آن الأوان للقيادة بطريقة هادفة وإنسانية

6 دقيقة
القيادة بطريقة هادفة وإنسانية
استمع الى المقالة الآن هذه الخدمة تجريبية
Play Audio Pause Audio

ملخص: يتعرض قادة الشركات لاختبار جدّي في هذه الحقبة غير المسبوقة فالقيادة بطريقة هادفة وإنسانية أمر مطلوب في هذه الأوقات. فقد وقع الكثيرون منهم في صيف العام قبل الماضي على بيان “جمعية بزنس راوند تيبل” حول هدف الشركات والذي ألزم شركاتهم بالسعي الدؤوب من أجل تحقيق الصالح العام لكل أصحاب المصلحة. وتمثل الجائحة أول اختبار من نوعه لهذه المبادئ. جدير بالذكر أن مؤلف المقالة شغل منصب الرئيس التنفيذي السابق لشركة “بيست باي” (Best Buy)، إحدى الشركات الموقعة على البيان، وتحدث مع الكثير من هؤلاء الرؤساء التنفيذيين. وفي حين أن الأجواء لا تزال ملبدة بالغموض، فإنه يشعر بالتفاؤل المُستمد من ردود فعلهم تجاه الأزمة في ظل سعي شركاتهم للنظر بعين الاهتمام إلى الموظفين والعملاء والمورّدين، والأهم من ذلك المجتمعات التي تخدمها هذه الشركات. ويهيب المؤلف بهؤلاء القادة أن يواصلوا مهمتهم، ويطالب القادة الآخرين بالانضمام إلى هذه المساعي.

نحن نقيس نجاحنا بقدرتنا على التأثير في حياة الآخرين. – بوب تشابمان، “أهمية تحديد القيم” (The Value of Identifying Values)، 2012.

لم تكد تمضي بضعة أسابيع من عام 2020 حتى دخل العالم كله في أزمة لم يسبق لمعظمنا أن شهد لها مثيلاً من قبل، أزمة أوجبت علينا تعليق أي مسار عمل كنا نتخذه في السابق أو إعادة ضبطه، أزمة يمكن أن تؤدي بطبيعة الحال إلى شعور أي شخص بالإحباط والانزعاج والارتباك والخوف والقلق على نفسه والآخرين والشك فيما يجب فعله.

التعامل مع الأزمات

وقد سنحت لي الفرصة بحكم منصبي رئيساً تنفيذياً سابقاً لشركة “بيست باي” (Best Buy) ومن قبلها شركة “كارلسون” (Carlson) أن أتحدث مباشرة مع عدد من الرؤساء التنفيذيين وكبار المسؤولين التنفيذيين الذين يخوضون غمار حالة الغموض التي يشهدها العالم حالياً، وراقبت من كثب الإجراءات والقرارات التي اتخذها الكثير من الشركات في أعقاب جائحة فيروس كورونا المستجد.

إذ يحاول كل منهم التعامل مع أزمة تحمل في طياتها تحديات جديدة يوماً بعد آخر، وتستوجب اتخاذ قرارات جديدة كل يوم: هل يجب أن تُبقي محالك التجارية ومصانعك ومكاتبك مفتوحة؟ وإلى متى يجب، أو تستطيع، الاستمرار في دفع رواتب موظفيك؟

والسؤال الذي يطرح نفسه الآن أمام الرؤساء التنفيذيين والشركات هو: كيف يقود هؤلاء مؤسساتهم في هذه البيئة؟ فعلى الرغم من أن الوضع يذكّرنا إلى حد ما بالتحديات التي واجهناها جميعاً خلال فترة الركود الاقتصادي الكبير، ويكفي أن أشير هنا إلى أنني حينما توليت منصب الرئيس التنفيذي لشركة “بيست باي” عام 2012 كانت الشركة على وشك الانهيار، فإن مسؤولي الشركات لا يجدون أمامهم اليوم مخطط عمل واضحاً يمكنهم اتباعه. ولكن ربما كان بإمكاننا الآن تطبيق المبادئ ذاتها المرتبطة بالقيادة الإنسانية الهادفة التي طبقناها في ذلك الحين، مثل وضع العنصر البشري والعملاء في المقام الأول والتعامل مع الربح على أنه نتيجة قد تتحقق أو لا تتحقق، وليس غاية في حد ذاتها.

