facebook
twitter
whatsapp
email
linkedin
messenger
shutterstock.com/alaver

مرّ عقد أو اثنان من الزمان على وقت كان يمتلك فيه المجتمع خياراً لإلغاء استثماراتٍ ضخمة تعتمد على الوقود الأحفوري، والبدء بتحول مدفوع بالسياسات نحو بنية تحتية متجددة ونظيفة، كان من شأنها أن تتجنب أسوأ التأثيرات الناجمة عن التغير المناخي. لكنّ أموراً مثل تحديات العمل الجماعي، والافتقار للشجاعة السياسية، وقوة المصالح المالية الحالية التي تسعى للسيطرة والتحكم بزمام الأمور، حالت دون أن نسير في هذه الاتجاه فعلاً. ونتيجة لذلك، أصبحت، اليوم، الفاتورة مستحقة الدفع.

اشترك رقمياً اليوم ونحن نضمن لك تحقيق الفائدة، وإن لم تحقق الاستفادة المرجوة من اشتراكك، يمكن إلغاؤه في أي وقت واستعادة المبلغ للمدة المتبقية من الاشتراك.

وهذا ما دعا لإطلاق تسمية "الأصول المتقادمة" على العديد من مدننا الساحلية العظيمة. ويُعرّف جويل ماكوير، مؤسس شركة غرين بيس (GreenBiz) الأصولَ المتقادمة بأنها "مصطلح مالي يصف شيئاً أصبح قديماً أو عديم الأداء قبل انقضاء فترة صلاحيته، ويجب أن يُسجل ضمن الميزانية العامة للشركة بوصفه ربحاً ضائعاً". كان ماكوير، حينها، يتحدث عن شركة إكسون (Exxon) وغيرها من الشركات التي تعتمد أعمالها على احتراق الوقود الأحفوري المسبب للتغيرات المناخية، ولم يكن يعني المدن. لكن سرعان ما تحول المصطلح من وصف الأعمال القائمة على احتراق الكربون، إلى وصف المدن المهددة بتأثيرات هذا الكربون.

ولنأخذ ميامي مثالاً على ذلك. فتلك الجوهرة الثقافية التي لا تُقدر بثمن، ولا يمكن تعويضها، ستصبح متقادمة، بالمعنى المجازي والحرفي، بسبب التغير المناخي.

فكيف يمكن لمدينة بأكملها، تحتضن الحياة والثقافة والرفاهية لملايين البشر أن تعتبر "عديمة الأداء"؟ وتعود الإجابة إلى الوراء قليلاً، إذ اتضح أن المنشآت المادية والأبنية العمرانية والبنى التحتية التي أُسست عليها مدينة ميامي كانت قد بُنيت على ما نستطيع رؤيته اليوم على أنه افتراض معيب، وهو افتراض الديمومة والاستمرارية. أي أن مستوى سطح البحر سيبقى على حاله ما دامت الحياة البشرية. وأن موسم الأعاصير التي تعصف بالأطلسي سيرسل عواصف متقطعة يمكن تحديد مداها والاستعداد لها مسبقاً. وهكذا كان تبني مفهوم الديمومة والقدرة على التنبؤ هو السبب وراء التخطيط العمراني الذي حدث في ميامي، وهو ما شجّع عشرات الآلاف من قرارات الاستثمار التي عززت الثروة فيها بمليارات الدولارات. نظرياً، طالما لم يحدث شيء يخل بهذا المفهوم، فإن القيمة ستستمر بالازدياد. لكن إن تقوض مفهوم الديمومة الذي يكمن وراء هذه التوقعات، فإن القيمة السوقية ستختفي. وكما الجمال في عين ناظره، فإن قيمة الممتلكات يقدرها من يشتريها…إلى أن تصبح لا شيء.

