطيع فيها الموظفون من مستويات وخلفيات مختلفة الحديث بصراحة في المواضيع المثيرة للجدل. على سبيل المثال، تحدث موظفون من أصول شرق أوسطية مؤخراً عن مشاعرهم في حلقة نقاش حول البيئة السياسية الحالية في الولايات المتحدة والعالم.

ويحتاج الموظفون أيضاً إلى الشعور بالراحة في التعبير عن آرائهم عندما لا يتفقون مع مسائل تتعلق بالعمل. عندما أصبحت أورسولا بيرنز (Ursula Burns) الرئيس التنفيذي لشركة “زيروكس”، عام 2009، وصفت كيف عانت شركة “فورتشن 500” مما يسمى “اللطف المتطرف”. قالت بيرنز: “أنه عندما نكون في عائلة زيروكس، لا يجب أن تكون لطيفًا أكثر مما تكونه خارج العائلة. أريد أن نظل متحضرين ولطفاء، لكن لابد علينا أن نكون صريحين”.

ويجب على المدراء تحديد الأسلوب من خلال تشجيع الناس على التحدث، وتعليم الناس كيفية إجراء محادثات صعبة، وإدارة أي خلافات في فرقهم.

لا تتسامح مع سوء الأخلاق

قال حوالي 40% ممن شاركوا في دراستنا عن الأخلاق الحسنة في أميركا أنهم يدعمون أرباب العمل الذين يشجعون الموظفين على الإبلاغ عن سوء الأخلاق والذين يتحملون مسؤولية القضاء على سوء الأخلاق في مكان العمل.

تحتاج الشركات إلى التواصل بشكل مستمر، وأن تنقل بوضوح مبادئها، وقواعدها وسياساتها، بحيث يعرف الناس ما هو السلوك المتوقع منهم ويكون الجميع على قدر المسؤولية. على سبيل المثال: حسن الخُلق والاحترام هو المبدأ الأساسي لمركز “جونز هوبكنز باي فيو” الطبي في بالتيمور. واستناداً إلى المعارف المبكرة المستفادة من مبادرة “هوبكنز” لحسن الخُلق، والتي أطلقت عام 1998 من قبل فورني (Forni)، يمنح المركز كل موظف جديد بطاقة مغلفة تحتوي 10 نصائح حول الحفاظ على الخطاب المتحضر والسلوك المهذب في العمل. يقول المركز: “أنّ الأخلاق الحسنة في بيئات عمله تبني فرقاً أقوى، وأكثر إنتاجية تقدم أعلى مستوى من الرعاية الصحية للمرضى”.

تملّك الأخلاق الحسنة

كشفت نتائج دراستنا أنّ السياسيين (75%)، وشبكة الإنترنت ومواقع التواصل الاجتماعية (69%)، ووسائل الإعلام (59%) يُعتبرون أكبر مرتكبي سوء الأخلاق في أميركا، في حين كانت الشركات الأميركية (31%) في الأسفل. يجب على الشركات أن تعمل بجد للحفاظ على هذه السمعة. وينبغي لها أن توفر التدريب الأخلاقي المتحضر جنباً إلى جنب مع البرامج الموجودة التي تركز على أخلاقيات الشركة أو تعليم الموظفين كيفية منع التحرش الجنسي.

أما فوائد أن تكون الشركة ملاذاً آمناً من سوء الأخلاق فهي كثيرة جداً. ستجذب هذه الشركات موظفين أفضل وعملاء أوفياء. وسوف توفر نوعاً مميزاً من أماكن العمل، حيث يتنفس الناس فيه الصعداء عند الوصول إليه ويكونون قادرين على تقديم أفضل ما لديهم. ولعلّ هذه الشركات، من خلال غرس قيم وعادات الأخلاق الحسنة والاختلاف، تساعد على تطوير مجتمع متحضر أكثر أصالة.

تنويه: إن نسخ المقال أو إعادة نشره بأي شكل وفي أي وسيلة دون الحصول على إذن مسبق يعتبر تعدياً على حقوق الملكية الدولية ويعرض صاحبه للملاحقة القانونية.

ﺟﻣﯾﻊ اﻟﺣﻘوق ﻣﺣﻔوظﺔ ﻟﺷرﻛﺔ ھﺎرﻓﺎرد ﺑزﻧس ﺑﺑﻠﯾﺷﻧﻎ، ﺑوﺳطن، اﻟوﻻﯾﺎت اﻟﻣﺗﺣدة اﻷﻣﯾرﻛﯾﺔ - 2018

اترك تعليق

قم بـ تسجيل الدخول لتستطيع التعليق
avatar
  شارك  
التنبيه لـ
error: المحتوى محمي !!