وقبل أقل من عامين، وتحديداً في أغسطس/آب 2019، وقَّع الكثير من قادة الشركات، ومن بينهم خليفتي في شركة “بيست باي”، كوري باري، على بيان “جمعية بزنس راوند تيبل” حول هدف الشركات. حيث تعهّد 181 رئيساً تنفيذياً بقيادة شركاتهم بطريقة تحقق الصالح العام لكل أصحاب المصلحة من عملاء وموظفين ومورّدين ومجتمعات ومساهمين. لقد جاء التوقيع على هذا البيان استجابة لتداعيات الرأسمالية وآثارها على المجتمع.

وها هو اليوم يتعرض لاختبار جدّي. فقد بات الهدف أهم جوانب منظومة عمل المؤسسات في الوقت الحالي. فهل سيتخذ القادة إجراءات تبرهن على صدق وعودهم التي أقرّوها في صيف العام قبل الماضي؟

لقد لاحظتُ أن قادة الشركات الذين تحدثت معهم أبدوا اهتمامهم البالغ بالهدف، مع التركيز بصورة واضحة على الجوانب الإنسانية. وهم يرون أن هذه الأزمة تمثل لحظة فارقة في حياتهم المهنية ليثبتوا قدرتهم على القيادة بطريقة تعين الآخرين. ويواصلون ليلاً نهاراً للشد من أزر فرقهم، ويعملون معهم يداً بيد من أجل تحقيق الصالح العام. وكما يقول تشرشل، فإنهم يفهمون أن هذه المحنة قد تكون “أفضل أوقاتهم”، ويريدون الارتقاء إلى مستوى الحدث. ولكم أدهشتني إنسانيتهم في كل الحالات.

الخدمات التي يمكن للشركات تقديمها

لا شك في أن هذه الأوقات صعبة للغاية، بيد أننا رأينا في الأيام القليلة الماضية أمثلة رائعة لقادة يعملون بجد في محاولة منهم لاتخاذ إجراءات تحقق الصالح العام، ما يثبت صحة الفكرة القائلة بأنه في مقدور الشركات أن تقدم خدمات جليلة للمجتمع خلال هذه الأزمة.

واستهلوا جهودهم تلك بتوجيه مخاطبات تتصف بالوضوح والاتساق والشفافية إلى العاملين في شركاتهم حول تقييد التنقل من وإلى مقرات العمل وتشجيع العمل من المنزل وتيسيره، إلى جانب إلغاء الفعاليات، حيث قالوا لهم: هذا ما نفعله، ونفعله لهذا السبب. وأصبح منح الإجازات مدفوعة الأجر للموظفين المرضى أو للموظفين الذين لديهم أطفال تأثروا بإغلاق المدارس أكثر شيوعاً، على الرغم من أنني آمل أن ينظر الرؤساء التنفيذيون والحكومات بمزيد من الجدية إلى الإجازات المرضية مدفوعة الأجر كميزة أساسية، بحيث لا يشعر العاملون بأنهم مرغمون على العمل وهم يئنون تحت وطأة المرض. تجدر الإشارة هنا إلى أن شركة “بيست باي” تحرص على الاستفادة من خطط رعاية الأطفال البديلة التي أتاحتها عام 2019، وذلك من خلال توفير فرص الحصول على رعاية الأطفال في المنزل أو في المراكز المتخصصة بأسعار ميسورة لأولئك الذين يحتاجون إليها فجأة، وحسبما تسمح الظروف. كما تحرص أيضاً على توفير الدعم للصحة العقلية من أجل مساعدة الموظفين الذين يعانون الشعور بالقلق وغيره من المشكلات التي نجمت عن هذه الجائحة.

