تابعنا على لينكد إن

من القصص الأكثر عاطفية المنتشرة على الإنترنت هذه الأيام قصة شاب وجدّته التي تحتضر ووعاء من الحساء من مقهى اسمه بانيرا بريد. إنها قصة صغيرة فيها دروس كبيرة عن الخدمة والعلامات المميزة والجانب الإنساني للأعمال. إنها قصة تؤكد لماذا يجب ألا تكون أبداً الكفاءة على حساب الإنسانية.

تجري القصة على الشكل التالي كما جاءت في مجلة أدويك (AdWeek): كان براندون كوك، من بلدة ويتلون في هامشاير، يزور جدته في المستشفى. إذ كانت الجدة مصابة بالسرطان في مراحله المتقدمة، وشكت لحفيدها أنها تتوق كثيراً إلى وعاء من الحساء، وأن الحساء الذي يقدمه المشفى لم يكن صالحاً للأكل (استخدمت مصطلح أقسى لوصف طعام المستشفى). وكانت تتمنى لو أنها فقط تحصل على وعاء من حساء المحار المفضل لديها من بانيرا بريد. لكن المشكلة كانت أن بانيرا كانوا يبيعون هذا النوع من الحساء يوم الجمعة فقط. لهذا اتصل براندون بمطعم بانيرا المجاور وتحدث إلى مديرة المحل سوزان فورتيير. إذ لم تقم سوزان فقط بصنع الحساء خصيصاً لجدة براندون، بل وضعت في الطلبية أيضاً علبة من الحلويات هدية من الموظفين.

كان ذلك تصرفاً بسيطاً لطيفاً لا يصل عادة إلى عناوين الأخبار، باستثناء أن براندون أخبر القصة على صفحته في فيسبوك، وكذلك فعلت أمه، جايل كوك، بإعادة رواية القصة في صفحة المعجبين ببانيرا. وحصل منشور جايل على  5,000,000 إعجاب وأكثر من 22,000 تعليق على صفحة المعجبين ببانيرا على فيسبوك. في هذه الأثناء حصلت بانيرا على شيء لم تكن لتستطيع شراءه بأي كم من الدعاية التقليدية، شعور صادق بالتضامن والتقدير من الزبائن حول العالم.

وبينما كنت أقرأ قصة براندون وجدته، عدت بالذاكرة إلى محاضرة قدمها من حوالي سنتين جيف بيزوس المؤسس والرئيس التنفيذي لشركة أمازون أمام كبار الخريجين في جامعتي الأم، جامعة برينستون. أقل ما يقال عن بيزوس أنه كان أستاذاً في التقنية. إذ بنى شركته وثروته مستفيداً من صعود الإنترنت ومن فطنته. لكنه في ذلك اليوم لم يتحدث عن قوة الحواسيب أو القوة الذهنية، بل تحدث عن جدته وما تعلمه عندما جعلها تبكي.

إذ تبيّن أنه كان لدى بيزوس عقل قوي وشغف للعمل على الأرقام حتى عندما كان لا يزال في العاشرة من عمره. فخلال رحلة صيفية بالسيارة مع جدّيه، سئم جيف من تدخين جدته في السيارة وقرر أن يفعل شيئاً حيال ذلك. من المقعد الخلفي، قام بعدّ السجائر التي تدخنها جدته في اليوم، وكم نفخة كانت تأخذ من كل سيجارة، والخطر الكامن في كل نفخة، وأعلن لها بقوة “لقد أخذت من حياتك تسع سنوات”.

ربما كانت حسابات بيزوس دقيقة، لكن ردة الفعل لم تكن كما توقع. فقد اندفعت جدته للبكاء. وتوقف جده بالسيارة إلى جانب الطريق وطلب من جف الشاب أن يخرج، ومن ثم علّمه درساً قرر هذا الذي أصبح اليوم بليونيراً أن يشاركه مع صف عام 2010: “نظر إليَّ جدي، وبعد بعض الصمت، قال لي بهدوء ورقَّة جف، سوف تفهم يوماً أن التحلي باللطف أصعب من التحلي بالذكاء”.

ذاك هو الدرس الذي أتمنى أن يفهمه أصحاب الأعمال اليوم، درس تؤكده ردة الفعل هذه نحو تصرف لطيف وبسيط من بانيرا بريد. وعشت أنا في الواقع تجربة مماثلة قبل فترة ليست بالبعيدة، وأثرت هذه الفترة في شخصيتي كثيراً لدرجة جعلتني أخصص منشوراً لها في هارفارد بزنس ريفيو. في ذلك المنشور، أخبرت قصة والدي، وبحثه عن سيارة جديدة، وعن حالة صحية طارئة حدثت في منتصف ذلك البحث، وعن مجموعة من اللفتات الفريدة (والإنسانية بحق) من أحد تجار السيارات التي خففت عنه وجعلته يمنح التاجر ثقته.

“ماذا عن الأعمال التي تُصّعب علينا كثيراً أن نكون لطيفين؟”، سألت حينها. “وأي نوع من أصحاب الأعمال نحن عندما تُصبح تصرفات لطيفة كهذه نادرة الحدوث؟”

هذا ما فاجئني فعلاً في قصة بانيرا بريد، ليس فقط أن سوزان فورتيير فعلت ما بإمكانها للقيام بشيء لطيف لامرأة مريضة، بل أيضاً أن مبادرتها البسيطة حازت انتباهاً وتقديراً على مستوى العالم.

وعليه، شجِّع العاملين لديك بكل تأكيد كي يتبنوا التقنية ويحصلوا على تحليلات رائعة للأعمال ويجعلوا الكفاءة نصب أعينهم في كل ما يفعلونه. لكن احرص ألا تكون الكفاءة على حساب إنسانيتهم: فهناك مبادرات بسيطة ترسل رسائل كبيرة عن أنفسنا، وما نهتم به، ولماذا سيودّ الناس التعاون معنا. أخيراً، أن تكون لطيفاً أصعب (ولو أنه أهم) بكثير من أن تكون ذكياً.

تنويه: إن نسخ المقال أو إعادة نشره بأي شكل وفي أي وسيلة دون الحصول على إذن مسبق يعتبر تعدياً على حقوق الملكية الدولية ويعرض صاحبه للملاحقة القانونية. جميع الحقوق محفوظة لشركة هارفارد بزنس ببليشينغ، بوسطن، الولايات المتحدة الأميركية – 2017.

هذه المقالة عن تواصل

شاركنا رأيك وتجربتك

كن أول من يعلق!

التنبيه لـ

wpDiscuz