تابعنا على لينكد إن

تُشير منظمة الصحة العالمية إلى معاناة عدد كبير من الشباب في جميع أنحاء العالم من اضطرابات بسبب الاكتئاب أو القلق. وتوجد، في بعض شرائح المجتمع، نزعة إلى إهمال هذه الحالة باعتبارها نتيجة طبيعية لدى هذا الجيل مفرط الدلال وكثير المطالب وشديد الحساسية، والذي يُسمى في علم الاجتماع “جيل رقائق الثلج”.

وفي المقابل، توجد الكثير من الشواهد التي تثبت أنّ زيادة الاعتلالات النفسية بين الشباب تنشأ عن المعايير الصارمة التي يثقلون بها كواهلهم وقسوة عقابهم لأنفسهم باستمرار. وتتزايد نسبة تمسك الشباب بالمثاليات بصورة غير منطقية، وتتجلى هذه المثاليات في تطلعاتهم غير الواقعية المتعلقة بالإنجازات الدراسية والمهنية التي عليهم تحقيقها، والشكل الذي عليهم الظهور به، والأشياء التي عليهم امتلاكها. ويبدو أنّ ثمة خرافة جديدة بدأت تترسخ في أذهان الشباب بأنّ كل شيء لابدّ أن يكون مثالياً، بما في ذلك هم أنفسهم.

ومع ذلك، تبقى المثالية هدفاً مستحيل المنال، ومن يتمسك بها يضع نفسه حتماً على طريق الفشل والاضطرابات النفسية. وفي الحقيقة، يصبح مهووساً بالحصول على التقييم الإيجابي من قبل الآخرين ويسعى لإثبات جدارته من خلال أدائه المثالي المستمر. إلى جانب ذلك، يفكر هؤلاء الشباب بصورة مزمنة في نواقصهم ويشغلون أنفسهم بما كان يمكن تحقيقه أو ما كان عليهم تحقيقه، وتراودهم مشاعر القلق الشديد ويشعرون بالخزي والذنب إزاء ما يتصورونه من قصور وعدم جدارة.

وما شجعنا على إجراء بحثنا الأخير الذي نُشر في مجلة سايكولوجيكال بوليتين (Psychological Bulletin) فكرة أنّ المثالية ربما تكون سبباً في ازدياد الأمراض النفسية الحادة في الفترة الأخيرة، إذ أردنا الإجابة عن سؤال واحد بسيط وشديد الأهمية، وهو: “هل يزداد السعي للمثالية بين طلاب الجامعات في أميركا وكندا وبريطانيا؟”.

وللإجابة عن هذا السؤال، قمنا بدراسة التغيّرات في إجابات طلاب الجامعات عبر مختلف الأجيال على “مقياس المثالية متعدد الأبعاد” من العام 1989 حتى العام 2016. وقام بتطوير هذا المقياس كل من بول هيويت وغوردون فليت، وهما متخصصان في مجال المثالية، حيث عملا على قياس المثالية الذاتية (تطلعات شخصية أكبر من اللازم) والمثالية الاجتماعية (تطلعات اجتماعية أكبر من اللازم) والمثالية الموجهة نحو الآخرين (تطلعات أكبر من اللازم تجاه الآخرين). ونظراً لتقارب أعمار الطلاب الجامعيين، ساعدتنا البيانات التي تم جمعها في أوقات زمنية مختلفة باستخدام أداة القياس نفسها على تقييم مدى تغيّر أبعاد المثالية عبر الزمن.

وإجمالاً، حصلنا على بيانات من 41,641 طالباً جامعي من أميركا وكندا وبريطانيا. وأيدت النتائج التي توصلنا لها ما كان لدينا من افتراضات مسبقاً، إذ أظهرت النتائج ارتفاع المثالية بأبعادها الثلاثة، الذاتية والاجتماعية والموجهة نحو الآخرين، لدى طلاب الجامعات بين عامي 1989 و2016 بشكل كبير من الناحية الإحصائية، حيث يتوقع الشباب في الأجيال الحديثة الكثير من أنفسهم ومن الآخرين وهم يتصورون أنّ الآخرين يتوقعون منهم الكثير.

ولعل أكثر توجه يدعو للقلق وقد تم توثيقه في بحثنا، هو ذلك التوجه المتعلق بالمثالية الاجتماعية التي ارتفعت بمقدار ضعفي معدل المثالية الذاتية والمثالية الموجهة نحو الآخرين. كما يعتبر هذا الشكل من المثالية هو الذي يظهر فيه أكبر تداخل من بين كافة الأبعاد، ويرتبط بالعديد من مشاكل الصحة النفسية بما فيها التوتر والاكتئاب والرهاب الاجتماعي والأفكار الانتحارية. وتمثل هذه الزيادة أساساً دامغاً للأمراض النفسية الحادة التي وصلت إلى مستويات وبائية بين الشباب.

وبشكل عام، نرى أنّ نتائج هذا البحث تثير أسئلة هامة حول الطريقة التي تُبنى بها المجتمعات وما إذا كان تركيز المجتمع بشكل كبير على المقارنة الاجتماعية وما يترتب عليها من تصنيف اجتماعي وفئوي يؤثر على الشباب أم لا. وإلى جانب ما أظهره البحث من آثار تدميرية للمثالية على الصحة النفسية، تُعتبر النتائج كذلك بمثابة إنذار مسبق للمدارس والجامعات وأصحاب العمل الذين يدركون أهمية الرعاية الاجتماعية بالنسبة لفئة الشباب.

ومن هذا المنطلق، لدينا بعض النصائح للمعلمين والمحاضرين والمدراء الذين يساعدون في خلق ثقافة من شأنها التخفيف من وطأة هذه النزعة للمثالية، مع الأخذ في الاعتبار أننا لسنا أطباء نفسيين.