ستؤدي الجائحة بلا شك إلى الإضرار بصافي المبيعات في معظم الشركات، لذا يفكر الكثير من المسؤولين في طرق للحفاظ على السيولة المالية. وقد يكون تسريح العمالة أول ما يخطر ببالهم كحل بديهي. غير أنني أؤكد أن هذا خطأ فادح إن دلَّ على شيء فإنما يدل على قِصر النظر. فعندما كنت أشغل منصب الرئيس التنفيذي لشركة “كارلسون واغونليت ترافيل” (سي دبليو تي) (Carlson Wagonlit Travel)، تضررت أعمالنا في ألمانيا بشدة نتيجة الركود الاقتصادي الكبير، حيث تعتمد أعمال سفر مسؤولي الشركات على وكلاء متطورين قادرين على تحسين ترتيبات السفر متعدد المسارات وأسعار الخطوط الجوية الفاخرة، إلى جانب علاقات هؤلاء الوكلاء مع المسافرين الذين يخدمونهم. وقد أثر الركود الاقتصادي بشدة على أنشطة السفر، وبالتالي على الطلب على خدمات شركة “كارلسون واغونليت”. وكان تسريح العمال هو الحل الأسهل في الكثير من الأماكن، ولكن في ألمانيا، وبفضل قوانين العمل المحلية، قرر فريق الإدارة تقليل ساعات العمل حتى يتمكن الجميع من الاحتفاظ بوظائفهم. لم تكن لديهم أي فكرة عن طول المدة اللازمة لتعافي السوق، لكنهم كانوا يدركون أن الاحتفاظ بالعنصر البشري يمثل أولوية لا غنى عنها. وعندما تعافت السوق، كانوا جاهزين ولم يعانوا استنزاف المواهب.

القيادة بطريقة هادفة وإنسانية

لا خلاف أن الجائحة مروعة، لكنها مؤقتة بطبيعتها. وقد تحدثت مع قادة أدركوا هذا التصور، وشرعوا في دراسة خفض الأجور بصورة مؤقتة وتقليل ساعات العمل أو منح موظفيهم إجازة مؤقتة، بدلاً من تسريحهم. وأتمنى أن يحاول المزيد من القادة تبني هذا الفكر.

كما تظهر الشركات ريادتها أيضاً من خلال محاولاتها الدؤوب لإثبات قدرتها على رعاية عملائها، حيث يواصل بعض مؤسسات البيع بالتجزئة، كمحال البقالة والصيدليات، العمل من أجل توفير المواد الأساسية للعملاء. ومن هذا المنطلق أعلنت هذه المؤسسات عن إدخال تعديلات على عملياتها التشغيلية، مثل تكثيف خدمات التنظيف في متاجرها وتقليل ساعات العمل لتسهيل تنظيف المتاجر وتخصيص حيز زمني للعملاء الأكثر عرضة للإصابة بالمرض حتى يتمكنوا من التسوق بأنفسهم والحد من ازدحام العملاء لضمان سلامتهم. وقرر عدد من مؤسسات البيع بالتجزئة الأخرى، مثل “آبل” و”نايكي” و”رالف لورين”، إغلاق محالها التجارية مؤقتاً. لا خلاف أن العثور على التوازن الصحيح هنا عمل صعب للغاية، وأنا متأكد من أنه سيتم مراجعته باستمرار مع تطور الموقف.

وقد شجعتني تقارير الشركات التي تبحث عن مورّدين. إذ بدأت بعض الشركات في مساعدة أكثر المورِّدين عرضة للتأثر بتداعيات الجائحة. فقد قررت “أمازون”، على سبيل المثال، إنشاء صندوق بقيمة 5 ملايين دولار لمساعدة الشركات الصغيرة بالقرب من مقرها الرئيسي. وتراجع شركات أخرى قائمة مورّديها الرئيسيين وتراقب أوضاعهم من كثب بهدف التدخل لضمان بقائهم إذا استدعت الظروف ذلك.