ورغم أنه من الصعب علينا تقدير مدى التغير المناخي عموماً، وارتفاع مستوى البحر على وجه الخصوص. إلا أن الأمواج المحيطة بميامي ترتفع بمعدل عدة سنتيمترات سنوياً. إنها كارثة محتمة تتجه نحونا ببطء، يمكن قياسها خلال عقود، وليس لحظات. ولكن، مشتري العقارات في ميامي لا يرون ذلك الوقت الحالي. إذ أظهر استطلاع، أُجري عام 2017، أن معظم مشتري العقارات (أكثر من الثلثين) لا يسألون السماسرة عن الآثار المترتبة عن التغير المناخي وارتفاع مستوى البحر على العقارات التي سيبتاعونها.

لكن بالنسبة لأولئك الذين يبحثون في الأمر، فإن آثار ارتفاع مستوى البحر واضحة بالفعل. فما يسمى "فيضان اليوم المشمس"، (أي حدوث فيضان المد والجزر أو حدوث الفيضانات دون هطول المطر) موجود فعلياً في أجزاء من ميامي على نحو يمكن توقعه، مسبباً غمر الشوارع، وعرقلة المرور، وفساد المروج، وتدمير البنية التحتية والسيارات، وتلويث المياه الجوفية، وتعطل أنظمة الصرف الصحي. فإذا ازداد الأمر سوءاً بارتفاع مستوى البحر، سنكون أمام نتيجة لا مفر منها، وهي أن تصبح ميامي مدينة مغمورة وغير صالحة للعيش. وبغياب معجزة هندسية، ستصبح المدينة بأكملها أصلاً متقادماً وسيكون على المجتمع شطبها. وليست ميامي وحدها: بل أيضاً، وبحسب تقديرات رويترز، هناك عقارات بقيمة 1.4 تريليون دولار على الأقل تمتد على طول 700 قدم من الخط الساحلي في الولايات المتحدة، وقد يكون الرقم أكبر من ذلك بكثير.

وعندما تحصل وفرة غير منطقية في العقارات الساحلية ويُخفض آلاف مشتري العقارات أسعارَها بشكل جماعي، فإن فقاعة الإسكان التي ظهرت قبل عشر سنوات ستزول.

وسترتد العواقب من خلال الاقتصاد، والمجتمع، والمشهد السياسي. ويمكننا أن نستعرض مسبقاً كيف سيبدو الأمر في هذه المدن، استناداً لما يحدثه إعصار إرما. فقد شهدنا بالفعل الدمار الناجم عن إعصار هارفي في هيوستن، وهي المدينة التي بنيت أيضاً على افتراض الديمومة القاصر. إذ تجاهل مخططو مدينة هيوستن وكذلك الشركات العاملة فيها التحذيراتِ التي أُطلقت سنة 1996 والتي تنبأت بما سيجلبه التغير المناخي من الكوارث التي تعاني منها المدينة حالياً بالفعل. من الصعب لومهم. فكلنا تجاهلنا التحذيرات حينها.

لكن لا يمكننا الاستمرار بذلك الآن. وإنما يتعيّن على قادة الأعمال والسياسيين الالتفات إلى فكرة في غاية الأهمية، وهي أن التغير المناخي قد يعني خسائر مالية فادحة في المدن الساحلية الكبرى في العالم.

تنويه: يمكنكم مشاركة أي مقال من هارفارد بزنس ريفيو من خلال نشر رابط المقال أو الفيديو على أي من شبكات التواصل أو إعادة نشر تغريداتنا، لكن لا يمكن نسخ نص المقال نفسه ونشر النص في مكان آخر نظراً لأنه محمي بحقوق الملكية الدولية. إن نسخ نص المقال بدون إذن مسبق يعرض صاحبه للملاحقة القانونية دولياً.

ﺟﻣﯾﻊ اﻟﺣﻘوق ﻣﺣﻔوظﺔ ﻟﺷرﻛﺔ ھﺎرﻓﺎرد ﺑزﻧس ﺑﺑﻠﯾﺷﻧﻎ، ﺑوﺳطن، اﻟوﻻﯾﺎت اﻟﻣﺗﺣدة اﻷﻣﯾرﻛﯾﺔ - 2020

اترك تعليق

قم بـ تسجيل الدخول لتستطيع التعليق
avatar
  شارك  
التنبيه لـ
error: المحتوى محمي !!