إذا قابلت شخصاً يعاني من مشاكل متعلقة بالصحة النفسية، أو إذا كنت أنت شخصياً تعاني من مثل هذه المشاكل، فيجب الاستعانة بأخصائي صحة نفسية مناسب. ونقدم هذه النصائح على أمل مساعدة أولئك الذين يسعون إلى تحسين تعاملهم مع المثالية في حياتهم الشخصية أو توجيه وإرشاد الآخرين ممن يعانون من مشكلة السعي وراء المثالية.

الفشل ليس ضعفاً

يعتبر مصدر الطاقة الرئيسي وراء السعي للمثالية هو الرغبة في تجنب الفشل. مثلاً: عند مواجهة اختبار هام أو موعد نهائي حاسم أو عرض أولي لمشروع، يتطلع المثالي إلى كل فرصة بوصفها فرصة ممكنة للفشل. وينشأ هذا الخوف عن المعايير الصارمة التي يلزم بها الفرد نفسه ورغبته في إتقان جميع الأمور. وما يخشاه هؤلاء الأشخاص هو انكشاف بعض الضعف الداخلي لديهم إذا لم يتمكنوا من إنجاز الأمور بشكل مثالي. ولهذا السبب نجد أنّ الأشخاص الأكثر نزعة للمثالية يعانون بشكل عام من ضغط أكبر في حياتهم اليومية. ويؤدي هذا الضغط بعد ذلك إلى مشاكل نفسية وصحية.

إذا لاحظت توتر الطلاب أو الموظفين حيال فرصة محتملة، ساعدهم على صرف انتباههم بعيداً عن الاحتمالات السلبية التي تحدث، وحاول توجيههم إلى الأمور الجيدة الممكن تعلمها من التجربة. ساعدهم على إعادة ترتيب أهدافهم بحيث يروا في الأحداث الصعبة فرصاً للتطور.

ماذا يحدث إذا فشلوا؟ غالباً ما يتميز الأشخاص الأكثر نزعة للمثالية بالطموح والاجتهاد والمثابرة، لذلك، يتوجب عليك أن تبدي لهم بعض التعاطف والدعم عندما لا تسير الأمور كما يجب لتساعدهم على تخطي الموقف.

هناك أهداف أخرى أفضل من المثالية

لدى اعتماد معايير شديدة الصرامة، يصبح الأشخاص الأكثر نزعة للمثالية عرضة للفشل الذي يهز ثقتهم بأنفسهم تماماً. ويحتاج هؤلاء الأشخاص إلى المساعدة ليتمكنوا من تمييز ما يمكن تحقيقه عملياً، كما يحتاجون كذلك إلى توجيههم لوضع أهداف مناسبة لهم. وتُعتبر روح المثابرة والمرونة والاجتهاد صفات إيجابية ضرورية لا يمكن أن تجتمع مع الخوف الذي يصاحب السعي لتحقيق المثالية. ربما يكون الحرص الشديد مطلوباً أحياناً، ولا بأس في ذلك، لكن إذا كانت المثالية هدفاً في حد ذاتها دون هدف منطقي آخر، فقد يقف هذا الحرص في طريق تحقيق النجاح.

إنجاز الأمر أفضل من السعي لإتمامه بشكل مثالي

لا تعتبر الأهداف المبالغ فيها هي العائق الوحيد الذي يمنع المثاليون من تحقيق النجاح، بل ميلهم إلى تأجيل المهام الصعبة لوقت لاحق. وفي حالة عدم القدرة على تقبل فكرة الفشل، يكون من الصعب المضي قدماً في تنفيذ المهام التي تحتمل الإخفاق إلى حد كبير. يميل الشخص الذي يسعى للمثالية غالباً إلى المماطلة لتجنب مواجهة الإخفاق في مهامه.

وعندما تحين مواعيد تسليم المهام، ربما يصاب هذا الشخص باليأس والاكتئاب، ما يؤثر على صحته النفسية. وفي الحقيقة هو لا يماطل طواعية، حيث تثبت الأبحاث العلاقة بين المماطلة والسعي للمثالية. إذا لاحظت أنّ الخوف من الفشل يؤثر على الطلاب أو الموظفين ويقيّدهم، لذا شجعهم على اتخاذ خطوات صغيرة وبسيطة، إذ تعتبر الخطوات الأولى أصعب ما في الموضوع. كذلك شجعهم على تجنب التفكير الزائد، واعلم أنّ تذكيرهم بتجاربهم ونجاحاتهم السابقة قد يفيد وأنّ عدم الصبر والإلحاح والنقد لن يساعد على تحقيق النجاح.

تُعتبر المثالية صفة مضللة، حيث تساعد على الحرص والاجتهاد والتفاني في العمل، ولكن مع أنها تُعتبر حافزاً قوياً وتساعد على رفع مستوى الأداء، يمكن أن تسبب مشاكل في الصحة النفسية. ويشير البحث الذي قمنا به إلى تزايد المثالية، ويتوقع كذلك تزايد المشاكل المتعلقة بها.

تنويه: إن نسخ المقال أو إعادة نشره بأي شكل وفي أي وسيلة دون الحصول على إذن مسبق يعتبر تعدياً على حقوق الملكية الدولية ويعرض صاحبه للملاحقة القانونية. جميع الحقوق محفوظة لشركة هارفارد بزنس ببليشينغ، بوسطن، الولايات المتحدة الأميركية – 2018.

هذه المقالة عن إدارة الذات

شاركنا رأيك وتجربتك

كن أول من يعلق!

التنبيه لـ

wpDiscuz