وأخيراً، فإن بعض الشركات تحشد جهودها لمساعدة المجتمعات التي تعمل فيها على نطاق أوسع. فقد حرصت شركة “جونسون آند جونسون” في الصين على تقديم الأموال والمستلزمات الطبية ومعدات الحماية لمختلف المؤسسات التي تتعامل مع تفشي المرض. وأتاحت شركة “زووم” لكافة مدارس التعليم الأساسي إمكانية عقد مؤتمرات الفيديو مجاناً في جميع أنحاء الولايات المتحدة. واعتزمت شركة “إل في إم آتش” (LVMH) للسلع الفاخرة استخدام بعض مصانع العطور ومستحضرات التجميل (مثل “ديور” و”غيرلان” و”جيفنشي”) لإنتاج كميات كبيرة من مطهّر اليدين وتوفيره مجاناً للمستشفيات الحكومية في فرنسا.

تبرهن هذه الأمثلة على صحة بيان “جمعية بزنس راوند تيبل” وأهمية تحقيق الصالح العام لكل أصحاب المصلحة. وقد وصلت إلى قناعة بحكم خبرتي في العمل المؤسسي على مدار العقود العديدة الماضية وقيادة شركة “بيست باي” لإقالتها من عسرتها بأن العمل التجاري يرتبط ارتباطاً ماساً بالسعي وراء هدف نبيل وتصميم هيكل عمل الشركات بطريقة تتمحور حول الموظفين والعلاقات الإنسانية.

وتبرز أهمية هذا الفكر في أوقات الأزمات مثل تلك التي نشهدها حالياً. وليس من المناسب أن يُقاس الأداء في هذه الظروف من خلال سعر سهم الشركة أو ما إذا كانت ربحية السهم ستصل إلى المستوى المتوقع، بل يجب الحكم على الأداء خلال هذه الحقبة من خلال قدرة الشركة وقياداتها على خدمة الجميع وتحقيق هدف أسمى، وقدرتها تحديداً على تقديم إسهامات إيجابية وتلبية متطلبات كل أصحاب المصلحة وتوقعاتهم.

تتيح هذه الأزمة فرصة سانحة أمام قادة الشركات لإثبات قدرتهم على القيادة الرشيدة والقيادة بطريقة هادفة وإنسانية. وقد راودني الشعور بالتفاؤل بعد مناقشاتي مع أولئك الذين تحدثت إليهم وما أشهده على أرض الواقع. لكن يجب أن يسأل القادة أنفسهم وهم يواجهون هذه الأزمة: هل تُخصص ما يكفي من الوقت للاعتناء بنفسك من خلال التأمل، مثلاً، حتى تستطيع قيادة الآخرين بأفضل شكل ممكن؟ وما الإجراءات التي تتخذها لمساعدة الآخرين من حولك؟ وكيف ستقيس مستوى أدائك؟ وكيف تريد أن ينظر الآخرون إلى أسلوبك في القيادة خلال هذه الحقبة؟

تنويه: يمكنكم مشاركة أي مقال من هارفارد بزنس ريفيو من خلال نشر رابط المقال أو الفيديو على أي من شبكات التواصل أو إعادة نشر تغريداتنا، لكن لا يمكن نسخ نص المقال نفسه ونشر النص في مكان آخر نظراً لأنه محمي بحقوق الملكية الدولية. إن نسخ نص المقال بدون إذن مسبق يعرض صاحبه للملاحقة القانونية دولياً.

جميع الحقوق محفوظة لشركة هارفارد بزنس ببليشنغ، بوسطن، الولايات المتحدة الأميركية 2024 .